استقالة د. علي رباح: ودور المجتمع في حماية مؤسساته

عبد القادر محمد أحمد / المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com

إن دور المجتمع في حماية المؤسسات العامة يتجاوز كونه حقًا، بل يصبح واجبًا والتزامًا أخلاقيًا ووطنيًا، في ظل الفوضى الشاملة التي تعيشها بلادنا اليوم، من انهيار المؤسسات وضعف الرقابة، وانتشار النفوذ غير الرسمي، وتسييس الأجهزة. ففي مثل هذا الواقع، تصبح متابعة الأحداث بحرص، وفضح الممارسات الفاسدة، مسؤولية جماعية لا يمكن تجاهلها.

ليس في تناول استقالة د. علي رباح، أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم، استباق لنتائج التحقيق، لكن لا يجوز أن نقف مكتوفي الأيدي أمام مؤشرات الخلل التي تمس سمعة مؤسساتنا التعليمية؛ فهي آخر ما يبقى حين ينهار كل شيء. ولذلك، فإن المسؤولية الوطنية تحتم علينا كمجتمع، التحلي باليقظة والمتابعة، والتصدي بفضح أي محاولة لطمس الحقائق، وضمان أن يجري التحقيق بصورة شفافة، بما يعيد للناس ثقتهم في مؤسساتهم.

إن التصدي المتأني يجب أن يبدأ بقراءة ما جاء في الاستقالة وما تبعها من بيانات وما تم اتخاذه من إجراءات. فبالوقوف على الاستقالة نجد أن أسبابها تنحصر في: التعرض لضغوط خارجية للسكوت عن محاولة تزوير، ومحاولة تمكين طرف ثالث من سجل الجامعة في وزارة التعليم العالي، والضغط لإيقاف مشروع الشهادات الإلكترونية.

وهي تشير إلى اتهامات تطال وزارة التعليم العالي، التي تنفيها، وتقول إن الاستقالة تعود لخلاف إداري وفني يتعلق بالحوكمة والرقمنة وسيادة الدولة على البيانات. وهذا يعني أن المستقيل يطرح القضية كأزمة نزاهة، بينما تصفها الوزارة بأنها مجرد خلاف إداري وفني.

أما بيان مجلس الجامعة فقد اتخذ منحًى مؤيدًا للمستقيل ووصف موقفه بالشجاع، وأن ما أثاره تُعد أمورًا بالغة الخطورة تستوجب تحقيقًا عاجلًا عبر لجنة مستقلة بصلاحيات واسعة.

أما إدارة الإعلام بالجامعة فقد تعاملت مع الاستقالة كموقف شخصي، فأصدرت بيانًا تنفي فيه حدوث تزوير، وتقول إن المستقيل يخلط بين استخراج الشهادة والتحقق منها، وأن حديثه الغامض عن وجود طرف ثالث ألقى بظلال سلبية على الجامعة ومنسوبيها، وأن الإدارة ستتخذ الإجراءات اللازمة حيال ما تم نشره.

وهنا لا بد من التأكيد أن بيان مجلس الجامعة هو المرجع الرسمي الوحيد الذي يعكس موقف إدارة الجامعة وأسرتها. أما إدارة الإعلام، فدورها يقتصر على تنفيذ ما يصدر من قرارات وتوجيهات، وليس من اختصاصها إصدار بيانات باسم الجامعة بصورة مستقلة.

أما ما يُشاع عن قيام السيد البرهان بحلّ مجلس الجامعة بعد انقلاب أكتوبر، فالثابت خلاف ذلك. فقد أثبتت الدعوى المقدمة للمحكمة العليا الإدارية عدم صدور أي قرار بحل المجلس، بناءً على الإفادة الرسمية التي وردت من الإدارة القانونية بمجلس السيادة. وحتى إذا كانت دورة المجلس قد انتهت من الناحية الزمنية، فإنه يظل قائمًا بحكم الضرورة لمنع الفراغ الإداري إلى حين إجراء الانتخابات.

نعود لموضوع اللجنة التي شكلها وزير التعليم العالي بتوجيه من رئيس مجلس الوزراء. فطالما أن الاستقالة تتضمن ادعاءات بأزمة نزاهة قد تطال الوزارة، كان الأصح أن يقوم رئيس الوزراء بتشكيل اللجنة، لا أن يترك أمرها للوزارة، خاصة أنها بادرت ونفت الاتهامات. فكيف تشكّل لجنة قد تكشف عكس ما نفتْه؟ هذا يضعف مبدأ الحياد!

كما يُلاحظ أن بيان مجلس الجامعة مؤيد لموقف المستقيل، مما يعزز دور الوزارة كطرف غير محايد. هذا بالإضافة إلى أن اللجنة مشكلة لتقصي الحقائق فقط، فلا يحق لها سوى رفع توصياتها إلى الجهة التي شكلتها، أي الوزارة نفسها، فكيف تكون الوزارة خصمًا وحكمًا؟

ولا أقصد بذلك التشكيك في نزاهة الوزارة أو الانتقاص من مصداقية اللجنة، بل تأكيد ضرورة الحياد المؤسسي وتعزيز الثقة العامة وضمان الشفافية والاستقلالية في قضية حساسة تمس الأمن القومي وحماية البيانات الأكاديمية.

أخيرًا، وفي ضوء ما ورد، فإن استقالة د. علي رباح ليست قضية فردية ولا خلافًا إداريًا، بل أثارت أسئلة مهمة حول حوكمة التعليم العالي وإدارة مؤسساته، بما يستدعي متابعة لصيقة وجادة، باعتبارها فرصة لتعزيز الشفافية والمساءلة، واستعادة الثقة في مؤسساتنا التعليمية وتحصينها من أي خلل يمس استقلالها ونزاهتها.

عن عبد القادر محمد أحمد/المحامي

عبد القادر محمد أحمد/المحامي

شاهد أيضاً

القوى المدنية: غياب سببه الخلط بين الاندماج السياسي ووحدة الصف الوطني والتنسيق

عبد القادر محمد أحمد / المحاميaabdoaadvo2019@gmail.com في تصريح لوسائل إعلام عالمية، قال د. حمدوك إن …