منّظر ميليشيا الجنجويد الوليد آدم مادبو.. يستدعي التدخل الدولي كحل سحري!

عبدالغني بريش فيوف

في اللحظات التاريخية التي تمر فيها الدول بأزمات عميقة، تميل بعض النخب إلى طرح أفكار تبدو في ظاهرها جريئة أو صادمة، لكنها في كثير من الأحيان تكشف عن مأزق فكري حقيقي أكثر مما تقدم حلولاً واقعية.
ومن هذا النوع، هو الطرح الذي قدمه الدكتور الوليد آدم مادبو في مقاله الداعي إلى وضع السودان تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة باعتباره السبيل الأخير لإنقاذ الدولة السودانية من الانهيار.
غير أن الإشكالية الأساسية في هذا الطرح لا تكمن فقط في الدعوة إلى تدخل دولي واسع، بل في التناقض الصارخ الذي يحمله صاحبه، إذ يصعب فهم كيف يمكن لمن يتعامل سياسيا أو فكريا، ويتسامح مع وجود ميليشيا مسلحة خارج إطار الدولة، بل ويقدم لها نوعا من التبرير السياسي، وأن يطالب في الوقت نفسه بوصاية دولية تهدف بحسب قوله، إلى إعادة بناء الدولة وتفكيك بنى العنف.
هذا التناقض، لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف في الرأي السياسي، بل يعكس أزمة عميقة في طريقة التفكير السياسي لدى بعض النخب السودانية التي تتعامل مع الكارثة الوطنية بمنطق انتقائي، فتدين مظاهر معينة من انهيار الدولة بينما تتجاهل أو تخفف من خطورة مظاهر أخرى لا تقل تدميرا.

يبدأ مادبو مقاله بالحديث عن فشل الدولة السودانية منذ الاستقلال، وعن نشأة دولة لم تكتمل مؤسساتها ولم تُرسخ تقاليدها الإدارية، وهذه الفكرة ليست جديدة، بل صحيحة مائة المائة، فكثير من الباحثين تناولوا أزمة الدولة الوطنية في السودان وتحدثوا عن هشاشتها البنيوية منذ السنوات الأولى للاستقلال، لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في هذا التشخيص، بل في القفزة التي تليه مباشرة، حين يتحول توصيف الأزمة إلى تبرير للدعوة إلى وصاية دولية تحت الفصل السابع.
إن مثل هذا الاستنتاج يتجاهل دروسا واضحة من التاريخ الحديث، إذ ان التدخلات الدولية التي تمت تحت الفصل السابع لم تنجح في معظم الحالات في بناء دول مستقرة، بل أدت في كثير من الأحيان إلى تعقيد الأزمات بدلا من حلها.
يكفي النظر إلى التجربة العراقية بعد عام 2003، حيث أدى التدخل العسكري الدولي إلى تفكيك مؤسسات الدولة وإطلاق موجة من الفوضى والعنف استمرت لسنوات طويلة، وكذلك الحال في ليبيا، حيث تحول التدخل الدولي الذي أُعلن في بدايته باعتباره حماية للمدنيين إلى نقطة بداية لانهيار الدولة وانتشار الميليشيات المسلحة في مختلف أنحاء البلاد، وحتى في أفغانستان، التي شهدت أطول تدخل عسكري دولي في العصر الحديث، انتهت التجربة بانسحاب القوات الدولية وعودة الأزمة إلى نقطة البداية تقريبا.

