????????????????????????????????????

العدسية (بازلاء الحمامة)

العدسية (بازلاء الحمامة)
منتج عالي القيمة الغذائية
بقلم الصادق عبدالله أبوعيّاشة

تُعد البقوليات من أقدم وأهم المجموعات الغذائية التي اعتمد عليها الإنسان عبر
التاريخ، لما تتمتع به من قيمة غذائية مرتفعة، وتكلفة اقتصادية مناسبة، وقابلية عالية للتخزين لفترات طويلة دون فقدان كبير في الجودة. وقد شكّلت هذه الخصائص مجتمعة أساسًا رئيسيًا لدور البقوليات في تحقيق الأمن الغذائي الإنساني. فالبقوليات ليست مجرد مصدر غذائي، بل تُعد ركيزة من ركائز الاستدامة الزراعية، إذ تسهم في تحسين خصوبة التربة عبر تثبيت النيتروجين الجوي، مما يقلل الاعتماد على الأسمدة الكيميائية ويحد من التدهور البيئي، ويعزز نظم الزراعة المستدامة.
وتضم مجموعة البقوليات عددًا كبيرًا من المحاصيل التي يزرعها الإنسان في مختلف أنحاء العالم، من أبرزها العدس، والفاصوليا بأنواعها، والحمص، والفول، والبازلاء بأنواعها، والفول السوداني، واللوبيا، وفول الصويا. وعلى الرغم من اختلاف هذه المحاصيل في خصائصها النباتية والزراعية، فإنها تشترك في كونها مصادر غنية بالبروتين النباتي، والألياف الغذائية، والمعادن الأساسية، إضافة إلى قدرتها العالية على التكيف مع ظروف مناخية متباينة، سواء في المناطق المعتدلة أو شبه الجافة.
البقوليات: مستودع البروتين والفيتامينات والمعادن
تدخل البقوليات في إعداد طيف واسع من الأطعمة التقليدية والحديثة، مثل الحساء والإدامات والسلطات، والفلافل، والأطباق الشعبية المختلفة، كما تُستخدم في صناعة الطحين النباتي، والزيوت، وبعض المكملات الغذائية.
وتكمن أهمية البقوليات الغذائية في احتوائها على عناصر أساسية تجعلها خيارًا مثاليًا للأنظمة الغذائية الصحية، ولا سيما للوجبات النباتية، حيث تناسب جميع الفئات العمرية، وبوجه خاص الأطفال، والحوامل، وكبار السن.
وتُعد البقوليات مصدرًا غنيًا بالبروتين النباتي، الذي يُمثل بديلًا مهمًا للحوم في كثير من المجتمعات، خاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية. كما تحتوي على نسب مرتفعة من الألياف الغذائية التي تسهم في تحسين عملية الهضم، وتنظيم مستوى السكر في الدم، والوقاية من أمراض القلب والشرايين.
وتضم كذلك مجموعة واسعة من المعادن المهمة، مثل الحديد، والزنك، والمغنيسيوم، والفوسفور، إضافة إلى فيتامينات مجموعة (B)، والعناصر المعدنية الدقيقة الضرورية لنمو الخلايا وسلامة الجهاز العصبي. وتمتاز البقوليات أيضًا بانخفاض محتواها من الدهون المشبعة مقارنة بالمصادر الحيوانية، مما يجعلها غذاءً متوازنًا وصديقًا للصحة.
الخصائص الزراعية للعدسية
تُعد العدسية، المعروفة باسم بازلاء الحمامة (Pigeon Peas)، وباسمها العلمي Cajanus Cajan، من المحاصيل البقولية ذات الأهمية الخاصة، نظرًا لقدرتها العالية على تحمل الظروف المناخية القاسية، بما في ذلك الجفاف وارتفاع درجات الحرارة. وتُعد هذه الخاصية ميزة استراتيجية في المناطق التي تعاني من عدم انتظام الأمطار، أو من محدودية الموارد المائية.
يتميز نبات العدسية بسيقانه الخضراء المتفرعة، وأوراقه المركبة، والذي قد ينمو إلى ارتفاع ثلاثة أمتار، ويمكث في الأرض إلى عدة سنوات. في حين تتراوح بذوره في الحجم بين المتوسط والصغير، وتأخذ شكلًا مستديرًا إلى بيضاوي، وتختلف ألوانها بين الأبيض والرمادي والبني الفاتح تبعًا للصنف.
في السودان تُزرع العدسية في مناطق متعددة، وتُزرع العدسية موسمياً، غالبًا في الأراضي المروية والفيضية، حيث يبدأ التحضير الزراعي بنقع البذور في الماء لمدة تتراوح بين ست إلى ثماني ساعات لتحفيز الإنبات. كما يحتاج النبات إلى عمليات خفّ (شلخ) لإزالة النباتات الزائدة، وإلى مكافحة الحشائش في المراحل الأولى من النمو، إضافة إلى التقليم الدوري لتحسين التفرع والإنتاجية. ويمكن حصاد المحصول بعد فترة تتراوح بين 90 و120 يومًا من الزراعة، بمتوسط إنتاجية يتراوح بين 600 إلى 800 كيلوجرام للفدان.
وإلى جانب أهميتها الغذائية، تؤدي العدسية دورًا بيئيًا واقتصاديًا غير مباشر، إذ تُستخدم سيقانها ومخلفاتها النباتية كعلف للحيوانات وكذلك وقود جيد في بعض المناطق الريفية، ما يقلل الاعتماد على الحطب التقليدي، ويسهم في الحفاظ على الغابات، ودعم مصادر الطاقة المستدامة.
