كيف يُعاد تشكيل العقول تحت ضغط الحرب والانقلاب والاستقطاب؟

أزمة الوعي السياسي في السودان
كيف يُعاد تشكيل العقول تحت ضغط الحرب والانقلاب والاستقطاب؟
م. هيثم عثمان إبراهيم
حين يصبح الوعي ساحة المعركة الحقيقية
في السودان اليوم، لا تدور رحى الحرب في ميادين القتال فحسب، ولا تقتصر على الاشتباكات المسلحة بين الجيوش والميليشيات على أطراف المدن وفي قلبها.
هناك معركة أخرى، أكثر ضراوة وعمقاً، وأشد خطورة على مستقبل الأمة، تدور رحاها في صمت داخل العقول والقلوب. إنها حربٌ على الوعي، معركةٌ تستهدف الإدراك ذاته، وتعمل على تقويض القدرة على الفهم والتحليل، وتشويه معنى الحقيقة نفسها. هذه الحرب الخفية لا تُرى بالعين المجردة، لكن آثارها تُشعر في كل تفاصيل الحياة اليومية. لا يُسمع دوي قذائفها، لكنها تُشكّل كل ما نسمعه من خطابات وروايات. لا تُعلن في نشرات الأخبار، لكنها تُدير كل ما يُعلن وتوجه كل ما يُذاع.
إنها الحرب التي تُعيد ببطء ومنهجية تشكيل طريقة تفكير السودانيين، وتُعيد صياغة مواقفهم السياسية والاجتماعية، وتُعيد ترتيب انحيازاتهم وولاءاتهم. هي التي تُنتج الكراهية وتُغذيها، وتُعيد تدوير جراحات الماضي لتصبح وقوداً لصراعات الحاضر.
وما لم تُفهم أبعاد هذه الحرب الصامتة على الوعي، وما لم تُفكك آلياتها الخبيثة، سيظل السودان أسيراً لحلقة مفرغة ومدمرة: ثورة تشتعل أملاً، ثم انقلاب يغتالها، يليه حرب أهلية مدمرة، تتبعها صدمة جماعية واستقطاب حاد، ثم لا يلبث المشهد أن يُعيد إنتاج نفسه من جديد في دورة لا تنتهي من الألم والمعاناة.
أولًا: ما هي أزمة الوعي السياسي؟
إن أزمة الوعي السياسي التي يعيشها السودان اليوم ليست مجرد نقص في المعلومات، أو جهلاً بالشأن العام، أو ضعفاً في القدرة على التحليل السياسي. إنها أزمة أعمق من ذلك بكثير، إنها اختلال بنيوي في طريقة التفكير نفسها، وتشوّه في الأدوات المعرفية التي يستخدمها العقل لفهم الواقع وتفسيره. يمكن تعريفها بأنها “حالة من العجز المكتسب عن إدراك الواقع السياسي والاجتماعي في تعقيداته، والتعامل معه بحيادية وموضوعية، نتيجة لضغوط نفسية واجتماعية وسياسية مكثفة تؤدي إلى تشويه آليات الفهم والتحليل والحكم.”
هذا التشوه لا يظهر في نقص المعرفة، بل في كيفية التعامل معها. إنه يظهر في:-

  • كيفية فهم الأحداث: حيث يتم اختزال الأحداث الكبرى والمعقدة في تفسيرات سطحية وبسيطة، تتجاهل الأسباب الجذرية والسياقات التاريخية.
  • كيفية تفسير الواقع: حيث يُنظر إلى الواقع من خلال عدسات مشوهة بالانحيازات المسبقة، فيتم ليّ عنق الحقائق لتتلاءم مع السردية الجاهزة التي يتبناها الفرد أو جماعته.
  • كيفية اتخاذ المواقف: حيث لا تُبنى المواقف على أساس التحليل العقلاني للمصالح والمفاسد، بل على أساس الهوية والانتماء العاطفي لمعسكر ما.
  • كيفية رؤية الآخر: حيث يتم تجريد الآخر المختلف سياسياً أو اجتماعياً من إنسانيته، وتحويله إلى مجرد رمز للشر أو الخيانة، مما يسهل شيطنته وتبرير العدوان عليه.
  • كيفية قراءة التاريخ: حيث يُستدعى التاريخ بشكل انتقائي، لا من أجل فهم الحاضر واستلهام العبر، بل من أجل تأجيج الصراعات وتصفية الحسابات القديمة.
  • كيفية التعامل مع المشاعر الجماعية: حيث يتم استغلال مشاعر الخوف والغضب والصدمة الناتجة عن الحرب والعنف، وتوظيفها سياسياً لخلق حالة من الاصطفاف الأعمى وتبرير المزيد من العنف.
    باختصار، أزمة الوعي ليست في غياب النور، بل في اعوجاج المرآة التي نرى فيها العالم. إنها أزمة في الأدوات التي نستخدمها لفهم العالم، لا في العالم نفسه. وهذا ما يجعلها أشد خطورة، لأنها تجعلنا عاجزين عن رؤية المشكلة الحقيقية، وبالتالي عاجزين عن إيجاد الحل.

ثانيًا: كيف تُعيد الحرب تشكيل الوعي السوداني؟
الحرب ليست مجرد حدث عسكري يقتصر تأثيره على الجغرافيا والعتاد. إنها تجربة نفسية واجتماعية ومعرفية شاملة، تُعيد صياغة الإنسان من الداخل، وتترك ندوباً غائرة في وعيه الفردي والجمعي. في السياق السوداني، يمكن رصد أربع آليات رئيسية تعمل من خلالها الحرب على إعادة تشكيل الوعي:-

  1. تضييق الأفق الإدراكي:
    في حالة الحرب، يدخل العقل البشري في “وضع البقاء” (Survival Mode). هذا الوضع، الذي تطور لحماية الإنسان من الأخطار المباشرة، يؤدي إلى انكماش الأفق الإدراكي. يصبح العقل أقل قدرة على رؤية الصورة الكبيرة، وأكثر تركيزاً على الخطر المباشر والمحيط القريب. يفقد القدرة على التفكير المجرد والنقدي، ويميل إلى الانحياز الفوري لأي جماعة توفر له شعوراً بالأمان.
    العقل في زمن الحرب لا يبحث عن الحقيقة بتعقيداتها، بل يبحث عن الأمان في بساطته. لا يتسع صدره للروايات المتعددة، بل يتشبث بأي يقين سريع يخلصه من قلق اللايقين. وهذا ما يفسر سهولة انتشار الشائعات ونظريات المؤامرة في أوقات الحروب، لأنها تقدم تفسيرات بسيطة ومطمئنة (ولو كانت كاذبة) لعالم معقد ومخيف.
  2. الحاجة إلى عدو واضح:
    عندما ينهار العالم المألوف من حول الإنسان، ويجد نفسه في مواجهة الموت والدمار والنزوح، تنشأ لديه حاجة نفسية ملحة لإيجاد تفسير لما يحدث. والتفسير الأسهل والأكثر إغراءً هو إلقاء اللوم على عدو واحد واضح ومحدد، وتحميله مسؤولية كل الشرور. هذه الحاجة النفسية تُنتج خطاباً سياسياً وإعلامياً قائماً على الشيطنة والتبسيط والاختزال. يتم تحويل الآخر (سواء كان جيشاً، أو ميليشيا، أو قبيلة، أو حزباً سياسياً) إلى رمز للشر المطلق، وتجريده من أي صفة إنسانية. وهكذا، يتحول الصراع من كونه صراعاً سياسياً معقداً له جذوره التاريخية والاقتصادية، إلى معركة وجودية بين الخير والشر. هذا الاختزال المخل لا يريح النفس القلقة فحسب، بل يمنح أيضاً ترخيصاً أخلاقياً لممارسة العنف والكراهية ضد هذا “العدو” المشيطن.
  3. تضخيم الهوية:
    في خضم الفوضى العارمة التي تخلقها الحرب، وتفكك الدولة والمجتمع، يبحث الإنسان عن أي شيء يمنحه شعوراً بالانتماء والهوية. وهنا، تتضخم الهويات الفرعية وتصبح أكثر حضوراً وقوة: الهوية القبلية، أو المناطقية، أو الإثنية، أو حتى الانتماء السياسي الضيق. تتضخم هذه الهويات لأنها توفر للفرد شبكة أمان اجتماعي ونفسي في مواجهة عالم معادٍ. لكن هذا التضخم له ثمن باهظ، فهو يؤدي حتماً إلى تضخم الاستقطاب وتعميق الانقسامات.
    عندما تصبح الهوية الفرعية هي الأساس الذي يُعرّف به الإنسان نفسه والآخرين، يتحول الولاء للوطن الأكبر إلى ولاءات صغيرة ومتصارعة، ويصبح من المستحيل بناء أي مشروع وطني جامع.
  4. تآكل التعاطف:
    إن التعرض المستمر لمشاهد العنف والموت والنزوح، سواء بشكل مباشر أو عبر وسائل الإعلام، يؤدي إلى حالة من الإرهاق النفسي والعاطفي. ومع هذا الإرهاق، يبدأ التعاطف الإنساني في التآكل. يصبح ألم الآخر “بعيداً”، أو “مستحقاً”، أو “غير مهم”، خاصة إذا كان هذا الآخر ينتمي إلى المعسكر “المعادي”. هذه الظاهرة، المعروفة بـ “موت التعاطف” (Compassion Fatigue)، هي من أخطر ما يمكن أن يحدث لوعي أي شعب. لأن التعاطف هو الصمغ الذي يربط أفراد المجتمع ببعضهم البعض، وهو الأساس الذي تقوم عليه أي إمكانية للمصالحة والتعايش في المستقبل. عندما يموت التعاطف، يموت معه أي أمل في الخروج من دائرة العنف.

ثالثًا: كيف تُستخدم الصدمة الجماعية سياسيًا؟
الصدمة النفسية الجماعية التي تخلفها الحرب ليست مجرد ألم عشوائي، بل هي مادة خام قابلة للتوظيف والاستثمار السياسي. القوى السياسية والعسكرية المتصارعة، بوعي أو بغير وعي، تستخدم هذه الصدمة لتحقيق أهدافها، من خلال ثلاث آليات رئيسية:

  1. صناعة الاصطفاف القسري:
    حين يكون الناس في حالة من الخوف والصدمة، يصبحون أكثر قابلية للاستجابة للخطابات الحادة والشعبوية التي تقدم لهم شعوراً زائفاً بالقوة والأمان. يتم استغلال الصدمة لدفع الناس إلى الاصطفاف في معسكرات متناحرة، وإقناعهم بأن أي موقف محايد أو وسطي هو خيانة. تُستخدم سرديات المظلومية والخوف من “الإبادة” أو “الاستئصال” لخلق حالة من التعبئة العاطفية التي تلغي أي إمكانية للتفكير النقدي. وهكذا، تتحول الصدمة من تجربة إنسانية مؤلمة إلى أداة سياسية لخلق الانقسام وتعميقه.
  2. تبرير العنف وتطبيعه:
    عندما يتشوه الوعي بفعل الصدمة والاستقطاب، يصبح من السهل تبرير العنف، بل وحتى المطالبة به. يتم تقديم العنف على أنه “دفاع عن النفس”، أو “رد فعل طبيعي” على جرائم الطرف الآخر، أو “ضرورة لا بد منها” لحماية الهوية والبقاء. يتم خلق مناخ ثقافي واجتماعي يجعل من العنف أمراً مفهوماً ومقبولاً، بل وبطولياً في بعض الأحيان. وهذا هو بالضبط ما يجعل الحروب الأهلية تستمر لسنوات طويلة، لأنها تتغذى على العنف الذي تنتجه.
  3. إعادة إنتاج الماضي وتوظيفه:
    الصدمة النفسية تجعل الناس أكثر ميلاً للعودة إلى الماضي والتشبث به. يتم استدعاء سرديات قديمة عن المظالم التاريخية والثارات القبلية والانقسامات الجهوية، وتوظيفها لتفسير الحاضر وتأجيج الصراع. يتحول الماضي من كونه تاريخاً يُدرس ويُستلهم، إلى ترسانة من الأسلحة الرمزية التي تُستخدم في معركة الحاضر. وهكذا، يصبح الحاضر مجرد تكرار مأساوي للماضي، ويتم إغلاق أي أفق للمستقبل.
    رابعًا: كيف يعمل الاستقطاب على تدمير الوعي؟
    الاستقطاب السياسي ليس مجرد اختلاف صحي في وجهات النظر، بل هو مرض معرفي يدمر قدرة المجتمع على التفكير والحوار. إنه يعمل من خلال ثلاث آليات مدمرة:
  4. تحويل الخلاف إلى هوية:
    في حالة الاستقطاب، لا يعود الخلاف حول فكرة سياسية مجردة (مثل شكل الدولة أو السياسة الاقتصادية)، بل يتحول إلى جزء من هوية الفرد. يصبح موقفك من الجيش أو الدعم السريع هو ما يُعرّفك، ويحدد من أنت، ومن هم أصدقاؤك، ومن هم أعداؤك. عندما يتحول الخلاف السياسي إلى هوية، يصبح من المستحيل تغيير الموقف، لأن ذلك يعني التخلي عن جزء من “ذاتك”. ويصبح النقاش مستحيلاً، لأنه لا يهدف إلى فهم وجهة نظر الآخر، بل إلى إثبات صحة هويتك والدفاع عنها.
  5. إلغاء المنطقة الرمادية:
    الاستقطاب يفرض منطقاً ثنائياً صارماً: إما معنا أو ضدنا، إما خير أو شر، إما وطني أو خائن. هذا المنطق يلغي تماماً أي منطقة رمادية، أي مساحة للتفكير المعقد والمركب. أي شخص يحاول أن يرى جوانب من الحقيقة في كلا المعسكرين، أو ينتقد الطرفين، يتم تخوينه واتهامه بالعمالة أو الجبن. هذا المنطق الثنائي يغلق باب التفكير النقدي، ويجبر الناس على الاختيار بين خيارين كلاهما سيء.
  6. إعادة تفسير كل شيء وفق الانحياز:
    في ذروة الاستقطاب، يفقد العقل أي قدرة على التعامل مع المعلومات بموضوعية. تصبح المعلومة تُقبل أو تُرفض ليس بناءً على صحتها أو دقتها، بل بناءً على مصدرها. إذا كانت المعلومة صادرة عن “معسكرنا”، فهي حقيقة مطلقة. وإذا كانت صادرة عن “المعسكر الآخر”، فهي كذب وتضليل. وهذا هو التعريف الدقيق لموت الوعي، حيث يصبح الانحياز هو المعيار الوحيد للحقيقة.

خامسًا: كيف يمكن للسودانيين الخروج من أزمة الوعي؟
الخروج من هذه الأزمة العميقة ليس مهمة سهلة، ولا يمكن أن يتم بقرار سياسي فوقي. إنه مشروع مجتمعي طويل النفس، يتطلب عملاً دؤوباً على المستوى النفسي والاجتماعي والمعرفي. ويمكن تحديد خمس خطوات أساسية في هذا الطريق:

  1. الاعتراف بالتعقيد كفضيلة:
    أول خطوة نحو الشفاء هي التخلي عن التفسيرات البسيطة والمريحة، والاعتراف بأن الواقع السوداني معقد بشكل هائل. التعقيد ليس ضعفاً أو تردداً، بل هو عين الحقيقة. يجب أن نعترف بأنه لا يوجد طرف واحد يمتلك الحقيقة المطلقة، وأن كل الأطراف تتحمل جزءاً من المسؤولية. هذا الاعتراف بالتعقيد هو الذي يفتح الباب أمام إمكانية الحوار والتفاوض والحلول الوسط.
  2. إعادة الاعتبار للإنسان وتوسيطه:
    قبل أن نسأل: من مع من؟ ومن ضد من؟ يجب أن نطرح السؤال الأهم: من يتألم؟ من يموت؟ من يُهجّر؟ من يُغتصب؟ يجب أن نعيد الإنسان إلى مركز اهتمامنا، وأن نجعل من حماية حياته وكرامته الأولوية المطلقة التي تتقدم على كل الولاءات السياسية والأيديولوجية. عندما نرى الإنسان في “الآخر”، يصبح من الصعب شيطنته أو تبرير قتله.
  3. بناء لغة جديدة للتواصل:
    نحن بحاجة ماسة إلى بناء لغة جديدة، تتجاوز لغة الكراهية والتخوين والتحريض. لغة تقوم على الإصغاء الفعّال للآخر، والاعتراف بألمه ومخاوفه (حتى لو اختلفنا معه)، والنقد المسؤول الذي يستهدف الأفعال لا الأشخاص، والتعاطف الذي يرى الإنسانية المشتركة خلف الانقسامات. هذه اللغة ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة عملية لبناء الثقة وإعادة نسج الروابط الاجتماعية الممزقة.
  4. المقاومة الواعية للثنائيات:
    يجب على كل فرد واعٍ أن يقاوم بوعي وإصرار منطق “مع أو ضد”. أن يرفض الانجرار إلى المعسكرات، وأن يحتفظ بمسافة نقدية من جميع الأطراف. أن يصر على حقه في أن يكون له موقف مركب، يرى الصواب والخطأ في كل جانب. هذه المقاومة الفردية، إذا تحولت إلى تيار مجتمعي، هي التي يمكن أن تكسر حدة الاستقطاب وتخلق مساحة للتفكير الحر.
  5. إعادة بناء الذاكرة الجماعية على أسس جديدة:
    لا يمكن بناء مستقبل جديد على ذاكرة جريحة ومقسمة. نحن بحاجة إلى مشروع وطني لإعادة بناء الذاكرة الجماعية، لا يقوم على الثأر والانتقام، بل على الحقيقة والعدالة والاعتراف والمصالحة. مشروع يوثق كل الانتهاكات من كل الأطراف، ويعترف بكل المظالم، ويضمن عدم تكرارها. هذا المشروع هو الكفيل بتحويل الماضي من عبء إلى درس، ومن جرح مفتوح إلى ذاكرة مشتركة تدفعنا نحو المستقبل.
    سادسًا: دور المثقف والفاعل الرقمي في هذه اللحظة التاريخية
    في خضم هذا الانهيار، يتعاظم دور المثقف الحقيقي والفاعل الرقمي المسؤول. إن دورهم لم يعد يقتصر على نقد الانقلاب والحرب والفاعلين السياسيين، بل أصبح أعمق وأكثر تعقيداً. إن دورهم الآن هو تفكيك البنية المعرفية والنفسية التي تنتج هذا الانهيار.
    دورهم هو:-
  • كشف الآليات الخفية: أن يصبحوا مثل عمال المناجم، يحفرون تحت سطح الأحداث ليكشفوا للناس عن الآليات الخفية التي تُستخدم لتشكيل وعيهم والتلاعب بمشاعرهم.
  • بناء لغة جديدة: أن يكونوا رواداً في استخدام لغة جديدة، لغة التعاطف والتعقيد والمسؤولية، وأن يقدموا نموذجاً عملياً للحوار البنّاء.
  • تقديم أدوات تفكير: ألا يكتفوا بتقديم المعلومات، بل أن يقدموا للجمهور أدوات تفكير نقدي تساعدهم على تحليل المعلومات بأنفسهم، وتمييز الحقيقة من الشائعة، والبروباغندا من التحليل.
  • حماية الفضاء العام: أن يعملوا على حماية الفضاء العام (خاصة الرقمي) من التلوث بخطابات الكراهية والتضليل، وأن يخلقوا مساحات آمنة للحوار العقلاني.
  • إعادة الاعتبار للعقل: في زمن الضجيج والصراخ والشعبوية، يصبح مجرد التمسك بالعقلانية والهدوء والاتزان فعلاً ثورياً. دور المثقف هو أن يعيد الاعتبار للعقل، وأن يذكر الناس بأن لديهم القدرة على التفكير خارج منطق القطيع.
    خاتمة: الوعي هو المعركة التي تحدد مصير السودان
    إن السودان لن ينهض بالصفقات السياسية وحدها، ولن ينهض بقوة السلاح، ولن ينهض بالشعارات الجوفاء. السودان سينهض فقط حين ينهض وعي أهله. حين يدرك المواطن العادي كيف تُعاد صياغة عقله في مختبرات الحرب والاستقطاب، وكيف تُستخدم مخاوفه وآلامه كوقود للصراع، وكيف تُصنع الثنائيات الكاذبة لتقسيمه، وكيف يُدار غضبه لخدمة أجندات لا علاقة لها بمصلحته، وكيف يُعاد إنتاج ماضيه لسرقة مستقبله. والأهم من ذلك، حين يكتشف أنه يمتلك القدرة على أن يفكر بنفسه، وأن يرى العالم بعينيه، لا بعيون جلاديه.
    الوعي في هذه اللحظة التاريخية ليس رفاهية فكرية، بل هو شرط النجاة الوحيد. والمعركة الحقيقية التي ستحدد مصير السودان ليست تلك التي تدور بين جيشين على الأرض، بل تلك التي تدور داخل كل عقل سوداني، بين وعي يسعى للنهوض والتحرر، ووعي آخر يُراد له أن يُعاد تشكيله ليبقى أسيراً في قاع اليأس والانقسام.

haytham.compre@gmail.com

عن هيثم عثمان إبراهيم

هيثم عثمان إبراهيم

شاهد أيضاً

العدالة والانتقام: في جدلية بناء الدولة وصناعة الثأر

م. هيثم عثمان إبراهيم مدخل: على مفترق طرق الذاكرةتجد الأمم التي مزقتها الحروب والانتهاكات الجسيمة …