زلزال إيران… الامتحان بعد السقوط

نزار عثمان السمندل

تتصاعد الهتافات في شوارع المدن الإيرانية، ويتكاثف الدخان الرمزي فوق صورة نظام مأزوم، بينما تراقب العواصم الخليجية المشهد بعيون باردة وحسابات أثقل من ضجيج المنصات الرقمية.
فرح الشماتة يبدو ترفاً سياسياً لا تملكه الجغرافيا القريبة من زلزال محتمل، ولا تسمح به ذاكرة إقليم خبر كلفة الانهيارات المفاجئة.
ما يجري في إيران يُقرأ هناك بوصفه اختباراً صعباً لفكرة الاستقرار نفسها، لا لحظات انتقام مؤجلة من خصم تاريخي.
خلف شعارات إسقاط حُكم الملالي، يتكوّن قلق استراتيجي صامت في غرف القرار العربية. إيران، بكل ما حملته من سياسات تمدد وأذرع مسلحة، أدّت دور ثقل ثقيل في ميزان القوى، دور مكروه لكنه حاضر. اهتزاز هذا الثقل أو انكساره الكامل يفتح باب أسئلة أخطر: من يملأ الفراغ، ومن يضع حدوداً للقوة حين تختفي المنافسة؟
تقديرات مراكز بحثية غربية وعربية تلتقي عند نقطة واحدة: السقوط السريع قد يطلق فوضى واسعة، تمتد من الداخل الإيراني إلى الإقليم، وتترك العرب في مواجهة مباشرة مع تفوق إسرائيلي بلا منازع.
الخشية لا تتصل بالدفاع عن نظام فقد كثيراً من شرعيته، وإنما بالخوف من زمن انتقالي بلا سقف. تسعون مليون إنسان، شبكة مصالح، حدود ملتهبة، وأذرع خارجية متشابكة؛ كلها عناصر تجعل من الانهيار حدثاً يتجاوز طهران.
ضعف إيران الطويل والمؤلم يبدو، في نظر بعض العواصم، أقل خطورة من لحظة فراغ تعيد رسم الخريطة بالقوة. إسرائيل، في هذا السيناريو، قد تجد نفسها اللاعب الأعلى صوتاً وسلاحاً، قادرة على فرض وقائع جديدة بلا حاجة إلى مساومات سياسية أو تنازلات مؤلمة.
وسط هذا المشهد، تقف دول الخليج بين ضغطين قاسيين. سنوات طويلة عرفت فيها ثقل النفوذ الإيراني عبر الميليشيات والتدخلات غير المباشرة، لكنها تدرك أيضاً أن غياب هذا الضغط قد يفسح المجال أمام قبضة أخرى أكثر مباشرة.
تقديرات دبلوماسية ترى أن تل أبيب، إذا شعرت بأن خصمها الإقليمي الأبرز خرج من اللعبة، ستتصرف بمنطق القوة الصافية، من فلسطين إلى أطراف المشرق، ما يضع القيادات العربية أمام شعوبها في موقع دفاعي بالغ الحساسية.
تتحرك قوى إقليمية كبرى بهدوء لاحتواء الاحتمالات. تنسيق متزايد، اتصالات غير معلنة، ومحاولات لصياغة موقف يقلل الخسائر أياً كان مآل الاحتجاجات.
في الوقت نفسه، تتصاعد هواجس مرتبطة بالمعارضة الإيرانية في الخارج، وبالسيناريوهات التي تُعدّ لها. شكوك عميقة تحيط بفكرة انتقال تقوده قوى مرتبطة بأجندات دولية أو إسرائيلية، انتقال قد يعيد إنتاج تحالفات ما قبل 1979، ويحوّل إيران من خصم مزعج إلى شريك استراتيجي لتطويق العرب.
هذا القلق يفسر الحذر العربي تجاه الخطابات الإيرانية المعارضة التي تبدي قرباً سياسياً أو عاطفياً من تل أبيب.
الرهان الخليجي، في حدوده الدنيا، يتجه نحو مسار إيراني ينكفئ إلى الداخل، يعيد ترتيب دولته من دون أن يتحول إلى منصة نفوذ لقوة أخرى. غير أن الضغوط الأميركية والإسرائيلية لا تخفي نواياها، إذ يجري الترويج لفكرة التدخل غير المباشر وتسريع سقوط النظام، بوصفها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل المنطقة.
في مراكز التفكير العربية، تستحضر الذاكرة درس بغداد عام 2003. سقوط صدام حسين لم يفتح باب الديمقراطية، بل أطلق تمدداً إقليمياً مدمراً. اليوم، يخشى كثيرون تكرار المعادلة بصورة معكوسة: انهيار الملالي قد يفتح الطريق أمام تغوّل إسرائيلي واسع، بلا توازن ولا كوابح. لذلك يسود تفضيل حذر لواقع مأزوم يمكن التعايش معه، على مستقبل غامض تحكمه قوة واحدة.
انتظار ثقيل، وحسابات باردة، وإقليم يقف على حافة سؤال أخلاقي وسياسي معاً: أيهما أقل كلفة، عدو ضعيف معروف، أم صديق محتمل يمتلك كل مفاتيح النار؟

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

إرث الكيزان: البندقية في وجه الجميع

إرث الكيزان: البندقية في وجه الجميعفي مواجهة خطاب يشرعن اغتيال خالد سلكنزار عثمان السمندل لغةُ …