أمير حميدة أبوالمك
مستشار حوكمة المؤسسات
الحرب لا تدمر البنى التحتية والحضارة الإنسانية فقط، بل تمتد آثارها المدمرة لتشكل تهديداً وجودياً للبيئة والأنظمة الإيكولوجية. في السودان، حيث تستمر النزاعات المسلحة في إحداث الخراب، أصبح من الضروري تسليط الضوء على الآثار البيئية العميقة لهذه الصراعات، وطرح رؤية واضحة للتعافي البيئي الذي يمكن أن يساهم في تحقيق السلام المستدام.
١. تغير المناخ والاتفاقيات الدولية: انعكاسات على السودان
يعد السودان من أكثر الدول تأثراً بتغير المناخ، حيث شهدت البلاد تزايداً في وتيرة الجفاف والفيضانات وتدهور الأراضي. في هذا السياق، تكتسب الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية باريس للمناخ أهمية خاصة للسودان، حيث يمكن أن توفر إطاراً لدعم جهود التكيف مع تغير المناخ وتقديم المساعدات التقنية والمالية.
غير أن الحرب تهدد بتقويض قدرة السودان على الوفاء بالتزاماته الدولية في مجال البيئة، كما تعطل الوصول إلى التمويل المناخي الذي تشتد الحاجة إليه في هذه المرحلة الحرجة.
٢. البيئة في زمن الحرب: تداعيات مروعة وسبل التعافي
تترك الحرب بصماتها المدمرة على كل مكون من مكونات البيئة:
· تلوث الهواء: جراء الحرائق والانفجارات وحرق المخلفات
· تدهور جودة المياه: بسبب تدمير البنى التحتية للمياه وتلوث المصادر المائية
· تلوث التربة: من المخلفات الحربية والمواد الكيميائية
· الدمار الذي يلحق بالحياة البرية: نتيجة تدمير الموائل والاصطياد الجائر
يمكن أن تبدأ جهود التعافي من خلال:
· إجراء تقييمات سريعة للضرر البيئي
· تنظيم حملات تنظيف للمناطق الملوثة
· إعادة تأهيل البنى التحتية للصرف الصحي والمياه
· إطلاق برامج إعادة التشجير
٣. البيئة كمدخل للسلام والعدالة الاجتماعية
يمكن أن يصبح التعافي البيئي جسراً للسلام من خلال:
· إنشاء مشاريع تشغيلية في مجال الإدارة البيئية تجمع بين أفراد المجتمعات المتضررة
· إشراك الشباب في برامج الحفاظ على البيئة وإعادة التأهيل
· الاعتراف بحقوق المجتمعات في الوصول العادل للموارد الطبيعية
· دعم سبل العيش المستدامة المرتبطة بالبيئة والتي تعزز التماسك الاجتماعي
٤. ثروات السودان الطبيعية: نحو موازنة بين التنمية والاستدامة
يمتلك السودان ثروات طبيعية هائلة، من الأراضي الزراعية الخصبة إلى الموارد المعدنية والطاقة الشمسية الوفيرة. تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة يتطلب:
· اعتماد مبادئ الاقتصاد الأخضر في خطط إعادة الإعمار
· الاستثمار في الطاقة المتجددة كبديل مستدام
· تطوير الزراعة المراعية للمناخ التي تحافظ على خصوبة التربة
· إدارة مستدامة للموارد المائية تضمن عدالة التوزيع بين مختلف المناطق
رغم الدمار البيئي الشامل الذي خلفته الحرب، فإن إعادة البناء البيئي تمثل فرصة تاريخية للسودان لتبني مسار تنموي أكثر استدامة وعدالة. إن التعافي البيئي ليس ترفاً، بل هو ضرورة لإعادة بناء أسس الحياة الكريمة وتحقيق سلام دائم يعترف بالترابط الوثيق بين صحة الإنسان وصحة الكوكب.
إن الاستثمار في تعافي البيئة السودانية هو استثمار في مستقبل الأجيال القادمة، وضمانة لعدم تكرار الصراعات التي غالباً ما تتجذر في التنافس على الموارد الطبيعية المتناقصة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم