ردُّ على أحاجي «بت قضيم»: في نقد الوصاية المتقادمة وخطاب الذاكرة الباهتة

بقلم دكتور الوليد آدم مادبو

لم يعد الأستاذ شوقي بدري يكتب مقالات؛ بل ينسج أحاجي شفاهية يحسبها قراءة سياسية، أو يحاول عبرها استعادة زمنٍ ولّى. ولأن زمنه ولّى، فقد صار يستدعي اسمي كلّما أراد أن يضمن لنصوصه المهترئة قدرًا من التداول. وهو في هذا يتوهّم أن مجرد النيل من مادبو يمنحه «شرعية» أو «موضوعية». ولكن ما يكتبه لا يحتوي على نهج مقاصدي، ولا بنية خطابية، ولا قراءة علمية، بل ثرثرة استطرادية تسلي القطيع، كما تسليه هو — فالشيخوخة حين تقترن بالوحدة، تلد هذا النوع من الخطاب الذي لا يعرف معنى التحليل ولا أخلاقيات النقد.

وشوقي — أو «بت قضيم» كما يحب أن يلوّح خلف قناع الحرية — ما زال حبيس ثلاث مركزيات: مركزية ثقافية لا تعترف بغير مرآتها، مركزية سياسية ترفض زحزحة الخرطوم عن مركز السلطة، ومركزية اقتصادية تمارس وصاية على غرب السودان باسم «التخطيط المركزي» وباسم «القومية»، بينما هي في جوهرها وصاية على العقول والموارد والمصائر.

أدهشني أن يكون جوهر اعتراض شوقي بدري عليّ هو أنني «أسأت إلى أخوالي» بانحيازي للقضية، وكأنّ السودان تُدار علاقاته بالنسب لا بالموقف، وبالدم لا بالوعي. لا يعلم الرجل أن أبي — الذي يغمز هو من قناته — ربّاني على أن أصون إنسانيتي وأن أختار الطريق الذي تتحقق به سودانيتي (التعبير للأستاذ بدرالدين الأمير)، لا الطريق الذي يريحني، أو يريح المجتمع، وأن اتحمل في ذلك العواقب.

ثم إن شوقي يتناسى أنني رأس قايدة، أنتمي إلى قومٍ أهل شوكة جرّبهم في حربة قومه الأخيرة، وأنهم — خلافًا لأوهامه — لا يختبرون مرتين، وأن من أنتمي إليهم (سواء من أعمامي أو أخوالي) يشرُفون بي قبل أن أشرُف بهم. لكن الرجل يهرب من الواقع إلى الماضي، ومن الحاضر إلى الرواية، ومن الحقيقة إلى الحكاوي. وما «الخال» عنده إلا عصا يُلوّح بها حين تنقطع منه الحجّة.

شوقي بدري — في لاوعيه السياسي — يرفض تمامًا جدلية المركز والهامش لأنها تنزع عنه امتيازًا قديمًا كان يتقوّت منه: امتياز أن يتحدّث باسم الغرب حين يناسبه باعتبار الأخير تابع للشمال (مقابل الجنوب)، ويرفض أن يكون لدى غرب السودان كينونة خاصة، ويريد شوقي أن يمثل «الخرطوم» حين يناسبه ذلك، وأن يظهر بمظهر «المتحرر» وهو أشدّ الناس تشبثًا بالبنية القديمة. يريد الغرب — كما يصوّره — مجرد ساعد عضلي تستخدمه النخب الأمدرمانية. وإذا لم يستخدموه، فليكن ممثلًا لهم سياسيًا. وفي كلتا الحالتين: وصايةٌ مقنّعة بمكرٍ قديم.

لكن هذه اللعبة انتهت. الغرب اليوم تحرر معنويًا وماديًا، وصار سيد نفسه وموارده. هُجليج اليوم اقتلعت عنوة واقتدارًا من المركز وأصبحت تحت يد قوات التأسيس، وغدًا كادوقلي والدلنج. السودان — إن بقي موحدًا — فلن يحكمه برلمانٌ تستمتع فيه النخب بألاعيب التاريخ، بل جمهورية رئاسية تنتزع الريادة للريف السوداني كافة وتتحقق بها سائر سبل الفدرالية الديمقراطية.

أما حديث شوقي بدري عن أبي وممتلكاته، فهو منطقٌ سطحي لا يليق بمدّعي التجربة. لم يكن أبي من «أثرياء الإنقاذ»، بل كان ممن حافظوا على مهنتهم نظيفة، وتحاشوا دناءة الصفقات. والعمارات التي يباهي شوقي بأنها كانت «هبة المركز» له — في حقيقتها — ستون عامًا من الصبر والعمل والنزاهة. ولأبي فوق ما أخذ، على غرار ما قال سيد الخلق (لعليٍ فوق ما أخذ) عندما اعترض صحابي على استئثار أبا الحسنين بالحنفية في إحدى الغزوات. لكن ماذا يعرف شوقي عن النزاهة وهو الذي لا يملك إلا الثرثرة سلاحًا؟

يتحدث شوقي عن المبادئ حديث الواعظ، لكنه يساوم على الكرامة عند أول اختبار، ويستعيض عن العمق بالصوت العالي، وعن الرؤية بنزقٍ يحسبه كشفًا. وهذه ليست ظاهرة فردية؛ إنها امتداد لطبقةٍ ظلت تعيش على التناقض: تلعن المركزية وهي تستظل بها، وتشتم السلطة وهي تتغذّى على فتاتها، وتدّعي تجريدًا نقديًا بينما تكتب من جيب الانتماء الأعمى.

يا شوقي، لستَ خصمي، بل أنت مجرّد ظاهرة تستحق التأمل: ظاهرة من الحنين المريض إلى زمنٍ انتهى، ومن وصاية فارغة لم تعد تنطلي على أحد، ومن خطابٍ بلا منهج، يحسبه صاحبه تحليلًا سياسيًا.

خذها مني كلمة واضحة: لا أنا أنتظر رضاك، ولا العصر ينتظر خطابك، ولا الغرب سيعود إلى دور الساعد العضلي الذي تتمناه. وإن اختلفنا، فليس في اختلافنا إلا ما يعكس حقيقة واحدة: أن السودان الجديد يُكتب الآن، وأن من بقي أسيرًا لذاكرة الخرطوم القديمة لن يكون أكثر من حاشية على هامش مرحلة تتخطاه.

‏December 9, 2025

auwaab@gmail.com

عن د. الوليد آدم مادبو

د. الوليد آدم مادبو

شاهد أيضاً

المستبد الصغير: لحظة تنمّره على صاحب الإرث الكبير (2/2)

دكتور الوليد آدم مادبو لا يفوّت علي محمود فرصةً ليثبت ولاءه لأولياء نعمته الكيزان؛ فالرجل …

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor