الحلّ الوطني هو المخرج، وتهيئةُ مناخِ الحوار هي المدخل

عبد القادر محمد أحمد / المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com

في هامش المقال «سناء حمد: صرخة تحتاج إلى من يسمعها»، تفضّل الأخوان علي عبد الله وعبد الحفيظ محمد بالتعليق. ويأتي الحرص على الرد لتأكيد أن الحوار الداخلي الشامل هو المخرج الآمن من أزمتنا، وأن علينا، كمواطنين، واجب تهيئة المناخ لأطراف الحوار.

▪️▪️بشأن تعليق الأستاذ علي:
▪️المقال لا يدّعي تشخيصًا شاملًا للأزمة أو حصر أطرافها وطرح الحل، فهي أعقد بكثير من الجهود الفردية والمقالات الصحفية. ومع ذلك، تناولتُ في بعض المقالات بعض جوانبها، ورؤية حلها، أُصيب وأُخطئ، كغيري.

▪️لم يُشِر المقال إلى أن الأزمة مجرد صراع بين الإسلاميين والقوى الوطنية، لكنه يؤكد وجود هذا الصراع ضمن أسباب الحرب، فالقضاء على الثورة وقطع مسار الانتقال كان هدفًا مُعلنًا. وهو صراعٌ معقّد لأنه يتعلق بالوجود السياسي بعد الحرب، لذلك يشهد استقطابًا حادًا ويصعب مهمة الحوار. والمقال يهدف لتخفيف الاحتقان وتهيئة المناخ.

▪️التدخل الخارجي الذي تتحدث عنه نتج عن فشل داخلي، حين تجاهلت النُّخب المجتمع السوداني المتعدد الأديان والثقافات، وانحصر صراعها حول الاتحاد مع مصر، وحين واجهت احتجاجات التهميش بتسليح القبائل في مواجهة بعضها لحماية نظامها.

لذلك فإن الحل الوطني الذي يحقق السلام المستدام سينعكس إيجابًا على الأمن الإقليمي والدولي، ويسحب البساط، أو يخلق دولة محترمة قادرة على الدفاع عن وجودها.

▪️وحتى التدخلات السابقة للحرب كان سببها الفشل الداخلي. فمن رحم انتهازية الحكومات المتعاقبة وُلد الدعم السريع وحصل على شرعية مستقلة، داخليًا وخارجيًا، وتداخل وجوده مع أسباب الحرب التي هدّدت الأمن الإقليمي والدولي، وأصبحت مبررًا للتدخلات الخارجية.

▪️أيضًا من أسباب الحرب صراعُ السلطة بين الأحزاب كافة، غير أن الإسلاميين قدّموا العرض الأسوأ. ومن هنا جاء اهتمامي بمقالات الأستاذة سناء، كقيادية داخل حزبها دعتهم إلى الاعتراف والاعتذار، كما دعت حزبها وكافة الأحزاب إلى الحوار والتجديد الفكري، وهي مطالب أساسية لتهيئة مناخ الحوار والحل الجذري.

▪️▪️بشأن تعليق الأستاذ عبد الحفيظ:
▪️صحيح، سناء حمد في 2019 دعت حزبها إلى الاعتذار والمراجعة والقبول بالتداول السلمي للسلطة، وإزالة التمكين، وبدولة المواطنة. وصحيح، انها لاحقًا قبلت تكليفها بالتحقيق حول نجاح الثورة. وفي 2024 صرّحت أنهم يمكن أن يتفاوضوا مع الدعم السريع وليس مع قوى الحرية.

لكن في رأيي، قبول التكليف لا يتناقض، ويمكن النظر إليه كسوء تقدير. وتصريح 2019 موجّه لحزبها من زاوية الحرص على الوجود وتقبّل الواقع بمراجعة الفكر، وهو لا يتناقض مع تصريح 2024 الذي جاء في ظل الحرب والفشل في حسمها وانسداد الأفق، فكان الحديث عن التفاوض باعتباره مخرجًا عمليًا لا سياسيًا.

لكن ما دعاني لتجاوز كل ذلك أنها في سبتمبر 2025، أي قبل ثلاثة أشهر فقط، جدّدت دعوتها لحزبها وللآخرين إلى الحوار والتجديد الفكري، بل وبصورة أقوى وأوضح، إذ شخّصت فشلهم بأنه أزمة أخلاقية، وذلك عبر مقاليها: «السودان أولًا» و«لأجل الوطن».

