الاقتصاد العادل: نحو تنمية تخدم الجميع
كيف نبني اقتصادًا يحقق الرفاه للمواطنين لا للنخب فقط؟
م. هيثم عثمان إبراهيم
الاقتصاد ليس مجرد أرقام ومؤشرات، بل هو انعكاس لقيم المجتمع وأولوياته. الاقتصاد الذي يُثري القلة ويُفقر الأغلبية هو اقتصاد ظالم، حتى لو حقق معدلات نمو مرتفعة. والاقتصاد الذي يُهمش مناطق ويُفضل أخرى هو اقتصاد مُقسِّم، حتى لو بدا ناجحًا في المجمل.
السؤال الحقيقي ليس: هل ينمو الاقتصاد؟ بل: لمن ينمو؟ ومن يستفيد من ثماره؟
السودان بلد غني بالموارد: أراضٍ زراعية شاسعة، وثروة حيوانية ضخمة، ومعادن متنوعة، وموقع جغرافي استراتيجي. لكن هذا الغنى لم ينعكس على حياة المواطنين. الفقر منتشر، والخدمات متردية، والفجوة بين المناطق والطبقات واسعة. هذا التناقض بين الإمكانات والواقع يطرح سؤالًا جوهريًا: أين تذهب ثروات السودان؟ ولماذا لا يستفيد منها أصحابها الحقيقيون؟
أولًا: الاقتصاد كأداة للعدالة أو للظلم
الاقتصاد يمكن أن يكون أداة للعدالة حين يوزع الثروة بإنصاف، ويوفر الفرص للجميع، ويحمي الضعفاء. ويمكن أن يكون أداة للظلم حين يركز الثروة في أيدي قلة، ويحرم الأغلبية من الفرص، ويترك الضعفاء لمصيرهم.
الاقتصاد السوداني تاريخيًا كان أقرب للنموذج الثاني. السياسات الاقتصادية خدمت النخب المتنفذة على حساب عموم المواطنين. الموارد تركزت في المركز وأُهملت الأطراف. الفساد استنزف الثروات العامة. والخصخصة أحيانًا كانت غطاءً لنقل الأصول العامة لأيدٍ خاصة مرتبطة بالسلطة.
تغيير هذا الواقع يتطلب تغييرًا في فلسفة الاقتصاد ذاتها. الاقتصاد يجب أن يُقاس بمدى تحسينه لحياة المواطنين، لا بمدى إثرائه للنخب. النمو الاقتصادي ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتحقيق الرفاه والكرامة للجميع.
ثانيًا: التنمية المتوازنة: إنصاف المناطق المهمشة
من أكبر إشكاليات الاقتصاد السوداني هو التفاوت الجغرافي الحاد. المركز (الخرطوم والمناطق المحيطة) استأثر بالاستثمارات والخدمات والبنية التحتية، بينما أُهملت الأطراف. هذا التفاوت ليس مجرد ظلم اقتصادي، بل هو أحد جذور الصراعات السياسية والعسكرية.
التنمية المتوازنة تعني توزيع الاستثمارات والخدمات بشكل عادل على كل مناطق البلاد. تعني أن الطفل في دارفور يحصل على نفس جودة التعليم التي يحصل عليها الطفل في الخرطوم. تعني أن المريض في الشرق يجد مستشفى مجهزًا كما يجد نظيره في الوسط. تعني أن الفلاح في دارفور وكردفان يجد طرقًا وأسواقًا تمكنه من بيع محصوله.
هذا يتطلب تمييزًا إيجابيًا لصالح المناطق المهمشة تاريخيًا. ليس المطلوب المساواة الحسابية في توزيع الموارد، بل العدالة التي تعطي الأكثر حرمانًا أكثر حتى يلحق بالآخرين. هذا ليس ظلمًا للمركز، بل إنصاف للأطراف.
ثالثًا: الفقر كقضية هيكلية
الفقر في السودان ليس قدرًا محتومًا ولا نتيجة كسل الفقراء، بل هو نتيجة سياسات وهياكل أنتجته وأعادت إنتاجه. الفقر يُنتَج حين تُحرم مناطق من الاستثمار، وحين يُحرم مواطنون من التعليم والصحة، وحين تُركز الفرص في أيدي قلة.
مكافحة الفقر تتطلب معالجة جذوره الهيكلية، لا مجرد توزيع المساعدات. تتطلب:
أولًا: الاستثمار في رأس المال البشري. التعليم والصحة هما أساس التنمية. الإنسان المتعلم والصحيح قادر على الإنتاج والمساهمة في الاقتصاد.
ثانيًا: توفير البنية التحتية. الطرق والكهرباء والمياه والاتصالات هي شروط أساسية للنشاط الاقتصادي. المناطق المحرومة منها محرومة من فرص التنمية.
ثالثًا: دعم الإنتاج المحلي. الزراعة والصناعات الصغيرة والحرف هي مصادر رزق الملايين. دعمها يعني دعم قدرتهم على إعالة أنفسهم.
رابعًا: الحماية الاجتماعية. شبكات الأمان الاجتماعي تحمي الفئات الأكثر ضعفًا من السقوط في الفقر المدقع.
رابعًا: الموارد الطبيعية: ثروة الشعب
السودان غني بالموارد الطبيعية: الذهب والنفط والأراضي الزراعية والثروة الحيوانية. لكن هذه الموارد لم تُدر لصالح الشعب. النفط ذهب للحرب والفساد. الذهب يُهرب ولا تستفيد منه الخزينة العامة. الأراضي تُمنح للمستثمرين الأجانب بينما يُحرم منها المزارعون المحليون.
إدارة الموارد الطبيعية بشكل عادل تتطلب:
أولًا: الشفافية. عقود الموارد الطبيعية يجب أن تكون علنية، والإيرادات يجب أن تُنشر وتُراقب.
ثانيًا: التوزيع العادل. المناطق المنتجة للموارد يجب أن تحصل على حصة عادلة من عائداتها.
ثالثًا: الاستدامة. استغلال الموارد يجب أن يراعي حقوق الأجيال القادمة، ولا يستنزف الثروات دون تفكير في المستقبل.
رابعًا: حماية المجتمعات المحلية. المشاريع الاستخراجية يجب ألا تُهجر المجتمعات أو تدمر بيئتها دون تعويض عادل.
خامسًا: الزراعة: العمود الفقري للاقتصاد
الزراعة هي العمود الفقري للاقتصاد السوداني، ومصدر رزق غالبية السكان. لكنها أُهملت لعقود لصالح قطاعات أخرى. المزارعون يعانون من غياب الدعم، وضعف البنية التحتية، وتقلب الأسعار، وصعوبة الوصول للأسواق.
إحياء الزراعة يتطلب:
أولًا: الاستثمار في البنية التحتية الزراعية. الري والطرق والتخزين والتسويق كلها ضرورية لنجاح القطاع الزراعي.
ثانيًا: دعم صغار المزارعين. التمويل الميسر، والإرشاد الزراعي، والتأمين على المحاصيل، كلها أدوات لدعم صغار المزارعين.
ثالثًا: التصنيع الزراعي. تحويل المنتجات الزراعية محليًا يضيف قيمة ويخلق فرص عمل.
رابعًا: حماية الأراضي الزراعية. منع الاستيلاء على الأراضي وحماية حقوق المزارعين التقليديين.
سادسًا: فرص العمل: حق لا منّة
البطالة، خاصة بين الشباب، من أخطر التحديات التي تواجه السودان. الشباب المتعلم لا يجد عملًا، والخريجون يهاجرون بحثًا عن فرص في الخارج. هذا النزيف للكفاءات خسارة فادحة للبلاد.
خلق فرص العمل يتطلب:
أولًا: بيئة أعمال محفزة. تبسيط الإجراءات، ومحاربة الفساد، وتوفير البنية التحتية، كلها ضرورية لجذب الاستثمار وخلق الوظائف.
ثانيًا: دعم ريادة الأعمال. الشباب يمكن أن يخلقوا فرص عملهم بأنفسهم إذا توفر لهم الدعم: التمويل، والتدريب، والإرشاد.
ثالثًا: التعليم المهني. ربط التعليم بسوق العمل، وتوفير تدريب مهني يؤهل الشباب للوظائف المتاحة.
رابعًا: الاستثمار العام. الدولة يمكن أن تخلق فرص عمل مباشرة من خلال مشاريع البنية التحتية والخدمات العامة.
سابعًا: النظام المالي: خدمة الاقتصاد الحقيقي
النظام المالي يجب أن يخدم الاقتصاد الحقيقي، لا أن يكون أداة للمضاربة والإثراء السريع. البنوك يجب أن توفر التمويل للمشاريع الإنتاجية، لا أن تركز على الأنشطة المضاربية.
إصلاح النظام المالي يتطلب:
أولًا: الشمول المالي. توفير الخدمات المالية للفئات المحرومة منها: الفقراء، والمناطق الريفية، والنساء.
ثانيًا: التمويل الإنتاجي. توجيه الائتمان نحو القطاعات الإنتاجية: الزراعة والصناعة والخدمات.
ثالثًا: الرقابة الفعالة. منع الممارسات الاحتكارية والمضاربية التي تضر بالاقتصاد.
رابعًا: الاستقرار النقدي. سياسات نقدية تحافظ على قيمة العملة وتحمي مدخرات المواطنين.
ثامنًا: الاقتصاد والعالم: الاندماج بشروطنا
السودان جزء من الاقتصاد العالمي، ولا يمكنه العزلة عنه. لكن الاندماج في الاقتصاد العالمي يجب أن يكون بشروط تخدم مصالح البلاد، لا بشروط تُفرض من الخارج.
الاندماج الذكي يتطلب:
أولًا: التنويع. عدم الاعتماد على سلعة واحدة أو سوق واحد، بل تنويع الصادرات والشركاء التجاريين.
ثانيًا: حماية القطاعات الناشئة. الصناعات الوليدة تحتاج لحماية مؤقتة حتى تقوى وتستطيع المنافسة.
ثالثًا: التفاوض الجماعي. التعاون مع الدول الأفريقية والعربية للتفاوض بشكل أقوى مع الشركاء الدوليين.
رابعًا: السيادة على القرار الاقتصادي. السياسات الاقتصادية يجب أن تُصاغ وفق مصالح السودان، لا وفق إملاءات المؤسسات الدولية.
ختامًا: اقتصاد للناس
الاقتصاد العادل ليس حلمًا طوباويًا، بل هو خيار سياسي يمكن صنعه. هو اقتصاد يضع الإنسان في المركز، ويقيس النجاح بمدى تحسن حياة المواطنين، ويوزع الثروة بإنصاف، ويوفر الفرص للجميع.
السودان يملك كل المقومات لبناء اقتصاد مزدهر وعادل. يملك الموارد والأرض والموقع والبشر. ما ينقصه هو الإرادة السياسية والحوكمة الرشيدة والرؤية الواضحة.
بناء هذا الاقتصاد يبدأ من الاعتراف بأن الاقتصاد الحالي فاشل وظالم، وأننا بحاجة لنموذج جديد. نموذج يخدم الناس لا النخب، ويبني الإنتاج لا المضاربة، ويوزع الثروة لا يركزها.
هذا هو الاقتصاد الذي يستحقه السودان، وهذا هو الاقتصاد الذي يمكن بناؤه إذا امتلكنا الإرادة والرؤية.
haytham.compre@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم