ردّ إلى الإخوة في (حراك): نحو مقاربة تكاملية لفهم العقل المركزي

دكتور الوليد آدم مادبو

أودّ أولاً أن أعرب عن تقديري العميق للإخوة في (حراك) على قراءتهم المتأنية لمقالي «الإنكار: آفة العقل المركزي»، وعلى الجهد الفكري الواضح الذي بذلوه في صياغة مقاربة ماركسية رصينة تُضيء جوانب أساسية من بنية الاستغلال في السودان. هذا النوع من الحوار الموضوعي والمسؤول هو ما تحتاجه بنية الوعي السياسي والمدني في سودان الغد؛ إذ يبعث على الأمل في نشوء طبقة فكرية نقدية جديدة تُسهم في إعادة تشكيل المجال العام ونزع أغلاله، وتحرير النقاش من ثنائياته الكسولة.

وليس بين ما طرحته وبين ما قدّموه تعارضٌ يُذكَر؛ بل أرى في مقاربتهم زاوية إضافية تُعين على توسيع إطار التحليل، وتُعمّق فهمنا لطبيعة المركز وعلاقته بالأطراف، وتضع هذه العلاقة داخل سياق مادي–اقتصادي لا غنى عنه. غير أنّني لا أزال أؤمن بأن أي قراءة أحادية—مهما بلغت دقّتها—تُفقِدنا القدرة على الإحاطة بظاهرة سودانية معقّدة تتشابك فيها البنى المادية مع الرمزية، والاقتصاد مع الهوية، والسرديات مع الأخلاق العامة، بصورة تجعل الفصل بينها فصلًا مصطنعًا يضرّ أكثر مما ينفع.

وقد أشار إلى هذا التشابك عدد من المفكرين الكبار الذين حاولوا—كلّ بطريقته—تفكيك العلاقة بين الوعي والبنية، وبين المادة والمعنى، وبين الاقتصاد والهوية. فأنطونيو غرامشي لفت الانتباه إلى أنّ السيطرة الطبقية لا تكتمل بالاقتصاد وحده، وأنّ الهيمنة الحقيقية تُمارَس في فضاء الوعي حين ينجح المركز في إعادة تشكيل المخيال الجمعي بحيث يصبح الظلم مفهوماً كأنه طبيعي. وهذه الرؤية تتقاطع مباشرة مع تحليل الإنكار الذي قدّمته، حيث يتحوّل الإنكار من موقف نفسي إلى بنية ذهنية تسبق القمع وترافقه.

أما إدوارد سعيد فقد نبّه إلى أنّ الجغرافيا ليست معطى محايدًا، بل تُعاد صياغتها داخل سردية القوة والهيمنة. بهذا المعنى، لا يمكن فهم أم درمان كحاضرة سياسية إلا بوصفها سردية سلطة قبل أن تكون مدينة، وهو ما ينسجم مع رؤيتي لكيفية استخدام المركز للرموز المكانية في إنتاج مكانته وهيبته. وفي الاتجاه نفسه، يقدّم بول ريكور قراءة عميقة لطبيعة العنف، مفادها أن العنف يبدأ سرديًا قبل أن يتجسّد مادّياً؛ فالفعل السياسي لا يُرتكَب إلا بعد أن تُعاد هندسة المعنى بما يبرره ويجعله مقبولًا. وهذا بالضبط ما يفعله العقل المركزي حين يمارس الإنكار تجاه الأطراف: يعيد ترتيب الحكاية ليُضفي على القمع شرعية مسبقة.

وتأتي نانسي فريزر لتُضيف أنّ العدالة ليست اقتصادية ولا ثقافية فحسب، بل هي ثلاثية الأبعاد: توزيع، واعتراف، وتمثيل سياسي. وهذه الثلاثية تبدو ملتصقة بالواقع السوداني التصاقًا لافتًا؛ إذ يعيش البلد أزمة توزيع في موارده، وأزمة اعتراف بهوياته المتعددة، وأزمة تمثيل سياسي جعلت المركز يحتكر الدولة كأنها ملكية خاصة. وعلى خطٍ موازٍ، يقترح أمارتيا سن أنّ الفقر ليس نقصًا في الدخل، بل حرمانًا من القدرة على الفعل والمشاركة. وبذلك يمكن قراءة تهميش الهامش كعملية تجريد الإنسان من صلاحيته في وطنه، لا كضيقٍ مادي فقط.

ويأتي تشومسكي ليبيّن لنا أن الخداع والإنكار ليسا سلوكًا فرديًا، بل بنية مؤسسية تُنتجها الدولة ذاتها عبر أجهزة الإعلام والمعرفة. وهذا ما يجعلنا ننظر إلى الإنكار السوداني لا كعيب ثقافي فقط، بل كبنية تخدم إعادة إنتاج السلطة. وفي السياق نفسه، يرى شارل تايلور أن العدالة مرتبطة بالاعتراف المتبادل، فيما تكشف نانسي شيفر-هيوز كيف يُولد العنف اليومي حين تتشوّه الأخلاق الجماعية ويصبح الألم غير المرئي جزءًا من النظام الاجتماعي نفسه. وهنا تتضح جذور السلوك المركزي تجاه الأطراف: مزيج من غياب الاعتراف واستسهال العنف الناتج عن تشوّه أخلاقي متراكم.

إن هدفي لم يكن—ولن يكون—إلغاء قيمة التحليل الطبقي، بل الإشارة إلى أنّ «النمط السوداني» لا يُفهم إلا عبر منهج تركيبي يجمع بين البنى المادية والرمزية معاً. فالسودان ليس رأسمالية صافية، ولا مجرّد اقتصاد ريعي، ولا دولة تقليدية خالصة؛ بل هو نظام هجين تتجاور فيه الرأسمالية الطفيلية مع اقتصاد إعاشة هشّ، وتتقاطع فيه سرديات الهوية مع أخلاق قطيعية موروثة، وتعمل فيه آليات دولة استعمارية لم تتغير جذريًا منذ أن تركها البريطانيون، وظلّت تتنقّل من سلطة إلى أخرى مع الحفاظ على جوهرها المركزي.

ختامًا، إن مساهمة الإخوة في (حراك) تُشكّل إضافة مهمّة لمسار تطوير مدرسة سودانية جديدة في التحليل السياسي والاجتماعي: مدرسة لا تتعصّب لمنهج واحد، ولا تنغلق داخل قراءة أحادية، بل تسعى إلى تركيبٍ يليق بواقعٍ معقّد، وإلى فهمٍ يتجاوز اختزال السودان في طبقته أو هويته أو سرده، ليعيد قراءته كنظام متعدد الطبقات، يشتبك فيه الاقتصادي مع الأخلاقي، والسياسي مع الرمزي، والتاريخي مع النفسي.

بهذا المعنى، فإنّ الحوار بيننا ليس خلافًا، بل تأسيس لبناء فكري جديد. بناءٌ يعرف أنّ العقل المركزي لا يُهزَم بالشتيمة، ولا بالسردية الانفعالية، ولا بالعنف المضاد، بل بفكّ شفرته: شيفرة تجمع بين الهيمنة الاقتصادية، وسردية الهوية، وأوهام التفوق الأخلاقي، وآليات الدولة العميقة. وفهم هذه الشيفرة هو الخطوة الأولى نحو تفكيكها، وإعادة بناء وطنٍ لا يكون المركز فيه امتيازًا وراثيًا، بل وظيفةً خاضعة للمساءلة، وحدودها واضحة، ومصدر شرعيتها الأمة لا الخرافة.

‏December 9, 2025

auwaab@gmail.com

عن د. الوليد آدم مادبو

د. الوليد آدم مادبو

شاهد أيضاً

المستبد الصغير: لحظة تنمّره على صاحب الإرث الكبير (2/2)

دكتور الوليد آدم مادبو لا يفوّت علي محمود فرصةً ليثبت ولاءه لأولياء نعمته الكيزان؛ فالرجل …

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor