من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
الإدارة بلا بيانات
حين يُتخذ القرار في الظلام
منبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان
مقدمة
في عالم تُقاس فيه الدول بقدرتها على اتخاذ القرار السليم في الوقت المناسب، تصبح البيانات ليست ترفًا تقنيًا، بل شرطًا وجوديًا للإدارة الرشيدة.
ومع ذلك، لا تزال مؤسسات كثيرة في عالمنا العربي والعالم الثالث تُدار بعقلية الحدس، والذاكرة، والانطباعات، لا بالأرقام والمعطيات.
هنا لا يكون الفشل مفاجئًا، بل حتميًا، لأن الإدارة بلا بيانات تشبه طبيبًا يصف الدواء دون تشخيص، أو قائدًا يسير بجيشٍ معصوب العينين.
الإدارة حين تعتمد على الظن
في غياب البيانات، يتحول القرار الإداري إلى رأي شخصي، وتصبح الاجتماعات ساحات انطباعات لا غرف تحليل.
يُقال: “نعتقد أن الأداء جيد”، “نشعر أن المشكلة في الموظفين”، “يبدو أن السوق يتحسن”.
هذه اللغة ليست لغة إدارة، بل لغة تخمين.
البيانات لا تعني فقط الأرقام المالية، بل تشمل:
بيانات الأداء
بيانات الموارد البشرية
بيانات الإنتاج
بيانات الشكاوى
بيانات الوقت والتكلفة والجودة
وحين تغيب هذه الصورة الكلية، يصبح القرار مجرد رد فعل، لا فعلًا مدروسًا.
لماذا تغيب البيانات عن الإدارة في العالم الثالث؟
غياب البيانات ليس مصادفة، بل نتيجة تراكمات عميقة:
أولًا: ضعف البنية المؤسسية
كثير من المؤسسات لا تمتلك نظم معلومات حقيقية،
بل سجلات ورقية أو ملفات مجزأة لا تتحدث مع بعضها.
لا توجد قاعدة بيانات مركزية،
ولا تعريف موحد للمعلومة.
ثانيًا: ثقافة الخوف
البيانات تكشف، والمكاشفة تُخيف.
في بيئات لا تُكافئ الصدق، بل تعاقبه، يُفضّل كثيرون إخفاء الأرقام أو تجميلها. وهكذا تُقتل البيانات قبل أن تولد.
ثالثًا: الإدارة الشخصية لا المؤسسية
حين تُدار المؤسسة بشخص لا بنظام، تصبح الذاكرة أهم من المعلومة، ويصبح “أنا أعرف” بديلًا عن “البيانات تقول”.
رابعًا: سوء فهم التكنولوجيا
تم استيراد أنظمة تقنية معقدة، دون فهم وظيفتها الإدارية. فصارت الأنظمة موجودة شكليًا، لكنها غير مستخدمة في صنع القرار.
النتيجة: قرارات صحيحة بالصدفة وخاطئة بالمنهج
قد تصيب إدارة بلا بيانات أحيانًا، لكن إصابتها ليست دليل كفاءة، بل حظ.
المشكلة أن الخطأ هنا لا يُكتشف مبكرًا، بل بعد فوات الأوان، حين تتراكم الخسائر، ويُحمَّل الفشل لأشخاص لا لمنهج.
في المؤسسات التي تُدار بلا بيانات:
تُطلق مشروعات لا تُقاس
تُصرف ميزانيات بلا مؤشرات
يُكافأ الأداء بلا معايير
وتُفشل التجارب دون معرفة سبب الفشل
وهكذا تُستنزف الموارد، ويُتهم العاملون، بينما الجريمة الأصلية هي غياب المعلومة.
الإدارة بالبيانات ليست ترفًا نخبويًا
البعض يظن أن الإدارة المعتمدة على البيانات تصلح فقط للشركات الكبرى أو الدول المتقدمة.
هذا فهم خاطئ.
في البيئات الهشة تحديدًا، تصبح البيانات أكثر أهمية، لأنها تقلل الهدر، وتحد من الفساد، وتكشف الأولويات الحقيقية.
البيانات لا تعني التعقيد، بل الوضوح.
ولا تعني كثرة الجداول، بل طرح السؤال الصحيح:
ماذا نعرف؟
وماذا لا نعرف؟
ولماذا لا نعرف؟
حين تصبح البيانات أداة مساءلة
الإدارة بالبيانات ليست تقنية فقط، بل أخلاق.
فالرقم الصادق يحاسب الجميع، من أعلى الهرم إلى قاعدته.
وحين تخضع القرارات للأرقام، لا للأهواء، يبدأ العدل الإداري في التشكل.
لهذا تخاف الأنظمة الرديئة من البيانات، لأنها:
تفضح الكسل
تكشف التلاعب
وتسحب الشرعية من القرار المزاجي
الخاتمة
الإدارة بلا بيانات ليست مجرد ضعف مهني
، بل خطر مؤسسي.
هي إدارة قصيرة النظر، عالية التكلفة، قليلة التعلم.
وكل دولة أو مؤسسة تريد الخروج من دائرة الفشل، لا بد أن تبدأ من هنا:
أن ترى نفسها كما هي، لا كما تحب أن تُرى.
رأي منبر بنيان
ليس المطلوب إدارة مثالية،
بل إدارة ترى.
فالبيانات ليست بديلًا عن الحكمة،
لكنها شرطها الأول.
ومن يرفض الأرقام، إنما يختار أن يُدار في العتمة، ثم يتساءل: لماذا تعثرنا؟
المراجع الإرشادية
تقارير البنك الدولي حول الحوكمة القائمة على البيانات
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD – Evidence Based Policy
كتاب: The Signal and the Noise – Nate Silver
دراسات الإدارة العامة الحديثة في الدول النامية
تقارير الأمم المتحدة حول نظم المعلومات وصنع القرار
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم