ديسمبر: إنتفاضة الخُبز رقم (z) بين قابلية الثورة ووعي القربان

إنتفاضات الخُبز المُتتالية داخل (البندر) أو الحواضر مابعد الإستعمارية في السودان الأنغلو مصري (1898-1956) التي طبعت القرن العشرين ، كانت دائماً جُزءًا من السيرورة التاريخية لتجربة مابعد الإستعمار والتخطيط لها منذ نهاية الحرب العالمية الأولى في تفكيك الريف والاقتصاد الريفي rural decay (عبدالله علي ابراهيم) ، وُصولاً إلى الثلاثينات والأربعينات حيث التحول المُكثف إلى الزراعة المُميكنة ومركزة الاقتصاد المُوحد في جنوب السودان الشرقي و حوض النيل الأزرق (الإقليم الأوسط).

عملية تفكيك الريف والاقتصاد الريفي في السودان المُعاصر منذ القرن التاسع عشر 1820 ، أنتجت مجموعة من التشققات الاجتماعية في بنية الريف التقليدية (الحاكورة) ووحدته الاجتماعية (القبيلة والإثنية) وفي النمط الاجتماعي (الإقطاع التقليدي الإفريقي) ، أو قواه العاملة وقواه المُسلحة.

من بين تلك التشقُقات البنيوية وأهمها ظاهرة البروليتاريا الريعية (القنانة المُسلحة أو غير المُنتجة) من البازنجر في مناطق الجنوب الكبير إلى الجنجويد في بنية سلطنة دارفور ، البروليتاريا الحضرية والقروية (القنانة المنتجة)وهي ظاهرة الكنابي والجنقو (العمالة الموسمية المُهاجرة).

الصراع داخل منظومة الإقطاع الأوربي المُستحدثة محلياً في القرن التاسع عشر (مُؤسسة الجلابة) ووهن منظومة الإقطاع التقليدي الإفريقي (السلطنات) ، أنتج قاعدة إجتماعية مُحركة للإقتصاد الكولونيالي بدون قيادة وزعامة برجوازية أو نقابية ، حتى تاريخ تمرُد الجنود أو ثورة 1924 (ثورة القنانة غير المنتجة أو القنانة المُسلحة رقم A). كما تاريخ أكتوبر 1969 الذي تأخر طويلاً (ثورة القنانة المُنتجة).

يُظهر ما تقدمت مُلاحظته أولاً حجم التشوهات البنيوية الاجتماعية التي أحدثها الاستعمار التركو مصري في القرن التاسع عشر (قرن الاستعمار الأوربي) في السودان الحديث.
من بلد ريفي إلى بلد شبه صناعي ، وفي الريف السوداني من كونه ريف بإقتصادات تقليدية إلى إقتصاد حديث قوامه (رأسمالية الدولة) أو (الرأسمالية الطرفية) peripheral capitalism.
يُمكننا أن نُطلق على تلك التشوهات الإجتماعية التي سعت إلى ربط مُجتمعات السودان الحديث الكونفدرالية بالمركزية الأوربية والمركز الإمبريالي العُثماني في الشرق الأوسط ووكالته الإقليمية (الوكالة التركومصرية) ، على أنها عملية عثمنة شمال شرق إفريقيا Ottomanisation of Modern Sudan.(تُقرأ العثمنة على أنها أوربة هامشية).

عملية إعادة الإستعمار في (1898) , كانت بالأساس عملية إعادة عثمنة السُودان التركو مصري ، مع ذلك فشلت المهدوية (1885) في نزع الإرتباط الثقافي التركو مصري (العثماني) ، إن لم تكن قد حافظت على ميراثه ومُؤسساته ، رغم أن خطابها الجذري الراديكالي قام على دعوة (نزع العثمنة) أو الأوربة الطرفية peripheral Europeanization.

إفتقرت ثورتي البروليتاريا المدنية (1969) والمُسلحة (1924) إلى التجذُر enracinement أي ايجاد “حاضنة إجتماعية” صلبة ، وبالتالي إمكانية إستمرارية الثورة (ثورة دائمة) حتى تحقيق أهدافها و مكاسبها.

