إيران على حافة القرار الصعب: الضربة أو التسوية

محمد الأمين عبد النبي
wdalamin_2000@hotmail.com

يرى المراقبون أنه إذا ما قدمت إيران التنازلات التي تطالب بها الولايات المتحدة، وصولاً إلى تفكيك جوهري لبرنامجها النووي، فإن ذلك سيعكس تراجعاً استراتيجياً ناتجاً عن تراكب تحولات إقليمية ودولية عميقة أعادت رسم موازين القوة في الشرق الأوسط. فخسارة طهران المتدرجة لأدوات نفوذها، أو تحييدها، بدءاً من حزب الله وحماس، وصولاً إلى تفكك الحلقة السورية، وانكفاء الحوثيين، وتحجيم الأذرع العراقية، تتزامن مع بيئة إقليمية أقل تسامحاً مع سياسات الصدام، ومناخ خليجي يدفع باتجاه التهدئة، في ظل مؤشرات على جاهزية أميركية لتنفيذ عمل عسكري خلال ساعات إذا فشلت مسارات الاحتواء.
وفي موازاة ذلك، تتصاعد الضغوط السياسية والدبلوماسية على طهران لوقف قمع المتظاهرين في الداخل، باعتبار الملف الداخلي جزءاً من المعادلة وليس قضية منفصلة عنها. ومع احتقان داخلي متزايد وأزمة اقتصادية خانقة، تتآكل سردية “المقاومة” التي وفرت للنظام الإيراني غطاءه الأيديولوجي، بينما تتقاطع السياسة الأميركية مع توجه أوسع لإعادة تشكيل الإقليم، يقوم على تقويض بنى الإسلام السياسي كقوة عابرة للحدود قبل نهاية عام 2027.
وعليه، فإن أي تسوية محتملة لن تُقرأ بوصفها خياراً وطنياً، بل إدارة اضطرارية للخسائر في لحظة إقليمية ودولية غير مواتية، قد تمنح النظام مهلة للبقاء، لكنها تُفقده أدوات الردع والمبادرة، وتعيد تعريف موقعه من لاعب إقليمي مؤثر إلى دولة تسعى لتفادي الضربة والعزلة في نظام شرق أوسطي آخذ في التشكل.
في المقابل، فإن إصرار إيران على الاستمرار في قمع المتظاهرين ورفع منسوب المواجهة مع الولايات المتحدة يعمّق عزلتها ويضاعف كلفة الصدام؛ إذ إن الجمع بين القبضة الأمنية في الداخل والتحدي المفتوح في الخارج يسرّع استنزاف الدولة سياسياً واقتصادياً، ويفتح الباب أمام ضربة عسكرية أو عقوبات أشد وطأة في لحظة إقليمية لا تمتلك فيها طهران أدوات الردع السابقة ولا عمق المناورة الذي وفرته شبكات نفوذها.
هذا المسار لا يهدد استقرار النظام فحسب، بل يضع مستقبل الدولة ذاته على المحك، مع احتمالات تفكك داخلي وتصاعد فهم دولي يعتبر السلوك الإيراني خطراً مزدوجاً على الأمن الإقليمي والإنساني. وفي المقابل، فإن الاستجابة لمطالب التغيير وقف القمع، والانخراط الجاد في التفاوض مع الولايات المتحدة، قد يفتحان مساراً أقل كلفة يتيح لإيران إعادة تموضعها كدولة داخل النظام الدولي لا خارجه، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، وامتصاص الاحتقان الداخلي، وإن كان ذلك على حساب مشروعها الأيديولوجي ودورها الإقليمي. فالمآل في هذه الحالة لن يكون عودة إلى النفوذ السابق، بل انتقالاً صعباً من منطق المواجهة إلى منطق البقاء وإدارة الخسائر في نظام إقليمي جديد لا يقوم على الصدام المفتوح.
أما على مستوى احتمالات تدخل روسيا أو الصين إلى جانب إيران في مواجهة الولايات المتحدة، فإن هذا الخيار يظل محدوداً ومعقداً إلى حد بعيد؛ فموسكو، المنخرطة في صراع استنزافي مفتوح في أوكرانيا وتحت ضغط اقتصادي وعسكري غربي غير مسبوق، تفتقر إلى القدرة والرغبة في فتح جبهة مباشرة مع واشنطن دفاعاً عن طهران. فيما تنظر بكين إلى إيران بوصفها ورقة نفوذ لا حليفاً استراتيجياً يستحق المخاطرة بمصالحها التجارية والمالية الواسعة مع الغرب.
وفي ظل احتدام صراع النفوذ العالمي وتعدد ساحاته، تميل كل من روسيا والصين إلى إدارة التوازنات لا كسرها، وتفضيل الدعم السياسي والاقتصادي المحدود أو الالتفاف الدبلوماسي على أي انخراط عسكري مباشر. وعليه، فإن إيران، في حال اندلاع مواجهة مع الولايات المتحدة، ستجد نفسها عملياً في موقع شبه منفرد، مدعومة بخطاب سياسي لا يرقى إلى مستوى الحماية الاستراتيجية، مما يعكس حدود الرهان على تعددية قطبية لم تنضج بعد بما يكفي لتوفير مظلة حقيقية في لحظات الصدام الكبرى.

عن محمد الأميـن عبد النبي

محمد الأميـن عبد النبي

شاهد أيضاً

الجيش السوداني: ما بين ميزان الدولة وموازين الصراع (1)

محمد الأمين عبد النبيwdalamin_2000@hotmail.com مقدمة:يأتي هذا المقال ضمن سلسلة مقالاتنا حول “أسئلة اليوم التالي”، والتي …