دكتور الوليد آدم مادبو
ليس الخلاف في السودان بين عسكرٍ ومدنيين، ولا بين حربٍ وسلام، فهذه ثنائيات استُهلكت حتى فقدت قدرتها على التفسير. جوهر الأزمة أعمق من ذلك: صراع بين مدنيةٍ تُعاد صياغتها بوصفها امتيازًا للنخب المركزية القديمة، ومدنيةٍ أخرى تتكوّن ببطء، وبكلفة بشرية فادحة، داخل المجتمعات التي دفعت ثمن الثورة ولم تعد مستعدة لدفعه نيابةً عن أحد.
نحن مع الحكم المدني الديمقراطي بلا تردد، لكننا ضد اختزال المدنية في أسماء مألوفة، أو واجهات تكنوقراطية منفصلة عن قواعدها الاجتماعية، أو تجمعات افتراضية عالية الصوت منخفضة الوزن. هذه الصيغة من “المدنية” لم تتعثر مصادفة، بل فشلت لأنها بُنيت على وهمٍ قديم: أن الثورة يمكن إدارتها من فوق، وأن الشرعية تُستعار من الخارج بدل أن تُنتج في الداخل. من حملتهم الجماهير على الأكتاف نهارًا، كانوا ليلًا يعيدون وصل ما انقطع مع الرأسمالية الطفيلية وشبكات النفوذ العابرة للحدود، لا لبناء دولة، بل لتدبير مرحلة.
تجربة إبراهيم الشيخ في غرب كردفان ليست استثناءً، بل كاشفًا. حين صُعِّد من الهامش، تحديدًا من غرب كردفان، لم يجد أمامه إلا التحالف مع العصابة الأمنية–العسكرية المنحدرة من محيطه الإثني والقبلي، وذلك قبل أن يحدث الانفصال الأعمق فيدفع حزبه للتنكر لاحقًا للهامش. فقد تحوّلت رؤى الأخير من قضايا مطلبية وتنمية جزئية إلى منهجية تأسيسية شاملة: علمانية، وديمقراطية فدرالية، ومواطنة متساوية، ومراجعة جذرية لكل الاختلالات البنيوية للدولة السودانية.
وفي هذا السياق، يُروَّج اليوم لاتفاقٍ وشيك بلغةٍ مطمئنة، لكن بنيته تكشف منطق إدارة لا منطق تحول. انتخابات مؤجلة باسم “الاستقرار”، ودمج للقوات يُرحَّل كأنه قدرٌ لا مهمة وطنية، فيما تبقى موازين القوة الحقيقية خارج أي مساءلة سياسية أو قانونية. أما الحديث عن تجميع السلاح هنا وسحبه هناك، فلا يتجاوز كونه إعادة انتشارٍ محسوبة، لا معالجة بنيوية لأصل الأزمة، وتُقدَّم صيغ الحكم الذاتي أو الكونفدرالي بلا أي مشروع وطني جامع، لا كاستجابة عادلة لتاريخ التهميش، بل كتقاسم نفوذ بين قوى مسلحة تحت لافتة اللامركزية.
وفي المقابل، يُختزل المركز في حكومة تكنوقراط بلا سيادة فعلية: إدارة بلا قرار، وقرار بلا مساءلة، فيما يُعاد تدوير الأسماء نفسها كأن الأزمة السودانية كانت دومًا أزمة أشخاص لا أزمة نموذج حكم. هكذا لا تُستعاد السيادة، بل يُعاد ترتيب الأزمة، ويُقدَّم الهدوء بوصفه سلامًا، وتأجيل الانفجار بوصفه حلًا.
لهذا، لا يبدو هذا المسار سلامًا بقدر ما هو إدارة طويلة الأمد للأزمة؛ تسوية تؤجِّل الانفجار بدل أن تعالج أسبابه، وتُرحِّل جذور الصراع إلى جولة قادمة أكثر تعقيدًا وأعلى كلفة، تاركة السؤال الجوهري معلّقًا: من يملك حق تعريف السودان القادم، وعلى أي معنى ستقوم دولته؟
الهامش، الذي طالما طُلب منه الصبر، لم يعد كما كان. لم تعد أسئلته مطلبية أو جهوية، بل تأسيسية تمس معنى الدولة ذاتها: أي دولة نريد؟ ولمصلحة من تُدار؟ ولهذا لم يعد “المركز” بصيغته القديمة مركزًا فعليًا، بل ذاكرة سلطة تحاول النجاة بإعادة إنتاج نفسها، فيما تتشكل في الأطراف رؤى جديدة تبحث عن دولة تُشبه أهلها لا أوصيائها.
ختامًا، إن الريف السوداني — بتأسيسه الاجتماعي، ووعيه المتراكم، وقدرته على التنظيم، وما يملكه من رجال ومعرفة وبُنى محلية — لم يعد قابلًا لأن تُصادَر إرادته لصالح نخب مركزية مستهلكة، أو واجهات سياسية رخيصة تعيش على أوهام الوصاية الدولية. هذه المجتمعات لم تعد تطلب تمثيلًا شكليًا، بل تطالب بحقها في صياغة الفكرة نفسها، لا الاكتفاء بشغل المقاعد أو تزيين المشهد.
وسنخوض هذه المعركة دفاعًا عن السودان لا بوصفها حرب بنادق، بل صراع وعي وإرادة ومعنى: بالقلم حين يُتاح، وبالموقف حين يُحاصر، وبالصبر الطويل حين يُراد لنا الاستسلام. أمّا العودة إلى الوراء، فلن تكون خيارًا بعد اليوم.
December 18, 2025
auwaab@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم