الفهم المُشوَّه لوظيفة الحكومة هو أحد أهمّ عناصر التخلُّف والحروب في السودان

جوهر وظيفة الحكومة في الدولة الحديثة يقوم على ركيزتين هما المحافظة على الأمن والنظام، وضمان عدالة الفرص في المجتمع. وليست وظيفة الحكومة أن تتحوّل إلى المصدر الذي يتجه إليه الناس للحصول على الثروة والامتيازات.
الحكومة لا تصنع الثروة، وتجارب الحكومات التي انخرطت في عمليات الإنتاج المُباشر للسلع لم تكُن مُرضية، ولذلك تمّ التراجع عن معظمها إن لم يكُن كلّها. الثرْوة يصنعها المزارعون والرُعاة والعمال وأصحاب الصناعات والمِهن ومُبادرات الاستثمار. والشرط الضروري لقيامهم بمهامهم بالصورة المرجوة هو أن ينصبَّ تركيز الحكومة على جوهر وظيفتها المشار إليه أعلاه لكي تخلق البيئة المُناسبة لمزاولة الأنشطة الإنتاجية في البلد.
الشّقُّ الأوّل من وظيفة الحكومة، وهو المحافظة على الأمن والنظام يُمكِن اختزاله في مُصطلح” دولة القانون” التي تُطبِّق القوانين المُقرَّة العادلة على الجميع دون مُحاباة من خلال القضاء المُستقلّ وجهاز الشُرطة الاحترافي النزيه. ولا تحتاج مثل هذه الدولة إلى جيش جَرَّار يلتهم جُلَّ موارد البلد، لأنَّها لن تخوض معارك مُدمِّرة في الداخل ضد مكونات شعبها المُتذمِّرة. ولن تحتاج إلى إنفاق عسكري مُفرِط للدفاع ضد المخاطر الخارجية، إذا ما اتبعت سياسة خارجية متوازنة تسعى إلى حُسن الجوار والاحترام المتبادل وتغليب المصالح المُشتركة وحلّ الخلافات بالطرق السلمية.
أما الشّقُّ الثاني المُتعلِّق بعدالة الفرص، فهو يُمثِّل الضمانة الأساسية في أيِّ بلد كان لحقوق المواطنة المُتساوية، الحقيقية وليس المنصوص عنها فقط في الورق. ويتحقّق من خلال توجيه أكبر قدر مُمكِن من موارد موازنة الحكومة لتوفير خدمات التعليم والصحة، والبنية الأساسية مثل الطرق والجسور والموانئ والكهرباء ومياه الشرب النظيفة، مع منح عناية خاصة للمناطق الأقلّ نمواً ومناطق الإنتاج بشكل عام.
هناك بالطبع أدوار أخرى مُهِمَّة للحكومة، ولكِنّ تحقيقها لن يتمّ بالشكل المطلوب في غياب الأمن وعدالة الفرص. من هذه الأدوار إدارة العملة الوطنية والحفاظ على استقرار الأسعار، وتحقيق القدر المُناسب في توزيع الدخل من خلال السياسات الضريبية والإعانات للفئات الأقلّ دخلاً الذي يتواضع عليه أهل البلد.
كذلك يُمكِن للحكومة أن تُسهم في تسريع النمو الاقتصادي من خلال اتباع سياسات الحوافز وما يعرف ب “السياسة الصناعية” التي تستخدم أسلوب الإعانات والحوافز الضريبية لتطوير صناعات أو قطاعات استراتيجية مُحدَّدة. وهذا هو عَيْن ما فعلته المجموعة التي أطلق عليها لقب النمور الآسيوية (كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة، إضافة إلى هونق كونق قبل التحاقها بالصين)، والتي فضلاً عن توجيه الجزء الأكبر من موارد موازناتها الحكومية لخدمات التعليم والصحة (نحو ربع الإنفاق الحكومي إن لم يكُن أكثر) وخدمات البنية الأساسية، طبّقت سياسات صناعية تُعتبر نموذجية في مجالها لتشجيع قطاعات التصدير.
وللأسف، فقد كان مستوى النمو الاقتصادي في السودان عشيّة الاستقلال مُقارباً لبعض هذه الدول. وما حدث في البلد من تراجع وكوارث لم يكُن مع ذلك، قدراً ما كان من المُمكِن تلافيه، وإنّما كان دليلاً واضحاً على ترسُّخ نمط من الفهم المُشوَّه لوظيفة الحكومة في الدولة السودانية المُستقلّة، وعلى قصور وضيق أُفُق قادتها.
فعلى النقيض من النمور الآسيوية، وغيرها من الدول الناهضة، أهملت نُظم الحكم في السودان قطاعات التعليم والصحة والبنية الأساسية، وخصّصت معظم الموارد للإنفاق على الحروب الداخلية والأجهزة العسكرية والأمنية. وفوق ما تقدّم، وبدلاً عن إدارة نظام الحوافز والتسهيلات والتراخيص الحكومية ضمن إطار من السياسات الصناعية التي تستهدف تطوير قطاعات استراتيجية بعينها كما فعلت تلك الدول، مُنِحت الحوافز والتسهيلات في السودان للأفراد والجماعات والجهات التي لها شبكة علاقات متينة مع القابضين على زِمام الحكم، لتصبح الحكومة بذلك محور الثروة في البلد ومصدر تخصيصها. وقاد ذلك، كما كان يجب أن يكون مُتوقّعاً إلى بروز حالات صارخة من الاستئثار غير المُستحقّ بالثروة لدى بعض المُقربين، تقابلها دوامة لا تنتهي من الصراع والاقتتال على السلطة مع الفئات التي ترى إنّه تمّ تهميشها.
وكان لِزاماً أن يصِل نموذج الفهم المُشوَّه هذا لوظيفة الحكومة، إلى نهاياته المنطقية المُّتمثّلة في ضمور الإنتاج وبدائية وسائله في القطاعات الرئيسة في الاقتصاد السوداني، وارتفاع البطالة وتراجع مستويات المعيشة. ولا غرابة في ضوء ذلك، من بقاء الناتج القومي الإجمالي في السودان خلال العقود الطويلة الماضية في مستوى هزيل ومُتدنٍّ لا يتناسب مع قُدرة وإمكانات البلد.
ولقد أدى تضاؤل فرص العمل الناتج عن هذا الوضع، إلى أن تصبح الحكومة جهة التوظيف الرئيسة للمُتعلمين، مِمّا أدَّى من ناحية، إلى تَكدُّس الآلاف من الذين كان يمكن أن يكون لهم إسهام إيجابي في قطاعات أخرى، في وظائف إدارية لا معنى ولا قيمة ولا حاجة لها. ومن ناحية أخرى، إلى عدم تمكّن الحكومة من تقديم التعويض المُجزي لأصحاب المهارات العاملين في القطاع الحكومي الذين تحتاج إليهم البلاد من الأطباء والمهندسين وغيرهم من المهنيين، مِمّا دفع بعضهم إلى الهجرة والبعض الآخر إلى إيجاد مصادر دخل إضافية تجيء على حساب الأداء الأمثل لمهامهم الرسمية.
خُلاصة القول، إنّ الفهم الحالي لوظيفة الحكومة في السودان لا يمِتُّ بصلة إلى ما هو مطلوب في الدول الحديثة الناهضة. وهو إلى حد كبير استنساخ لبعض النُظم الأوليغارشية العسكرية الماضوية التي تتركّز فيها السلطة والثروة في أيدي قِلّة عسكرية والمُقربين منها، والتي تجاوزها الزمن في منظومة الدولة الحديثة. وهو المسؤول الأوّل عن تقزيم الاقتصاد السوداني، وخلق اقتناع، مفهوم في السياق الذي أنتجه، ولكِنه قاصر ومُدمِّر في نهاية المطاف، عن أنّ الثروة تستمدّ من العلاقة المباشرة مع الحكومة.
هذا الاستنتاج لا مفرَّ منه في اعتقادي، ولذلك يجب مواجهته والاعتراف به بشجاعة، وأيّ محاولة لتجاهله والاستمرار في النهج الحالي ستؤدي إلى المزيد من الصراعات المُدمِّرة.
ليس هناك للأسف الكثير مما يدعو إلى التفاؤل في هذا الظرف العصيب الذي يمرّ به البلد. ورغم ذلك، وإذا ما توقّفت هذه الحرب الكارثية، وخفتت صيحات الثأر واستمع الناس إلى صوت العقل والحكمة، فإنَّ السودان، بإمكاناته الهائلة وشعبه الذكي، لقادر في فترة وجيزة على تحقيق نتائج طيبة في مجال النمو ورفع مستويات المعيشة. ولكِن، ولكي يتمّ ذلك، لا ُبدَّ أوّلاً، كما بيّنا، من الانعتاق من الفهم الراهن المُشوَّه لوظيفة الحكومة المُضادّ لجوهر وظيفتها في الدولة الحديثة.

محمد حامد الحاج
11 ديسمبر 2025

melhaj@gmail.com

عن محمد حامد الحاج

محمد حامد الحاج

شاهد أيضاً

السياسة والأخلاق

هل السياسة شأنٌ منفصل عن الأخلاق، والتي هي بتعريف مُبسَّط: المعايير الهادية إلى تحديد الصواب …