هروبنا من أمدرمان القديمة …. “بدأ بخطوة واحدة” (11)

بقلم عبدالفتاح عبدالسلام*
12 ديسمبر 2025

سردية “تهافت الهاربين”

الحلقة الحادية عشرة

• ” الدنيا كدا ” ، قال رؤوف مسعد

لا أدري حقيقة كيف تذكرت الكاتب المصري الكبير رؤوف مسعد ولكني أعرف أنه يأتي من هولندا إلي القاهرة سنويا من أجل معرض الكتاب و كانت آخر مرة كاتبته فيها علي الإيميل من الرياض السعودية في 2011 أو 2012 علي ما أذكر ، إذ كان ذلك آخر إتصال …
بحثت في ليل القاهرة و في الشقة عن ذلك الايميل و بعثت رسالة و جاءني الرد في اليوم التالي بأنه في امستردام حيث يعيش مع زوجته الهولندية و ابنه و ابنته و أنه يعاني من مرض في العينين و عسر في الكتابة بالكيبورد ، و طلب أن نتراسل بالرسائل المسجلة علي الواتساب . في نفس الليلة حكيت له في رسالة مسجلة أنني الآن في القاهرة جئت هاربا من الحرب و أنه بلغني قبل أيام اقتحام بيتنا الخالي في أمدرمان و و ….. رد في المساء بصوت منهك و سعال متقطع:
• ياعزيزي عبدالفتاح .. يا مولانا … معليش الدنيا كدا .. لا بأس … في حاجات بتتنهب و تتسرق منك … المهم انك تكون انت قوي .. و سليم العقل و الجسد …
أنوي القدوم للقاهرة في شهر 1 أو 2 لإجراء بعض الفحوصات …
اود أهديك نسخة من كتابي الجديد ” لمّا البحر ينعس ” و تجده عند صديق صيدلي في القاهرة و سأرسل لك رقم تلفونه ….
و من غير رؤوف يمكن أن يفهم علي الأقل ماهية الحرب و الهروب ، و هو الذي خبر حرب لبنان الأهلية في أوائل الثمانينات ، و كتب عنها أروع الكتب ” صباح الخير يا وطن ” . إذ ذكر في ذلك الكتاب عن بيروت:
” و هذه المنازل المحترقة ، إنها ليست جدران من الطوب و الحجر … إنها قطع أثاث اختارها أصحابها في لحظات معينة ، هناك سجادة لها قصة ، و لوحة لها ذكريات و كتاب قضي صاحبه معه ساعات ممتعة ، و هناك أوراق مكتوبة في هدأة الليل … هناك فناجين القهوة ، هناك الدواء …. هناك ” الذاكرة ” ، و تأتي القنبلة لتحرق هذا كله ….”

كنت حصلت علي كتابه الأشهر “بيضة النعامة ” من مكتبة الساقي في لندن أواخر التسعينات و التي حكي فيه عن مولده ببورسودان ( دوِّنوا في شهادة ميلاده – الجنسية: مصري) و نشأته في ود مدني مع والده القس في الكنيسة البروتستانتية (الإنجيلية) هناك منذ أوائل الأربعينات حتي منتصف الخمسينات . و من أطرف ما ذكر عن مدرسته في ود مدني أن أمه خاطت له ” خرتاية ” من الدمورية ….

و تكرم رؤوف بفضل المراسلات بيننا حيث كان يقيم في هولندا في منتصف العقد الأول من هذا القرن و نشر في القاهرة روايتي الوحيدة ” الأسرار ” و الديوان الأول لصديقنا الشاعر نصار الصادق الحاج ” يسقطون وراء الغبار ” بالتعاون مع الشاعر المصري الراحل حلمي سالم وقتها.

سارت الأيام بطيئة في نهارات و مساءات القاهرة . و صرت لا أولي تسقّط الأخبار عما جري لبيتنا في أمدرمان القديمة اهتماما . أصبح كل همي الإسراع في المغادرة و الالتحاق ببقية عائلتي في الرياض السعودية ، إذ مضت الآن قرابة الأربعة أشهر علي بداية الحرب القذرة ، و تلاشت من أدمغتنا نحن الهاربين المغلوبين أمل العودة لسابق عهدنا ” البوهيمي ” قبل اندلاع القتال بين عسكر الجنرالين الذين انتشر دعمهم السريع في الخرتوم و بحري و الآن في أمدرمان.

• زيارة أخيرة للسفارة السودانية

خرجت في ذلك الصباح مبكرا ، و كما ذكرت في الحلقة السابقة شرعت أنظر إلى شوارع القاهرة و عمرانها و محلاتها و مركباتها بل و ناسها بعيون جديدة ، كأني اراها للمرة الأولي .
مقصدي هذه المرة السفارة السودانية لتوثيق شهادة ميلاد ابنتي التي أرسلت لي مستند تأشيرة الدخول للرياض . رأيت أنه من الأوفق ركوب الميكروباص الذي سيوصلني للدقي و سيتوقف عند مدخل الشارع الجانبي المودي للسفارة . و شاء الحظ أن أعثر علي مقعد خال في المقدمة جوار السائق . و في الطريق الطويل سألني الراكب المصري الجالس بجانبي إن كنت من أسوان أو من السودان فأجبت دون اكتراث : ” من السودان ! ” . بدا ذلك الراكب الستيني من هندامه و سمته و ما يحمله بيده من حقيبة صغيرة أنه قاهري بامتياز ، و قد يكون من الطبقة الوسطي التي من الجائز أنها فقدت بريقها منذ عقود ، و لم أملك بالطبع ما يؤهلني لاستكناه المغزي من سؤاله الملغّز … كل ما أملكه في تلك اللحظات الطارئة هو جلابيتي البيضاء و طاقيتي البيضاء و حذائي ” الإسكتشرز ” ، و في جيبي جنيهات مصرية لا أعرف عددها – و لكنها قد تكفي لتوثيق الشهادة و قد تكفي لسندويتش و حق المواصلات للرجعة للشقة – و كذلك يقبع بجوارها في تلافيف الجيب جواز سفر بائس لا يرغب فيه أحد في هذا الجزء من العالم ، بل في أي مكان في هذا العالم الفسيح ! ، و في جيبي الأيسر الموبايل الإسمارت الذي يتكفل بربطي بأفراد عائلتي المنتظرين قدومي … فشكرا لكل عالِم مجتهد من تلك العوالم البعيدة – الفاهمة أسرار الحياة الكبري و ” الحداثة ” – أسهم في تطوير هذا ” الذكي ” ، و جعله قبل أكثر من عقد و نصف في متناول بؤساء مثلنا ، هاربين و لاجئين الآن …
وقلت في نفسي متصنعا ابتسامة صفراء : من بعد ذلك اليوم المشئوم و ما جري لبيتنا من نهبوت في أمدرمان القديمة قبل أيام قليلة ، لن يفرق كثيرا سواء كنت أنا أو أي فرد من أسرتي الصغيرة أو الممتدة ، من أسوان أو من السودان أو …. من واق الواق؟! .