القيمة الغذائية والصحية للعدسية
يمكن للمرأة الحامل تناول العدسية بديلاً لبعض المكملات الغذائية الطبية التي يكتبها الطبيب. تابع التفاصيل التالية.
تُعد العدسية من المحاصيل البقولية الغنية بالقيمة الغذائية. وتقاس احتياجات الإنسان على المائة جرام، اي سعة كباية شاي متوسطة. حيث يوفر كل 100 جرام نحو 21.7 جرام من البروتين، وهو ما يمثل قرابة 43% من الاحتياج اليومي، إضافة إلى 62.7 جرام من الكربوهيدرات، و15.5 جرام من الألياف الغذائية، التي تغطي أكثر من 60% من الاحتياج اليومي الموصى به. ويُلاحظ انخفاض محتواها من الدهون، إذ لا يتجاوز 1.5 جرام لكل 100 جرام، ما يجعلها غذاءً صحيًا منخفض الدهون.
أما من حيث الفيتامينات، فتُعد العدسية مصدرًا جيدًا لفيتامينات مجموعة (B)، خاصة فيتامين B1، وB2، وB3، وB6، إضافة إلى احتوائها على نسبة عالية من حمض الفوليك، الذي يقترب من تغطية كامل الاحتياج اليومي، وهو عنصر بالغ الأهمية للنساء الحوامل لدوره في دعم نمو الجنين والوقاية من التشوهات الخلقية.
أما في المعادن، فتحتوي العدسية على نسب مهمة من الحديد، والمغنيسيوم، والفوسفور، والبوتاسيوم، والزنك، والنحاس، والمنغنيز، وهي معادن أساسية لدعم وظائف العضلات والأعصاب، وبناء العظام، وتنظيم ضغط الدم، وتعزيز المناعة. ويسهم هذا التركيب الغذائي المتكامل في جعل العدسية غذاءً مثاليًا للوقاية من فقر الدم، وتحسين صحة الجهاز الهضمي، ودعم صحة القلب، والمساعدة في التحكم في ضغط الدم.
في الجانب الطبي تحتوي جذور العدسية وأوراقها وسيقانها على مركبات فينولية ذات خصائص مضادة للالتهابات. وقد استُخدمت هذه الأجزاء في الطب الشعبي في عدة ثقافات، حيث يُعتقد في الهند أن أوراق العدسية تساعد في علاج الإسهالات والدسنتاريا، بينما يستخدم الصينيون جذورها كطارد للبلغم ومهدئ للسعال، وكعلاج للديدان، كما عُرفت استخداماتها العلاجية في ماليزيا والفلبين لمشاكل الجهاز الهضمي.
الأهمية الغذائية للعدسية في السودان
وتُعد العدسية من البقوليات الأساسية في النظام الغذائي في السودان، خاصة خلال شهر رمضان، حيث تُشكّل وجبة حاضرة على مائدة الإفطار تقدم في شكل بليلة يضاف لها الملح، السكر وزيت السمسم. ويعتبر ماؤها المالح مع السكر محلول تروية بالنسبة للصائم.
غير ذلك تتنوع طرق استخدام العدسية في المطبخ السوداني؛ إذ تُطبخ تقليديًا مع الماء ويتم تناولها مع الرغيف أو القراصة أو الكسرة، بديلاً عن الفول والعدس، يضاف لها البصل أو الطماطم ثم البهارات مثل الكمون والثوم، لتعزيز النكهة، كما يُستفاد من مرقها كجزء أساسي من الوجبة. وتُستخدم كذلك في إعداد الحساء.
تحسين القيمة المضافة للعدسية
تستأهل العدسية أن تجد إهتماماً لوضعها في أرقى أسواق المواد الغذائية. حيث يمثل تحسين القيمة المضافة للعدسية خطوة استراتيجية لزيادة قيمتها كمنتج غذائي ينافس ويتفوق على كثير من البقول. ذلك لغرض تعزيز الطلب المحلي والإقليمي عليها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال حزمة من الإجراءات المتكاملة تبدأ من تحسين طرائق الإنتاج وتنتهي بالتسويق. ويشمل ذلك تحسين الغربلة والتنقية والفرز ثم التعبئة والتغليف باستخدام عبوات مناسبة تحمل معلومات واضحة عن مصدر المنتج وفوائده الغذائية، والتوسع في التصنيع الغذائي عبر إنتاج العدسية المقشورة، أو المطهوة جزئيًا، أو المطحونة، بما يلبي احتياجات المستهلكين الحضريين والمطاعم.
كذلك يمكن تطوير منتجات مشتقة، مثل العدسية المنبتة، أو المعلبة، أو الحساء الجاهز، إضافة إلى خلطها بالبهارات المحلية لتقديم منتجات ذات طابع مميز. ويسهم تعزيز الوعي الغذائي والتسويق عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في زيادة الطلب، إلى جانب فتح آفاق التصدير للأسواق الإقليمية والدولية عبر الالتزام بالمعايير الصحية والجودة.

sadigabdala@gmail.com

عن الصادق عبدالله عبدالله

شاهد أيضاً

الصوم والفيسيولوجيا .. المشقة تجلب التيسير

الصادق عبدالله أبوعيّاشة الدمام ، رمضان 1446، مارس 2025 مقدمة هذا موضوع للنظر في ممارسة …