عسكرة الدولة وثقافة الحروب .. كيف أصبح العنف هوية؟

م. هيثم عثمان إبراهيم

إذا كانت الانقسامات المدنية هي الوجه السياسي لأزمة السودان، فإن عسكرة الدولة هي وجهها الآخر، الأكثر عنفًا وتدميرًا. فمنذ الاستقلال، لم تكن الحروب مجرد حوادث عرضية في تاريخ السودان، بل كانت حالة شبه دائمة، بنية متجذرة شكلت هوية الدولة والمجتمع والوعي.
لقد تحولت الدولة، التي يفترض أن تكون أداة لحماية مواطنيها، إلى أكبر مصدر للعنف ضدهم. وتحولت السياسة، التي يفترض أن تكون فن الممكن، إلى مجرد امتداد للحرب بوسائل أخرى.
هذا المقال يسعى لتشريح ظاهرة عسكرة الدولة في السودان، متتبعًا تاريخها، ومحللًا كيفية تشكل “ثقافة الحرب” التي تجعل العنف خيارًا مقبولًا ومألوفًا، وموضحًا تأثيرها الكارثي على كل جوانب الحياة.

  1. تاريخ عسكرة الدولة في السودان
    لم تكن عسكرة الدولة السودانية وليدة اللحظة، بل هي نتاج مسار تاريخي طويل:
    أ. الجذور الاستعمارية:
  • الجيش كأداة للقمع: تم تأسيس “قوة دفاع السودان” في عام 1925 من قبل الإدارة البريطانية. لم يكن الهدف من هذا الجيش حماية الحدود بقدر ما كان أداة لفرض السيطرة وقمع أي تمرد داخلي. هذا خلق منذ البداية صورة للجيش كأداة للقمع لا الحماية.
  • التجنيد الانتقائي: اعتمدت الإدارة البريطانية على تجنيد أبناء مناطق معينة (خاصة من غرب السودان) وتهميش مناطق أخرى، مما خلق بذور انقسام داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
    ب. الانقلابات العسكرية المتعاقبة:
    شكلت الانقلابات العسكرية (عبود 1958، نميري 1969، البشير 1989) نقاط تحول رسخت هيمنة المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية:
  • تدمير السياسة: كل انقلاب كان يبدأ بحل الأحزاب، تعليق الدستور، وقمع الحريات، مما أدى إلى فراغ سياسي لم يملأه إلا العسكر.
  • تضخم الدور السياسي للجيش: تحول قادة الجيش إلى حكام سياسيين، وأصبحت المؤسسة العسكرية هي الفاعل الأقوى في الدولة، وصاحبة الكلمة الفصل في كل القضايا المصيرية.
    ج. الحروب الأهلية وتعدد الجيوش:
    أدت الحروب الأهلية الطويلة إلى عسكرة المجتمع بشكل أوسع:
  • ظهور الحركات المسلحة: فشل الدولة في حل المظالم السياسية والاقتصادية دفع المجموعات المهمشة إلى حمل السلاح وتشكيل جيوشها الخاصة. هذا أدى إلى كسر احتكار الدولة للعنف، وظهور فاعلين مسلحين متعددين.
  • تسليح القبائل والميليشيات: لمواجهة الحركات المسلحة، لجأت الحكومات المتعاقبة، وخاصة نظام الإنقاذ، إلى تسليح القبائل وتشكيل ميليشيات موالية لها (مثل الجنجويد، التي تحولت لاحقًا إلى قوات الدعم السريع). هذا أدى إلى انتشار السلاح بشكل غير مسبوق، وتحويل الصراعات من سياسية إلى أهلية.

د. الإمبراطورية الاقتصادية للعسكر:
لم تقتصر هيمنة العسكر على السياسة، بل امتدت لتشمل الاقتصاد. عبر شركات ومؤسسات تابعة للجيش والأمن، سيطر العسكر على قطاعات حيوية من الاقتصاد السوداني (مثل التصنيع الحربي، الزراعة، الاتصالات، التعدين). هذا الأمر خلق مصالح اقتصادية ضخمة للمؤسسة العسكرية تجعل تخليها عن السلطة أمرًا شبه مستحيل، لأن فقدان السلطة السياسية يعني فقدان الامتيازات الاقتصادية.

  1. تشكل ثقافة الحرب
    العسكرة ليست مجرد وجود جيوش وميليشيات، بل هي أيضًا ثقافة تتغلغل في وعي المجتمع وتجعل العنف هو الحل الأول والأسهل لأي مشكلة. تتجلى هذه الثقافة في:
  • تمجيد القوة: يصبح الرجل المسلح (الجندي، المقاتل) هو النموذج المثالي للرجولة، ويتم تمجيد قيم القوة والبطش على حساب قيم الحوار والتسامح.
  • طبيعية العنف (Normalization of Violence): يصبح العنف جزءًا عاديًا ومألوفًا من الحياة اليومية. أخبار القتل والنزوح والدمار لا تعود تثير الصدمة، بل يتم التعامل معها كأمر متوقع.
  • لغة الحرب في السياسة: يتم استخدام مفردات الحرب في الخطاب السياسي (معركة، جبهة، خيانة، مؤامرة). يصبح الخصم السياسي عدوًا يجب سحقه لا شريكًا في الوطن يجب التحاور معه.
  • ضعف الحلول السلمية: تفقد آليات حل النزاعات السلمية (القضاء، الإدارة الأهلية، الحوار) مصداقيتها وقدرتها، ويصبح الاحتكام للسلاح هو الطريق الأسرع لتحقيق المطالب.
  1. التأثير الكارثي لعسكرة الدولة
    إن هيمنة العسكر وثقافة الحرب كانت لها نتائج مدمرة على السودان:
    أ. التأثير الاقتصادي:
  • استنزاف الموارد: يتم توجيه نسبة هائلة من ميزانية الدولة للإنفاق العسكري والأمني على حساب القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة والبنية التحتية.
  • تدمير بيئة الاستثمار: لا يمكن لأي استثمار حقيقي، محلي أو أجنبي، أن ينمو في بيئة يسودها انعدام الأمن والحروب.
  • خلق اقتصاد مشوه: ينمو “اقتصاد الحرب” (تجارة السلاح، النهب، التهريب) على حساب الاقتصاد المنتج، مما يزيد من الفقر والبطالة.
    ب. التأثير الاجتماعي:
  • النزوح واللجوء: أدت الحروب إلى تشريد الملايين من ديارهم، مما خلق أزمة إنسانية هائلة ودمر مجتمعات بأكملها.
  • تمزيق النسيج الاجتماعي: تترك الحروب جروحًا عميقة من الكراهية وانعدام الثقة بين المكونات الاجتماعية، مما يجعل المصالحة وبناء السلام مهمة صعبة للغاية.
  • انتشار الصدمات النفسية: يعاني ملايين السودانيين من صدمات نفسية عميقة نتيجة للعنف الذي شاهدوه أو تعرضوا له، وهو جرح غير مرئي لكنه يؤثر على قدرتهم على العيش والعمل والاندماج في المجتمع.
    ج. التأثير على الوعي العام:
  • فقدان الأمل: الشعور الدائم بانعدام الأمن والخوف من المستقبل يؤدي إلى حالة من اليأس والإحباط، ويدفع الكفاءات والشباب إلى الهجرة.
  • تآكل قيم المواطنة: في ظل دولة لا توفر الأمن، يعود الناس للاحتماء بالقبيلة أو الجهة، مما يضعف الشعور بالمواطنة والانتماء للدولة.
  • قبول الاستبداد: قد يصل البعض إلى قناعة بأن “الاستبداد الآمن” أفضل من “الديمقراطية الفوضوية”، مما يبرر عودة الحكم العسكري.
    خاتمة:
    عسكرة الدولة هي السرطان الذي ينخر في جسد السودان. إنها ليست مجرد مشكلة سياسية، بل هي أزمة وجودية تهدد بقاء الدولة نفسها. لقد حولت الحروب المستمرة السودان من “سلة غذاء العالم” المحتملة إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم. إن أي مشروع جاد لبناء مستقبل أفضل للسودان يجب أن يضع على رأس أولوياته تفكيك بنية العسكرة هذه، ليس فقط عبر إصلاح القطاع الأمني وبناء جيش قومي واحد، بل أيضًا عبر بناء ثقافة سلام بديلة تتغلغل في التعليم والإعلام والخطاب العام.
    إن الخروج من دوامة العنف هذه يتطلب بناء نموذج بديل، نموذج الدولة المدنية الديمقراطية التي تحتكر العنف المشروع وتستخدمه لحماية مواطنيها لا لقتلهم. وهذا النموذج هو ما يتطلع إليه السودانيون.
    ولن ينهض السودان من رماده إلا يوم ينتصر وعيه على سلاحه، وتعلو إرادة شعبه على إرث العسكرة، فتولد الدولة التي يستحقها: دولةٌ تحمي الحياة ولا تصادرها، وتصنع السلام لا الحرب.

haytham.compre@gmail.com

عن هيثم عثمان إبراهيم

هيثم عثمان إبراهيم

شاهد أيضاً

العدالة والانتقام: في جدلية بناء الدولة وصناعة الثأر

م. هيثم عثمان إبراهيم مدخل: على مفترق طرق الذاكرةتجد الأمم التي مزقتها الحروب والانتهاكات الجسيمة …