وقفت أمام أحد أبواب السفارة بخطوات مترددة و الزحام الخانق يحول بيني وبين الدخول . اختلفت نظرتي الآن نحو هذه الجموع ، إنها النظرة المتشككة نحو ” الآخر المنتمي إلي هناك ” إن جاز التعبير… . نظرة فيها ما فيها من الأسي و النفور و سيول المتناقضات . ومن بين تلك الأكوام من البشر لمحت ذلك الشاب الذي ساعدني في المرة الأولي و أرشدني إلي الشباك الصحيح و كم يجب عليً أن أدفع و ما إلي ذلك من أمور . أيكون نشالا ؟ مخابرات ؟ يبحث عن شخص يريد مساعدة في الأوراق ؟.. شهادة زور؟ … تصديق الأوراق من الخارجية المصرية ؟ إذن لم هو هنا ؟! لقد غبت عن السفارة قرابة الشهر و يبدو أنه مداوم علي الحضور يوميا …. لماذا؟ … هيئته لا تدل علي أي من هذه الأمور المذكورة .. غيبتي المتطاولة عن بلاد السودان سحبت مني ميزة الحكم علي القاطنين بها من مظهرهم الخارجي أو من أسلوب حديثهم .. أيكون ضحية من ضحايا الحرب النتنة … معقول ؟ بهذه السرعة ؟ دارت كل هذه الأسئلة في رأسي … و نظرت إلي الصفوف بعين أخري … ليس كآخر مرة جئت فيها إلي السفارة … إذ كنت حينها أحيّي من يقف بجانبي و أسأل أي شخص دون النظر في هيئته و سحنته … فكلهم كانوا سودانيين … من البلد الذي انتمي إليه … أمّا الآن فقد تغير كل شيئ منذ يوم النهبوت المشئوم ذاك ! …
أنهيت الإجراءات في شباك و دفعت الرسوم في شباك آخر دون كلام مع أحد ، و خرجت متجها إلي مطعم الفول و الطعمية في الشارع الرئيسي . هناك و علي رصيف المطعم و علي كرسي فارغ عند تراييزة جلست إمرأة سودانية بنظارات طبية في منتصف العمر أو أكثر … بائنة بثوبها المحتشم … تتناول وجبتها ، و عندما جلست قبالتها قالت لي بعفوية : اتفضل! …
يبدو أنها هاربة مثلنا أيضا و إلا لما جلست هكذا وحيدة غير مكترثة بالمارة أو بركاب الميكروبصات و الحافلات و العربات التي يكتظ بها الشارع … و يبدو أنها جاءت السفارة في الصباح الباكر لتوثق شهادة مدرسية لإبن أو بنت أو في أفضل الأحوال لتصديق شهادات تمكنها أو عائلتها من السفر إلي إحدي بلدان الخليج ….أو قد تكون في أسوأ الأحوال قادت عائلتها كلها و زوجها المريض ابتداء من أي من أحياء العاصمة المثلثة و في البصات عبر صحراء بيوضة و صولا إلي أرقين و عبورها المضني و شمسها الحارقة … و من هناك قد تكون أفلحت بالنفاد بعائلتها … و قد يكون أحدهم تخلف عنها لأي سبب في مركز العبور … ثم كافحت بعد ذلك و واصلت الرحلة سواء بالبصات علي الطريق الصحراوي و محطاته أو بالقطار حتي القاهرة… من يدري؟!
ففي البصات الني ركبناها من بحري مرورا بعطبرة إلي بورسودان … ثم من بورسودان إلي القاهرة مرورا بكوبري عطبرة و مروي و جبل البركل و ضواحي دنقلا الشمالية ليلا ، فأرقين و ساعاتها العشرة أو الإثنتي عشرة ثم صحراء أسوان و بقية الصحراوات حتي ميدان رمسيس بالقاهرة قبل منتصف الليل ….
في كل تلك الملحمة أو ” الساغا ” كما يقال … رأيت عديدا من النساء، بعضهن متوسطات السن أي في الخمسينات من أعمارهن وبعضهن أكبر قليلا ، في مقدمة أسر بأكملها و يشرفن علي سلامة بناتهن و أبنائهن و حتي أزواجهن المرضي أو أمهاتهن أو آبائهن ، و يسهرن الليل طوال تلك الرحلات المضنية … قد تكون هذه المرأة الجالسة قبالتي في صمت واحدة منهن ، تلتهم فطورها غير مكترثة بشيئ … و قد تكون أسعد حظا من تلك النسوة القادمات من صحاري و أحراش النزوح ألأبدي في دارفور و غيرها من الأصقاع … و قد رأيت بعيني عددا مهولا منهن بأطفالهن في مكتب الأمم المتحدة بالمريوطية – قد جئن هاربات من الحرب و ربما قبل اندلاع الحرب في العاصمة المثلثة ، من يدري ؟! – و علي طول الشارع المودي لمقابر 6 أكتوبر غرب القاهرة …
أتكون من أولئك النسوة ذوات الحظوة في الثلاثين سنة الأخيرة ، إمراة أو أرملة متنفذ مدني أو عسكري جاءت هاربة بنصف مالديها أو لديهم ، و لكن هذا النوع لا يجلس علي ألأرصفة ليتناول لقمة … فمن تكون ؟ ..
و أفقت من خواطري الداكنة و المرأة المنتمية ” لأولئك الآخرين من هناك ” تحاسب الجرسون و تأخذ حقيبتها و أوراقها و تغادر المكان في صمت مبهم …
عدت أنا إلي الشارع الجانبي المكتظ و دخلت السفارة إياها و استلمت أوراقي الموثقة بعد الظهر ولم أشكر أحدا كما كنت أفعل دائما من قبل … و خرجت مسرعا أنوي التوجه إلي حيث موقف الميكروباص …

• واحد قال إنه ضابط !
استوقفني أحدهم و أنا أرتب أوراقي في ظل العمارة المقابلة … و حيّاني فتذكرته . إنه ذلك الشخص الذي يرتدي قميصا و بنطلونا أبيض ، كان جالسا قربي تحت شجرة مقهي الست المصرية الفلاحة في ركن الشارع الجانبي الصغير حول السفارة . قال لي حينها إنه من رفاعة و أنه ضابط في الجيش أو الشرطة ، لست متأكدا . كان ذلك قبل ما يقرب من شهر ، أي قبل كارثتي الشخصية و النهبوت …
الآن بدا في عجالة من أمره و كان ممسكا بموبايل و يتطلع إلي إحدي بوابات السفارة المغلقة …
رجاني بإلحاح أن اتصل من موبايلي برقم لشخص في داخل السفارة و أن هذا الشخص ربما يرد علي موبايلي لأنه لن يتعرف علي الرقم !! فهمت من أنه يحاول منذ ما قبل الظهر الاتصال بذلك الشخص و لكنه لا يرد . و رجاني إذا رد ذلك الشخص أن أقول له أن فلانا ، أي الضابط إياه ، قد جاء بأوراق السواقين المصريين و أنهم جاهزون للتحرك بشاحناتهم و ينتظرون فقط الموافقة علي إذن المرور عبر أرقين !! …
و لدهشته طبعا رد ذلك الشخص داخل السفارة و قبل أن استرسل في الكلام أخذ مني الموبايل و واصل : ” ياخي ما معقول … الجماعة ديل زي ما كلمتك جاهزين … بس بالله دقأ لينا الختم … لاقيني في البوابة و أنا حأسلمك الأوراق و صور الجوازات … أو كلم بتاع البوابة و خليه يدخّلني . و بعد قليل التفت إلي و سلمني الموبايل و شكرني بحرارة و رأيته يدخل من الفتحة الصغيرة بعد أن سمح له البواب بالدخول ….
وقفت في دكة العمارة أراقب خروجه من البوابه إياها ، إذ راودني حب الاستطلاع و أردت أن استوثق كيف يعمل هؤلاء الناس و ما هي خلفيات أمورهم خلف الألقاب و المناصب وسط المعمعة التي جرت هناك و خلف الأمور التي تدار في دهاليز هذا المبني !! …
لم أستطع الإنتظار كثيرا و سرت بخطي بطيئة إلي حيث الميكروباص الذي سيقلُني إلي حي الهرم … و خالجني شعور مبهم بأنني لن ألتقي ذلك الضابط من رفاعة في مقبل الأيام و السنين ، مثل كثيرين التقيتهم مرة واحدة فقط في هذه العالم العريض.

…… يتبع

*
fattah71@gmail.com

عن عبدالفتاح عبدالسلام

عبدالفتاح عبدالسلام

شاهد أيضاً

هروبنا من أمدرمان القديمة …. “بدأ بخطوة واحدة” (10)

بقلم عبدالفتاح عبدالسلام* 72 نوفمبر 2025 سردية “تهافت الهاربين” الحلقة العاشرة · الموت مع الجماعة …