وفوق ذلك، فإن تجاهل أي صوتٍ من داخل الإسلاميين يدعوهم إلى المراجعة والحوار مع الآخرين، مهما جاء متأخرًا أو ملتبسًا، لا يخدم المصلحة الوطنية، بل ينبغي توظيفه في الاتجاه الذي يحاصرهم ويساعد على الخروج من المأزق الوطني.

يا أخي الكريم، دعك من مسألة المصداقية، ودعنا نسأل: هل خرج من داخل أي حزبٍ آخر من دعا إلى التجديد الفكري، خاصةً أنه من أهم متطلبات الحل الجذري، بل هو يُنهي أزمتنا مع الإسلاميين؟

أقول ذلك لأن الحل الجذري يجرّدهم من سلاح استغلال الدين، بالمراجعة الفكرية وإقامة دولة المواطنة، ويخلصنا من الإنقلابات بالتداول السلمي للسلطة. فكيف تدعو له سناء حمد ويصمت عنه من يتهم حزبها باستغلال الدين والتطرف والشمولية؟ لقد كسب الإسلاميون الجولة بأن صرّحت منسوبتهم بما عجز عنه الآخرون.

▪️في شخصي لا تهمّني إشارات التخوين، وهذا شأن كل من يجهر برأيه. لكن الأهم أن نقرأ الآراء بذهنٍ متجرد، لفهم مرادها، للاتفاق معها أو نقدها موضوعيًا. وأخطر المراحل أن يميل أفراد وكيانات القوى المدنية إلى تخوين بعضهم بعضًا، فذلك يبدّد الثقة ويُضعف الجبهة المدنية.

▪️أنا أتفهّم هواجسك التي يدفعها الغضب والكراهية تجاه الإسلاميين، وهي مشاعر طبيعية بسبب ما فعلوه ولا يزالون. لكن عندما تتحول الكراهية إلى طريقة تفكير، فهم يستثمرونها ويُظهرون أنفسهم كضحايا. وفي المقابل، تمنعك الكراهية من التفكير في الحلول، بل تجعلك
تخوّن كل من يفكّر خارج صندوق الكراهية.

▪️الكراهية كمنهج تحصر ردّ فعلك تجاه أفعال الإسلاميين في السبّ واللعن، وهم يسعدون بذلك. إنهم يجيدون «استراتيجية الاستفزاز» التي تُبعد الصراع عن المنطق. لاحظ في المناظرات الفضائية أنهم يميلون إلى استفزاز خصومهم، فيستجيب بعضهم، فينتهي النقاش إلى لا شيء!

▪️بعض ميليشياتهم ارتكبت فظائع وصوّرتها عمدًا، بهدف توريط الجيش، فاندفعنا نلعن الجيش ونؤكد أهمية حلّه، دون تفريق بين القيادة والمؤسسة. فصدرت الإدانات الدولية ضده وتعقّد المشهد. هذه أساليب متكررة لدى الميليشيات الطائفية والعقائدية، وقد حدثت في العراق وسوريا والجزائر.

لا بدّ من رؤيةٍ واستراتيجيةٍ مختلفة للتعامل مع الإسلاميين، بعيدًا عن ردود الفعل التلقائية والعواطف اللحظية. إنهم يعانون انهيارًا تنظيميًا داخليًا، بسبب الفشل في الحرب، والإخفاق في تحقيق الأهداف، والخوف من السلام، وصعوبة إدارة المشهد المعقّد، ومواجهة التحديات الخارجية. لكنهم يعيشون على تشتّت وتخبّط القوى المدنية.

إن مكابرتهم يجب أن لا توقفنا عن السعي الدؤوب لمحاصرتهم لقبول الحوار والحل الوطني، والتغلّب على كل التعقيدات بالعصف الذهني، لخاطر إنقاذ الوطن وإنهاء معاناة الملايين.

عن عبد القادر محمد أحمد/المحامي

عبد القادر محمد أحمد/المحامي

شاهد أيضاً

القوى المدنية: غياب سببه الخلط بين الاندماج السياسي ووحدة الصف الوطني والتنسيق

عبد القادر محمد أحمد / المحاميaabdoaadvo2019@gmail.com في تصريح لوسائل إعلام عالمية، قال د. حمدوك إن …