ابراهيم البدوى عبد الساتر
لقد آليتُ على نفسي، منذ اندلاع هذه الحرب الماحقة، أن أكتب عن “اليوم التالى” بعد أن تضع أوزارها، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن واجب اللحظة لا يقتصر على إدانة الحرب أو السعي لوقفها فحسب، بل يمتد – وبإلحاح أشد – إلى التفكير الجاد في ما أعددناه لإعادة بناء السودان دولةًً ومجتمعاً، وترميم لُحمة شعبه ونسيجه الاجتماعي الذي مزقته هذه الكارثة أو كادت تقضي عليه.
وتأسيساً على هذه القناعة، كتبتُ عدة مقالات حول العقد الاجتماعي بوصفه الأساس السياسي والمؤسسي لبناء السلام، وإعادة الإعمار، وتحقيق الانتقال النهضوي. وتناولتُ في بعضها خمسة مرتكزات سياسية ومؤسسية، هي: الشرعية الاقتصادية؛ والنظام الرئاسي-البرلماني الهجين؛ والانتقال من نظام الولايات إلى الأقاليم والمحليات المرتكزة حول المدن الكبرى؛ وحكومات الوحدة الوطنية؛ والسردية الوطنية الجامعة. وانطلاقاً من هذه المرتكزات، حددنا في مقالات لاحقة البرامج القمينة بإنجاز مرحلة التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، وصولاً إلى آفاق الانتقال الاقتصادي النهضوي، والتي شملت مكونات المشروع الاقتصادي التالية: تدريب وتوظيف الشباب لدعم العون الإنساني، وإعادة الإعمار، وإعادة بناء الخدمة المدنية والقوات النظامية؛ وتمويل “المصافحة الذهبية” وصناديق الحماية الاجتماعية؛ وإطلاق النسخة الثانية من برنامج “دعم الأسر”.
وفي هذا المقال، والمقالات التي تليه، سنعرض – بإذن الله – لموضوع التحول الهيكلي في القطاع الزراعي في إطار “مشروع المدن المنتجة وممرات النمو”، وهو المشروع الذي كان موضوع أحد التقارير المهمة (الموسوم: “تحديات السودان وفرصه – مشروع نهضوى للسودان من الزراعة المتخلفة إلى النمو الزراعى-الصناعى والتنمية المستدامة”)، التي أنجزها فريق بحثي متعدد التخصصات، مكوَّن من سبعة خبراء سودانيين (زراعيين، واقتصاديين، ومهندسين)، ضمن مشروع منتدى البحوث الاقتصادية لمنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط (https://erf.org.eg/) حول قضايا التنمية فى السودان. يقع هذا التقرير فى 108 صفحة ومتاح فى هذا الرابط(1659257696_282_6382995_prr40 (21).pdf) .
ومن حسن الصدف أن النسخة الأولى من هذا التقرير أُدرجت ضمن مدخلات الاستراتيجية الزراعية التي كانت قيد الإعداد آنذاك، تحت إشراف الأخ البروفيسور الطاهر حربي، وزير الزراعة والموارد الطبيعية في ذلك الوقت. وقد قدّم خمسة من مؤلفي التقرير – وهم: د. عبد الرازق البشير (وكيل وزارة الزراعة السابق)، وبروفيسور عبد الرحمن الخضر عثمان (منسق أبحاث الفول السوداني بهيئة البحوث الزراعية سابقاً)، والمرحوم د. كباشي سليمان (أستاذ الاقتصاد بجامعة الخرطوم سابقاً)، والأستاذ الزاكي الحلو (مساعد التدريس بكلية الاقتصاد، جامعة الخرطوم)، وكاتب هذه السطور – عرضاً وافياً بوزارة الزراعة في أوائل عام 2021، وذلك بدعوة كريمة من الأخ الوزير وقتذاك.
نظرة عامة على الاقتصاد الزراعي السوداني:
أعتمد التقرير أطروحةً مركزية مفادها أن تعافي الاقتصاد السوداني وتحقيق تنمية مستدامة على المدى الطويل يرتكزان على تحويل الزراعة من نظم معيشية منخفضة الإنتاجية إلى نمو زراعي-صناعي قائم على رفع الإنتاجية، وبناء المؤسسات، وإحداث تحول هيكلي حقيقي.
ولا تزال الزراعة أكبر جهة مُشغِّلة للعمالة في السودان، والركيزة الأساسية لسبل العيش. فخلال الفترة 1960-2020، أسهم القطاع في المتوسط بنحو 35 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، كما وفّر في أواخر العقد الثاني من الألفية ما يقارب 47 في المائة من إجمالي فرص العمل، مع عمل نحو 70 في المائة من العاملين لحسابهم الخاص في الزراعة. غير أن التقرير يبيّن بوضوح أن هذا الوزن الاقتصادي الكبير يعكس حالة من الفقر والجمود أكثر مما يعكس حيويةً أو كفاءة إنتاجية. فإنتاجية العمل الزراعي – المقاسة بالقيمة المضافة لكل عامل – تظل أدنى بكثير من نظيراتها الإقليمية ومن متوسط البلدان متوسطة الدخل، متخلفةً ليس فقط عن مصر وجنوب أفريقيا، بل حتى عن الوسيط العام للبلدان متوسطة الدخل، وذلك على الرغم من تفوق السودان الكبير من حيث وفرة الأراضي الصالحة للزراعة.
وتتجلى أزمة الإنتاجية على نحوٍ أشد في الزراعة المطرية، التي تشغل نحو 88 فى المائة من المساحة المزروعة وتنتج حوالي 75 فى المائة من الحبوب الغذائية، لكنها تعاني من انخفاض مزمن ومتواصل في الغلال. وخلال فترة النمو المدفوع بالنفط (2000–2011)، على سبيل المثال، توسعت المساحة المحصودة من الذرة الرفيعة – المحصول الغذائي الرئيسي – بأكثر من 50 فى المائة، في حين انخفض متوسط الغلة بنحو 30 فى المائة، وهو ما يعكس توسعاً أفقياً تحت الضغط بدلاً من نمو قائم على رفع الإنتاجية.
وقد أدى هذا النمط إلى زيادة الضغط على الأراضي الهامشية، وتسريع تدهور الأراضي، وتعميق قابلية التأثر بالصدمات المناخية، ولا سيما في دارفور وكردفان وشرق السودان، حيث ترتفع معدلات الفقر وتستمر النزاعات على نحو أكثر حدة.
وانطلاقاً من الأدلة المقارنة بين الدول ومن نظريات النمو الحديثة، يبرز التقرير مفارقةً جوهرية: فعلى عكس التصنيع، لا تشهد الزراعة تقارباً تلقائياً في الإنتاجية. وتُظهر التقديرات القياسية المعتمدة على بيانات عالمية لأكثر من 120 دولة أن تقارب الإنتاجية الزراعية لا يحدث إلا بشروط، أي في ظل سياسات ومؤسسات داعمة، وتكنولوجيات متكيفة مع الخصائص البيئية-الزراعية.
وفي حالة السودان، أفضت عقودٌ من عدم الاستقرار الكلي، والمبالغة في تقييم سعر الصرف الحقيقي (لا سيما خلال طفرة النفط)، وضعف الاستثمار في السلع العامة الزراعية، والانحياز الشديد في توزيع الإنفاق العام لصالح الزراعة المروية – على محدوديته حتى داخل هذا القطاع – إلى تقويض هذه الشروط. فعلى سبيل المثال، ظلّ الاستثمار العام في الزراعة في المتوسط أقل بكثير من 2 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى متدنٍ للغاية مقارنةً بهدف 10 في المائة الذي نصّ عليه برنامج التنمية الزراعية الشاملة في أفريقيا (CAADP)، وذلك مع إهمالٍ منهجي للزراعة المطرية، وهي القطاع الأكبر تشغيلاً للفقراء.
الإسهام الابتكاري للتقرير:
وتكمن إحدى الإسهامات الابتكارية الرئيسة للتقرير في إعادة تصور التحول الزراعي بوصفه مشروعاً مكانياً وهيكلياً، يتمحور حول ممرات للنمو الزراعي-الصناعي ترتكز على مدن إنتاجية. فبدلاً من تشتيت الموارد العامة الشحيحة على مساحات ريفية شاسعة، يقترح التقرير تركيز البنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والتمويل، وخدمات الإرشاد الزراعي في عقد حضرية مختارة بعناية، ترتبط بأحزمة زراعية قوية. وتشير الأدلة المستقاة من تاريخ السودان نفسه ومن التجارب الدولية المقارنة إلى أن هذا التركيز المكاني شرطٌ أساسي لتحقيق وفورات الحجم، وخفض تكاليف المعاملات، وتمكين نمو مستدام في الإنتاجية والقيمة المضافة.
وضمن هذه الممرات، يمكن للزراعة التعاقدية وسلاسل القيمة التي يقودها القطاع الخاص – بدعم من الحكومة الإتحادية والإقليمية، خاصة محليات المدن – أن تُدمج صغار المنتجين مع المصنّعين والمصدّرين، بما يساعد الزراعة على أن “تبدو أكثر شبهاً بالصناعة”(make agriculture looks like industry) . ويعالج هذا النهج مباشرة الإخفاقات التجريبية للنماذج السابقة، بما في ذلك ضعف الروابط الأمامية، وغياب الأسواق، وتدنّي القيمة المضافة، وارتفاع تقلبات الإنتاج. وعلى النقيض من ذلك، تُظهر الصناعات الزراعية التحويلية – التي يحددها التقرير كنقطة الدخول الأكثر واقعية للتصنيع في السودان – نمواً أعلى وأكثر استقراراً في الإنتاجية، ومضاعفات تشغيلية أقوى مقارنة بالزراعة المطرية أو بقطاعات الخدمات منخفضة الإنتاجية.
وترتكز الاستراتيجية الشاملة على ثلاث ركائز مدعومة بالأدلة التجريبية:
• أولاً، دولة تنموية مقتدرة، تركز على الاستقرار الكلي، وأسعار صرف تنافسية، والبحث الزراعي، والتنظيم، وهي مجالات ثبت أنها حاسمة لتحقيق التقارب المشروط في الإنتاجية؛
• ثانياً، تمكين صغار المزارعين عبر إصلاحات الأراضي والحيازة، والتعاونيات، وإتاحة التمويل والخدمات، وبرامج تحويلات نقدية مُحكمة التصميم تؤدي دور الحماية الاجتماعية والاستثمار الإنتاجي في آنٍ واحد؛
• ثالثاً، الاستثمار في جانب العرض الزراعي والتكنولوجيا – بما في ذلك الأسمدة، والبذور المحسّنة، والري، والطاقة المتجددة، والأدوات الرقمية – لعكس اتجاه تدهور الغلال وبناء القدرة على التكيف مع تغير المناخ.
وخلاصة القول، يضع التقرير ممرات النمو الزراعي-الصناعي المرتكزة على المدن الإنتاجية بوصفها الحلقة المؤسسية والمكانية المفقودة بين الزراعة والصناعة والتشغيل. واستناداً إلى بيانات سودانية وأدلة مقارنة دولية، يقدم هذا النموذج مساراً ذا مصداقية لتحويل الموارد الطبيعية الوفيرة في السودان إلى محركات للنمو الشامل، ورافعاً متيناً للتعافي في مرحلة ما بعد الحرب، والعمود الفقري الاقتصادي لمشروع نهضوي وطني أوسع للسودان.
نواصل بتفاصيل أكثر عن مشروع المدن المنتجة فى المقالات القادمة بإذن الله.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم