متحف مفتوح للفظائع

هزّت مجزرة كلوقي ضمير السودان الجريح. كأن الطائرة المسيّرة التي انقضّت على روضة الأطفال، ثم على المستشفى، ثم على من هرعوا لإنقاذ الضحايا، أرادت أن تكتب بياناً بالدم عن طبيعة الحرب حين يفلت عقالها، وعن حقيقة «الدعم السريع» حين تُطلق يدها ضد الأبرياء.
فجأة تحوّلت البلدة الصغيرة إلى مرثية مكتملة؛ لعبٌ صغيرة ملطخة بالدم، مقاعد روضة تحولت إلى شواهد قبور، وصراخ أطفال يتردّد فوق جبال جنوب كردفان. المكان كله يئنّ تحت وطأة جُرمٍ فادح.
لا يحتاج الرواة إلى خيالٍ واسع لسرد ما جرى. الضربة الأولى استهدفت روضة الأطفال. الضربة الثانية قصفت الجموع التي هُرعت لتحمل الصغار. ثم الثالثة انهالت على المستشفى، قلب البلدة وروحها. سلسلة لم تُبق مساحة للنجاة، ولم تترك موطئ قدم للرحمة. ومع الساعات، ارتفعت الحصيلة كأن الموت كان يراجع قوائمه؛ أكثر من ستين طفلاً، وأربعة وأربعين بالغاً، وسبع نساء، وعشرات الجرحى الذين يحاول الأطباء الإمساك بالحياة من حوافها الأخيرة.
الصدمة لم تكن في عدد القتلى وحده، بل في طريقة الاستهداف، في التكرار البارد الذي يؤكد أن المسألة جزء من عقيدة قتال لا ترى فرقاً بين روضة أطفال ومركز عسكري. ثلاث ضربات متتابعة، كأن المسيرة كانت تتجوّل بين الجنازات المؤجلة، تبحث عن نَفَسٍ لم ينطفئ بعد لتطفئه.
جنوب كردفان لم تستفق بعد من هول الكارثة حتى بدأت رياح التصعيد تهبّ من جديد. «الدعم السريع» وحليفتها الحركة الشعبية – شمال، بقيادة عبدالعزيز الحلو، دفعتا بتعزيزات واسعة نحو الدلنج وهجليج، في وقت كان الجيش يعلن إحباط محاولة هجوم على كادوقلي. جبل التيتل تغيّر لونه في ساعات قليلة؛ دخان يتصاعد، وجثث تتناثر، ومعارك تعيد رسم الحدود بالنار.
الجبهات تتسع. الأراضي تتشقّق. أقاليم النيل الأزرق تلقت هي الأخرى ضربة مسيرة أصابت محطة الكهرباء، وأغرقت الدمازين في ظلام الحداد. انفجار واحد كان كفيلاً بإشعال الرعب في المدينة، قبل أن تنجح مضادات الجيش في إسقاط الهدف. حادثة تُذكّر بهجوم مماثل قبل أسابيع، في إشارة إلى أن المسيرات باتت تتجوّل فوق المدن كطيور شؤم.
في مواجهة هذه الجرائم، ارتفع صوت الخارجية السودانية ببيان إدانة، تحوّل لاحقاً إلى مذكرة رسمية أودعتها البعثة الدائمة في جنيف لدى الأمم المتحدة. لغة البيان كانت شديدة الوضوح: الميليشيات استوفت كل المعايير لتصنيفها «جماعة إرهابية متوحشة»، والمجتمع الدولي مطالب بأن يرفع الغشاوة عن عينيه، وأن يسمّي الأشياء بأسمائها، وأن يعترف بأن الحرب لم تعد نزاعاً داخلياً بين أطراف مسلحة، بل تحوّلت إلى آلة قتل تستهدف روح السودان قبل جسده.
مشهد كلوقي ليس حادثة معزولة. هو اختبار أخلاقي. امتحان لقدرة العالم على وقف الانهيار قبل أن يتحوّل السودان إلى متحف مفتوح للفظائع.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …