أفكار عامة حول النقد السياسي كمدخل للتطور والنهضة (5)

البراق النذير

أميركا والسعودية.. من الشيطان الأكبر إلى الأخ الأكبر!
وكل هذه العملية من المسايرة والدعم دون فحص وتمحيص ومن ثم إذعان وحتى الجري وراء الوهم في نهاية المطاف، تخدم السلطة المعينة وتعينها على تكريس هيمنتها؛ يحدث ذلك حتى بروز الاحتياج المادي لحشود من الجماعات في رقعة معينة، وذات مصالح مشتركة – والذي بالضرورة هو مشروع مضاد لمشروع السلطات النهائي في ذات الرقعة- الذي بدوره يخلق الانتباه لهيمنة السلطات وخديعتها من أجل مواصلة الهيمنة، ويتحول هذا الانتباه إلى ما يعيد للمقاومة ألقها وللتغيير زخمه، باعتبار أن الحاجة مثل مصباح كشاف، قوي، يُسلط على ميدان الخديعة، فتبدأ بذلك عملية مناهضة القديم والثورة عليه، من أجل الجديد الذي يحقق هدف الاتفاق الأول أو هدفاً أسمى منه!
إن المصطلحات المتداولة من الكتاب والفاعلين السياسيين في سياق معضلة بلادنا المزمنة وخاصة خلال كارثة الحرب الحالية، حين لا يتم شرحها بصورة كافية، يصبح المآل والمصير، بوعي أو لا وعي، وقصدية أو لا قصدية، تبني هذه المصطلحات والمقولات بوصفها مقدسة، تشمل طقوساً واجبة وملزمة، ويتم تزيينها ككتلة صماء تحقق الخلاص بذاتها، لا عبر تفكيكها وإجراء معول العقل النقدي عليها. يتم ذلك لأجل الوصول لاتفاق حول غرض ما، غرض خفي، أو غرض يحوي شكل من أشكال المؤامرة الواعية أو غير الواعية؛ ولكي يتم هذا النوع من الاتفاق، يختزل الكاتب أو الفاعل السياسي هذا المصطلح أو ذاك ضمن أطروحة متكاملة، في محاولة للهيمنة السياسية والتحكم في العقل الجمعي ومن ثم السير بالجمع نحو ما يروم بيُسر.
بهذا فإن سيطرة العقل الأداتي على تفكير الفرد، يصبح هو ذاته هدف تكتيكي للكاتب والفاعل السياسي الانتهازي، حيث أن الفرد هو وحدة أساسية في المجتمع، وبهذا يتخلق شيئاً فشيئاً ومن مرحلة إلى أخرى عقل جمعي أداتي.
فيما أعلنه بخصوص السودان، الرئيس الأميركي ذو الخطابات الصارمة واللغة الباطشة بعد لقاء له قبل أيام مع الأمير السعودي، ذي الملامح الوسيمة على مستوى المظهر والسياسات- وفق معايير برجوازية-، تجلّى خطاب جديد لسلطة مهيمنة، يبدو وكأنه خطاب الأخ الأكبر! أميركا التي كان عذابها دانياً في تصورات البعض، والسعودية التي كان يُساء إليها كل صباح على الإذاعة الرسمية، أصبحتا “فاتن حمامة” الفعل السياسي السوداني بين ليلة وضحاها، وتحولا في نظر البعض، من الشيطان الأكبر إلى الأخ الأكبر، الناصح الحنون والصارم في ذات الوقت، وأصبح فجأة، رقصهما على مسرح الاستعراض التاريخي لأزمتنا على طاولات الدول والمنظومات الأقوى، مصدر تفاؤل وأمل.
أنتج كلٌّ من مايكل جاكسون وتيدي رايلي أغنية (Blood on the dance floor) وترجمتها الممكنة (دماء على حلبة الرقص)، وذلك تزامنًا مع إصدار ألبوم “Dangerous” عام 1991. إلا أنها لم تُدرج في ذلك الألبوم، وخضعت لمزيد من العمل لإصدارها التجاري عام 1997. يصف أحد تفسيرات الأغنية امرأة مُفترسة تُدعى سوزي، تُغوي المغني مايكل جاكسون قبل أن تُدبّر له طعنةً بسكين.
علق بعض النقاد الموسيقيين على نبرة الأغنية العدوانية، وأسلوبها الصوتي، حيث تبدأ وكأنها همهمات غير مفهومة، وتتنوع الموسيقى داخلها. الحركة في الفيديو المصور، توحي للمشاهد برقص الثعابين على صوت مزمار شجي؛ نعومة زائفة وتلوٍّ نهايته الحتمية لدغة سامة. كل ذلك جعل التفسيرات المحتملة لهذه الأغنية ليس في صالحها من الجانب الجمالي. كانت المراجعات عند إصدار الأغنية مُتباينة إلى حد كبير، لكن المراجعات المعاصرة كانت إيجابية. تمحور الفيديو حول سوزي وهي تُغوي جاكسون في رقصة مغازلة، قبل فتح مطواة(سكين).
يردد جاكسون في مقطع من الأغنية: بدا أن كل شيء كان في صفي (الدم في صفي)
بدت صادقة كما لو كان حباً ورومانسية حقيقية
ويختم: سوزي ليست صديقتك.. كان دماً على حلبة الرقص
أوحى لي خطاب ترمب الأخير بهذه الأغنية بشيء أقرب للمماثلة، فقد بدأ خطابه بكلمات تبدو بريئة، بل همهمات اختلف الناس حول تفسيرها، لكن القليل من هؤلاء الناس انتبهوا للمخاطرة، أو علموا أنها كذلك، وعلموا أن الأمر ليس حباً ورومانسية، لكنهم واصلوا مشاهدة الرقص واستمتعوا بالغناء على أي حال، ورددوا الأغنية في جوقة جماعية وبانسجام عالٍ، رغم اختلاف الأصوات ونشاز بعضها.
يقول الفيلسوف الفرنسي إميل دوركهايم: “لا يمكن أن يوجد مجتمع لا يشعر بالحاجة إلى دعم وتأكيد المشاعر الجماعية والأفكار الجماعية التي تُشكل وحدته وشخصيته، على فترات منتظمة. ولا يمكن تحقيق إعادة الصياغة الأخلاقية هذه إلا من خلال اللقاءات والتجمعات والاجتماعات التي يُعيد فيها الأفراد، المتحدون بشكل وثيق مع بعضهم البعض، تأكيد مشاعرهم المشتركة؛ ومن هنا تأتي طقوس لا تختلف عن الاحتفالات الدينية المنتظمة، سواء في هدفها أو نتيجتها أو في العملية المُتبعة لتحقيقها. ما الفرق الجوهري بين تجمع للمسيحيين يحتفلون بالتواريخ الرئيسية في حياة المسيح، أو تجمع لليهود يتذكرون خروجهم من مصر أو إعلان الوصايا العشر، وبين تجمع للمواطنين يُحيي ذكرى إصدار نظام أخلاقي أو قانوني جديد أو حدث عظيم في الحياة الوطنية؟”
نواصل

السودان

تفكيك_النص

النقدالسياسيكمدخل

عن البراق النذير الوراق

شاهد أيضاً

أفكار عامة حول النقد السياسي كمدخل للتطور والنهضة(4)

البراق النذير خلفية مرجعيةهل يهيمن العقل الأداتي على الفعل السياسي في السودان؟(يمكن للمجموعة أن تشكل …