هذه الأمثلة تكشف حقيقة أساسية مفادها أن بناء الدولة عملية تاريخية داخلية في المقام الأول، ولا يمكن استيرادها عبر قرارات دولية أو عبر وجود قوات أجنبية على الأرض، فالدولة لا تُبنى بالقوة الخارجية، بل ببناء عقد اجتماعي داخلي يحدد العلاقة بين السلطة والمجتمع.
لكن المفارقة الأكثر وضوحا في طرح مادبو، تظهر عندما يتحدث عن ضرورة تفكيك بنى العنف وفرض حد أدنى من النظام، في الوقت الذي يتجاهل فيه حقيقة أن إحدى أخطر هذه البنى هي الميليشيات المسلحة التي نشأت خارج إطار الدولة، وفي مقدمتها ميليشيا الدعم السريع التي لعبت دورا محوريا في تفكيك مؤسسات الدولة السودانية وفي تحويل الصراع السياسي إلى حرب مفتوحة.
إن أي تحليل جاد للأزمة السودانية لا يمكن أن يتجاوز هذه الحقيقة الأساسيةن، فالدولة الحديثة تقوم على مبدأ واضح وهو احتكار العنف الشرعي، وعندما تتعدد الجيوش وتتناسخ الميليشيات كما يحدث اليوم في السودان، فإن فكرة الدولة نفسها تصبح مهددة، ولذلك فإن الحديث عن إعادة بناء الدولة مع التغاضي عن وجود هذه التشكيلات المسلحة يبدو وكأنه محاولة للالتفاف على جوهر المشكلة.
يزعم مادبو أن الحل الداخلي أصبح ضربا من الوهم، وأن النخب السودانية أثبتت عجزها عن إنتاج مخرج وطني للأزمة، غير أن هذا الحكم التعميمي يتجاهل حقيقة مهمة، وهي أن كثيراً من الدول التي مرت بحروب أهلية مدمرة استطاعت في النهاية الوصول إلى تسويات داخلية رغم كل الصعوبات، فجنوب أفريقيا، على سبيل المثال، خرجت من نظام الفصل العنصري عبر مفاوضات داخلية شاقة بين أطراف كانت تعيش صراعا وجوديا، وكذلك رواندا بعد الإبادة الجماعية، حيث أُعيد بناء الدولة عبر عملية سياسية داخلية معقدة.
أما الرهان على تدخل قوة دولية كبرى لإعادة بناء السودان، فهو رهان يتجاهل طبيعة السياسة الدولية نفسها، فالدول الكبرى لا تتحرك بدوافع إنسانية مجردة، بل وفق حسابات المصالح والنفوذ، والسودان، بحكم موقعه الجغرافي بين البحر الأحمر والقرن الأفريقي، يمثل منطقة ذات أهمية استراتيجية، ما يعني أن أي تدخل دولي واسع النطاق قد يحوله إلى ساحة صراع نفوذ بين قوى إقليمية ودولية متعددة.
ومن هنا، فإن تصوير التدخل الدولي باعتباره مشروعا محايدا لإعادة بناء الدولة يبدو أقرب إلى التبسيط المخل للواقع السياسي.
كما أن المقارنة التي أوردها مادبو بين السودان وتجارب إعادة بناء ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، تبدو مقارنة غير دقيقة تاريخيا، فهاتان الدولتان كانتا تمتلكان مؤسسات راسخة قبل الحرب، كما كان مجتمعهما متماسكاً إلى حد كبير، إضافة إلى ذلك، جاءت إعادة البناء في سياق دولي خاص للغاية بعد حرب عالمية كبرى، وفي ظل ظروف سياسية واقتصادية لا يمكن مقارنتها بالحالة السودانية الحالية.
أما السودان اليوم، فهو بلد يعاني من انقسامات اجتماعية عميقة وانتشار واسع للسلاح وتعدد مراكز القوة المسلحة، وفي مثل هذا السياق، فإن فرض وصاية دولية قد يزيد تعقيد الأزمة بدلا من حلها.

ثم إن الدعوة إلى استبعاد القوى التي ساهمت في تأجيج الصراع، تبدو بدورها دعوة إشكالية إذا لم تكن مصحوبة بموقف واضح وحاسم من كل التشكيلات المسلحة التي نشأت خارج إطار الدولة، فالمعيار الأخلاقي والسياسي يجب أن يكون واحداً لا يتجزأ،’ولا يمكن بناء دولة حديثة بينما يتم التعامل مع بعض الميليشيات باعتبارها جزءاً من الحل.
إن الأزمة الحقيقية التي يعاني منها السودان اليوم، ليست فقط أزمة حكم أو أزمة نخبة، بل هي أزمة مفهوم الدولة نفسها، فقد أدى انتشار السلاح وشرعنة العنف السياسي إلى إضعاف المؤسسات الوطنية وتحويل الصراع السياسي إلى صراع مسلح.
ومن هنا فإن الطريق الحقيقي للخروج من الكارثة لا يبدأ بتدويل الأزمة، بل بإعادة الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية التي تحتكر السلاح وتفرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء.
كما أن الحل المستدام لا يمكن أن يتحقق إلا عبر عملية سياسية داخلية شاملة تشارك فيها مختلف القوى السودانية بهدف التوصل إلى عقد اجتماعي جديد يعالج جذور الأزمات التاريخية التي عانى منها السودان منذ الاستقلال.
قد يبدو هذا الطريق طويلا وصعبا، وربما لا يحقق نتائج سريعة، لكنه يظل الطريق الوحيد القادر على إنتاج دولة مستقرة ذات سيادة، أما الرهان على تدخل دولي شامل لإنقاذ السودان، فهو رهان محفوف بالمخاطر، وقد ينتهي إلى تكريس أشكال جديدة من الوصاية بدلا من بناء دولة حقيقية.
إن أخطر ما في الخطاب الذي يدعو إلى مثل هذا الخيار، ليس فقط الدعوة إلى الفصل السابع في حد ذاتها، بل الفكرة الضمنية التي يحملها، وهي أن السودانيين عاجزون عن إدارة شؤون بلادهم وأن الحل يجب أن يأتي من الخارج، وهذه الفكرة، مهما كانت مبرراتها، تعكس حالة من اليأس الفكري أكثر مما تقدم مشروعا سياسيا قابلا للحياة، فالسودان لن يُعاد بناؤه بقرارات مجلس الأمن ولا بوجود قوات دولية، بل بإرادة أبنائه وقدرتهم على استعادة دولتهم من قبضة السلاح المنفلت والميليشيات المتناسلة. وأي خطاب سياسي يتجاهل هذه الحقيقة الأساسية يظل، مهما بدا بليغاً أو صادماً، جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحل.

bresh2@msn.com

عن عبدالغني بريش فيوف

شاهد أيضاً

البرهان يعزي في وفاة الخليفة الطيب الجد.. أما ضحايا دارفور وكردفان فخارج تغطية سيادته!

عبدالغني بريش فيوففي مشهد سريالي يعكس حجم المأساة السودانية وعمق الانفصام القيادي الذي تعيشه مؤسسات …