المُعيقات الأساسية أو القيود المُعيقة لقابلية الثورة والتغيير الاجتماعي السياسي ، في السودان المُعاصر منذ تاريخ القرن التاسع عشر ، بعد الخوف الاجتماعي (تحدي الأمننة) , ظلت هي دائما تتمحور حول مسألة غياب النموذج (البراديغم) الثقافي ، و/ أو ما يُمكن وصفه الفاقد التجريبي.

لهذا تُمثل الصدمة الاجتماعية والتاريخية ، نموذجا أوحداً للتغيير الاجتماعي منذ محمد بك الدفتردار 1821 (الدفترداريزم) أو الثورة الثقافية العنيفة (المُسلحة).

السودانيون الشماليين أو النهريين ، لا يستوعبون التغيير بسهولة ، والشخصية السودانية (الشمالية) لا تستقبل التغيير بيُسر ، منذ زمن حُكومة سلالة الأكسوميين العنج إلى يومنا.

لهذا أو لذلك ، فقد مُنيت معظم التجارب الإصلاحوية مثل تجربة غوردون باشا أو تركة وينجت باشا (الكولونيالي الحكيم) بالفشل من حيث المبدأ. ومثلها التجارب الثورية الحاملة لبيارق ورايات التغيير.

هذا الفشل التجريبي هو بمثابة تجربة قربان (سياسي) ، تحولت فيها المُحاولات الثورية والنقدية (الخائفة) إلى أكباش فداء تتوارى خلفها مخاوف المُجتمعات المحايدة محلياً من الصراع والرافضة للإنحياز والإصطفاف إلى جانب مشاريع التغيير السياسي المطروحة من مُجرد (أغلبية صامتة) ، إلى أشكال من (المُقاومة السلبية) أو مجالاً لتلقي الدروس الخاطئة من التغيير ، أي ما يُمكن وصفه (وعي القربان) .. وعي الهزيمة ، و الهزيمة الذاتية.

مُؤثرات وعي الهزيمة أو الدروس السلبية للإحتجاج والتحرُك السياسي في تجربة اللواء الأبيض (1924) وما عقبه من عزل سياسي / اجتماعي للمُكونات التي شاركت فيه أو كانت أكثر حماساً له بما يرقى إلى (الإجتثاث) الطبقي حتى deracinement ، تحولت إلى كتالوج ذهني لوعي الحركة المدنية الشمالية (المُتأخرة) لاحقاً بعد جلاء البريطانيين بعقد تقريباً , في أكتوبر (1964).

التمكين الاجتماعي والسياسي full empowerment من خلال الحركة المدنية والواجهات النقابية (توظيف مؤسسات الدولة) كما ثقافة الإنقلابات العسكرية ، هو واحد من تمثلات (الوعي المتأخر) بالتغيير السياسي ومُحدداته.

مفهوم وتجربة الدولة العميقة (أو المهدية المضادة) counter mahdism التي أفرزتها جُمهورية 1956 مابعد الإستعمارية منذ مُفاوضات ومُساومة القوى الإقطاعية والاجتماعية الشمالية النيلية مع الإدارة البريطانية خلال فترتي الحربين العالميتين ، هي مُجرد صدى معاكس لوعي الهزيمة والدروس السلبية (المقاومة السلبية) في الوعي الاجتماعي النهري تجاه تجربة حكم (المهدوية) المأساوية ، بما يمكن وصفها بأنها (مناعة ذهنية إجتماعية) ضد حركات التغيير ، القادمة من أطراف السودان تحديداً.

ظاهرة الفلقاتيزم الثقافية أو التبعية الاجتماعية للسُلطة (الخيار الأقل كُلفة إجتماعياً) مُنذ معركة كورتي في مملكة الشايقية إلى يومنا هذا ، بما أفرز من ثقافة إستدخال سياسي اجتماعي (مُستشرية) في إهاب هوية المُستعمر وهوية المُهيمن , و ولادة الشعور بالنقص inferiority وظاهرة الهُويات التابعة satellite nationalisms والهُويات غير مكتملة الوجود ، هي صدىً لهزيمة كورتي (الفارق التكنولوجي والثقافي).

في سلطنة دارفور المُنحلة ، تشكل. منذ الستينيات وعي سلبي للأقليات العربية وغير العربية التي كانت ضحية لهيمنة هُوية السلطنة وهيمنة هُوية شعب الفور.

وهو أساساً وعي إرتباط خارجي بكلاً من ليبيا (ثورة القذافي الثقافية) والخرطوم (مركز الشمال النيلي) كخلاص من كابوس عودة السلطنات الإفريقية الإسلامية neosultanatism أو كابوس التوازنات الاجتماعية – العرقية الذي هو في غير صالحها ، ذلك الذي مثلته حركة تحرير دارفور (2003) وإرهاصاتها تشكُلها السابقة. من خلال رفض الاستقلال الذاتي لإقليم سلطنة دارفور وللقومية الدارفورية التي عمرها لا يقل عن خمسة قرون.

تحول هؤلاء مُنذ الستينات (حين كان يتم إستخدامهم كأدوات ديمغرافية للتصويت الإنتخابي) إلى ما يُمكن وصفه أنهم حرس هاشومير Hashomer إحتياطي لاجندة (القومية العربية) للسودان التركو مصري في داخل إقليم سلطنة دارفور المُنحلة.

وما إنتفاضة الخُبز رقم (z) أو إنتفاضة الخُبز في ديسمبر 2019 , ونكبتها اللاحقة في أكتوبر 2021. إلا إستحابة سلبية لفشل إنتفاضة سبتمبر 2013 وعودٌ على بدء من نفس المنوال والمتوالية السياسية منذ اكتوبر 1964.

لقد فشلت مُحاولات إقتلاع النظام السابقة لمدة عشر سنوات 1989-1999 ، بسبب غياب الحاضنة الاجتماعية الصلبة للمُعارضة و غياب المُبررات الوجودية للثورة في داخل الشمال النيلي واللاندسكيب النهري ، الذي هو نفسه المجال الاجتماعي للسلطة وتجنيدها (غياب التجذُر) enracinement. وليس فقط القدرة القمعية والسيكروقراطية (الأمنية) على إخضاع مُجتمعات الشمال النيلي المدنية.

وهو ما ظل يُلجئ المُعارضة الشمالية (نظرية مملكة المنفى والملك المسلوب) دائماً (من محمد أحمد المهدي إلى قحت) ، للإستقواء (المُتخفي) بالآخر وبالهامش أو الإثنيات الأخرى غير الشمالية في صراعهم الداخلي على – (الكُرسي) من أجل إسترداده.

فشل جُمهورية (قحت) الموعودة في 2019 ، أدى إلى توليد وعي هزيمة آخر لدى الأنتلجنتسيا الشمالية النيلية اليسارية ، يُضمر التحول من عقيدة الحكم الأوليغارشي ((نموذج الدولة الكوربراتية لرابطة التضامُن النيلي في الخمسينات)) corporatist state إلى الحُكم الأوتوقراطي طويل الأمد الذي طرحته وثيقة مايُسمى (الإتفاق الإطاري).

وهو أيضاً ما أغوى الإثنيات المُسلحة الأخرى في الريف والهامش ، بالإحجام عن تأسيس نظام جمهوري (مُتعدد القوميات) بدلاً عن النظام الكوربراتي السلطوي القائم لدولة الجلابة وجُمهورية 1956 ذات السبعين عاماً (التحول السياسي بدون طبقة وسطى بدون قومية) nationalism without nationalities. أي التعميم المؤسسي لنموذج الاستعمار الجديد.

المُشكلة الأساسية التي تواجه الإبتكار السياسي .. والأطروحات الجديدة إصلاحية كانت أو ثورية ، في مُجتمعات السودان التركو مصري (المُوحد) مُنذ القرن التاسع عشر.
هي أساساً مُشكلة تجريبية (غياب المقدرة على النمذجة السياسية ونقض التعميم المؤسسي) deinstitutionalization , تتعلق بالوعي الاجتماعي و تنتقص من قابلية الثورة والوعي المُتقدم أو الإستباقي أو العفوي غير المصنوع بالتغيير الاجتماعي.
northernwindpasserby94@gmail.com

عن زرياب عوض الكريم

شاهد أيضاً

أحداث مدرسة الدفاع الجوي ضد النازحين

زرياب عوض الكريم-1- ثمة خطاب مُرتفع في قنوات السُلطة الداخلية والخارجية وجهازها الأيدلوجي (بما فيه …