تعقيب علي ما ورد حول الاختلاف بين قوي التغيير الجذري وقحت

 


 

حامد بشري
6 October, 2023

 

في سلسلة من المقالات والسجال الموضوعي بين كل من صديق الزيلعي وأحمد عثمان عمر حول أطروحات التغيير الجذري وقوي الحرية والتغيير والتناقض الأساسي والثانوي بين الأطروحتين ، أري من الأهمية بمكان الوقوف عند هذه الآراء ، خاصة وأننا أمام مبادرات عدة كلها تصب في مجري كيفية الخلاص مما نحن فيه . علي الرغم من ذلك أري أن هنالك ضوء في نهاية النفق إذا أتفقنا وأقتنعنا أن نضع مصلحة الوطن العليا فوق المصالح الحزبية الضيقة ، وذلك يتمثل في العمل الجبهوي المشترك الذي يتطلب تقديم تنازلات من كل أطراف الطيف السياسي لوقف الحرب الدائرة قبل أن تتحول الي حرب أهلية حفاظاً علي ثورة ديسمبر التي أحاطت بها المخاطر الداخلية والخارجية من كل الجهات حتي أوشكت أن تؤدي الي إفراغها . التاريخ السياسي السوداني القريب يشهد أمكانية توحد الشارع السياسي في جبهة واحدة أستطاع من خلالها إنجاز ثورة شهد العالم بسلميتها وأستطاعت أن تهزم الحكم العسكري ، الأسلامي ، الظلامي الذي أمتد لاكثر من ثلاثين عاماً . العامل الأساسي في هذا النصر هو أتفاق القوي السياسية علي وضع أستراتيجية محددة أتاحت لها التركيز في الهدف الأساسي وهو أزالة حكم الأسلاميين الفاسد الباطش وتوصلت الي تسمية العدو المشترك علي الرغم من إختلاف برامجها وسياساتها ، ومن ثم أستطاعت هزيمته.
أهمية هذه المقدمة ضرورية لكي تساعدنا في تحديد الهدف الأستراتيجي وليس العدو الأستراتجي الذي يمكن البناء عليه للحفاظ علي ما أرسته شعارات ثورة ديسمبر.
منذ وقت مبكر أنتبه ونبه الشيوعيون الي العمل الجبهوي كوسيلة فعالة لمعارضة وأسقاط الحكم الديكتاتوري ونجحوا في هذا المسعي . بدأ ذلك في التحالف مع حزب الأمة حول تقرير المصير ، أعقبتها جبهة الهيئات التي كان لها القدح المعلي في أسقاط الديكتاتورية الأولي في أكتوبر 1964 ثم التحالف الذي تم بناءه بعد أن أصدر الحزب الشيوعي في أغسطس 1977 بيانه الشهير تحت عنوان (جبهة للديمقراطية وإنقاذ الوطن ) الذي ساهم في بناء تحالف عريض أسقط دكتاتورية نميري . هذه التحالفات ضمت قطاعات واسعة من القوي السياسية والمدنية بنقاباتها وإتحاداتها بغض النظر عن وزنها في الشارع السياسي . حينها لم يفرض الشيوعيين برنامجهم السياسي ولم يطالبوا بتغيير جذري أو جزئي بل ذهبوا الي أبعد من ذلك حينما أصروا في التجمع الوطني الديمقراطي ُأن تُجاز قرارات التجمع بالأجماع و ليس بالأغلبية الميكانيكية . كل تجارب التحالفات تُقر أن الحزب الشيوعي يسعي للهدف السامي وهو هزيمة الديكتاتوريات العسكرية لبناء حكم مدني ديمقراطي ينعم فيه الشعب السوداني بالديمقراطية ، والعدالة وحكم القانون والسلم . وللشيوعيين في السابق تجارب راسخة بأن أقتلاع الديكتاتوريات يحتاج الي تكوين جبهة عريضة . حالياً لا الحزب الشيوعي أو من ينادون بالتغيير الجذري او الاطارئ ليس لهم المقدرة والقابلية منفردين لهزيمة وأقتلاع المؤسسة العسكرية الأسلامية التي ضمت فلول الأسلاميين والداعشين وكتائب ظلهم وبنات نسيبة ومليشيات الجنجويد إضافة الي التدخلات الإقليمية والدولية . هذا ما كان عليه تحالف الظلاميين قبل الحرب فما بالك الآن أثناء الحرب حيث بدأت المناشدة لتستنفر زعماء القبائل لأرسال أبنائهم وحتي بناتهم لساحة القتال . هذا معسكر ذو عدة وعتاد يحتاج الي تكوين جبهة متحدة لمقاومته .
وقف الحرب هو الأولوية التي تُعلي ولا يُعلي عليها . والحزب الشيوعي عندما طرح برنامج التغيير الجذري قبل 15 يناير بناءً علي تحديد العدو الأساسي والثانوي رغم أختلافي مع الطرح الذي قسم المجتمع السوداني الي فسطاطين جذري وإطارئ ، نجد أن الأمر أختلف الآن بدخول عامل جديد وفاعل وأساسي وهو الحرب الدائرة التي تتطلب العمل المشترك مع كل القوي التي تنادي بأيقافها بغض النظر عن أطروحاتها التي سبقت الحرب . العامل المشترك في هذا الاجماع يتبني شعاراً وهدفاً واحداً (لا للحرب) ثم تأتي لاحقاً شعارات ثورة ديسمبر العظيمة يتصدرها الجيش للثكنات والجنجويد ينحل . بدون وقف الحرب لن يتسني للقوي المدنية بمختلف مسمياتها أن تنجز تغيير جذري أو أطارئ او ما بينهما . المناداة بكل هذه المسميات تتطلب في المقام الأول وجود قاعدة شعبية ومادية أساسها بالضرورة هو الأنسان الذي يتوقف وجوده كعامل أساسي في التغيير ثم العمل علي تحقيق غاياته في ظروف السلم .
الكل يطوف ويسعي ويجادل ويمارس العصف الذهني في كيفية أيقاف نزيف الدم بأسرع ما يمكن . والصورة تزداد كل يوم وضوحاً . أذا لم نستطع أن نوقف الحرب اليوم سنكون مشتركين في ضياع الوطن قبل ضياع ثورة ديسمبر 2018 التي تحققت بعد أن أنجزنا ثورة شهد كل العالم بانها فريدة في أهدافها ووسائلها وشعارتها وفي القوي التي أنجزتها . لا يحق للقوي السياسية أن تنخرط في تصفية حساباتها وهي لم تتمكن بعد من القصاص لشهداء ثورة ديسمبر . أوشكنا أن نتجرع علقم ما أنجزناه .
وبالرجوع الي مقال الدكتور أحمد وتعقيب الدكتور الزيلعي وتعريفهما للعدو الأساسي والثانوي فأني أختلف مع أثنتيهما وأعتبر أن الهدف الأساسي و الأستراتيجي هو وقف الحرب . أذا لم نتوحد جميعاً لوقف الحرب فليس هنالك أطارئ أو جذري يمكن أن يتم أنجازه . العدو الأساسي في هذه الحالة هو الحرب ومن أشعلها ومن يدعو الي أستمراريتها . هؤلاء هم من يريدون إيقاف العمل بشعارات ثورة ديسمبر وتصفيتها . ولإنجاز شعارات الثورة ومتطلباتها يجب العمل علي تكوين أكبر كتلة وتجمع جماهيري و تضامن أممي يشل القوي الحاملة للسلاح والداعمة لها ويرغمها للجلوس في طاولة مفاوضات بحضور ومشاركة تجمع لا للحرب . هذا التجمع أهم مقوماته الثقة في مكوناته الحزبية والنقابية والمهنية ولجان المقاومة والأفراد وتجمعات المرأة والشباب .لا مكان فيه لإنجاز مكاسب حزبية أو شخصية مع الأستفادة من أخطاء الماضي والأبتعاد عن التخوين . هذا هو طريق الخلاص الذي يقود الي أنهاء الحرب قبل أن تقضي علي اليابس بعد أن قضت علي الأخضر.
شعارنا في ذلك رفع اللاءات الثلاث ، لا للحرب ولا للجيش الذي أصبحت أحدي فرقه هي البراء بن مالك ولا للجنجويد الذي أستباح النفس والعرض والمال .

حامد بشري
5 أكتوبر 2023

hamedbushra6@gmail.com

 

آراء