أحفاد الإمام المهدي والكاريزما المروّضة

دكتور الوليد آدم مادبو
لم يعد الصمت موقفًا مقبولًا، ولم تعد المواربة فضيلة، ولم تعد العمائم – مهما طال بها الزمن – قادرة على ستر العار حين يقف أصحابها إلى جوار الجلاد، أو حين يتواطأون بالصمت مع الإبادة. أحفاد الإمام المهدي، أولئك الذين ورثوا الاسم ولم يرثوا المعنى، يقفون اليوم في الضفة الخطأ من التاريخ. ليس لأنهم أخطأوا التقدير السياسي فحسب، بل لأنهم خانوا الإرث الأخلاقي الذي به قامت المهدية أصلًا.

الإمامة التي نشأت على النصرة والتمرد على الظلم، تحوّلت في أيديهم إلى ملكية رمزية خاوية، يتشاكسون عليها بينما يُسفك الدم في مناطق نفوذهم العقدي والسياسي. لقد فقدت هذه الأسرة صفات البسالة والنبل والكبرياء التي اتّسم بها آباؤها الأوّلون؛ أولئك الذين انتزعوا الشرعية بالمجاهدة لا بالمساومة، وبالوقوف في وجه السلطة لا بالاحتماء بها. أمّا الأحفاد، فقد انتهوا إلى طبقة سياسية مُنهكة، تتسوّل الرضا من قادة الأنظمة العسكرية، بعد أن تقطّعت بهم السبل، ويئسوا من رضاٍ لا يُشترى، ولا يأتي دون كسبٍ أو مجاهدة.

ثمّة صفة واحدة تفسّر هذا الانحدار كلّه: الجحود. جحودٌ لازم قيادة هذه الأسرة حين نسيت – أو تناست – كلّ الجَمائل التي أسداها لها أبناء الغرب الكبير وسكان النيل الأبيض والأزرق؛ تلك الجغرافيا التي كانت وقود المهدية وعماد مشروعها وسندها البشري حين كانت بلا دولة ولا سلطان. هؤلاء الذين قدّموا الرجال والزاد والدم، تُقصف قراهم اليوم بالطائرات، وتُباد مناطقهم، بينما يقف الورثة موقف المتفرّج، أو الأسوأ: موقف المبرّر بالصمت، واضعين مصالحهم الضيقة فوق دماء ضحاياهم، وأعلى من إرثٍ صُنع بالمجاهدة والتضحية.

إن أعظم خيانة لذكرى الإمام المهدي ليست نقده، بل الاحتماء باسمه لتبرير الصمت على الإبادة. وما يزيد الطين بلة أن الأحفاد لم يحاولوا حتى إعادة إنتاج الكاريزما التي كانت يومًا قوة للتمرّد، بل حولوها إلى سلعة سياسية قابلة للتداول، وإلى علامة فارغة من خطرها الأخلاقي، وإلى وظيفة في بلاط الأنظمة العسكرية، تدار بالمحافظة على الامتيازات بدل الدفاع عن الشعب.

لقد كانت الإمامة في زمن محمد أحمد ود الفحل ظاهرة تمرّد مكتملة الشروط؛ لم يأتِ مدعومًا بسلطة أو امتياز اجتماعي، بل جاء من شقوق القهر نفسها، ومن قدرة نادرة على تحويل السخط العام إلى فعل جامع. لم يكن يعتمد على نسب، ولم يسعَ إلى رضا الدولة القائمة، بل اصطدم بها لتحرير المظلومين. أما اليوم، فإن الورثة، الذين تورّثوا الاسم وحده، لم يعد لديهم شيء سوى التكيّف مع الواقع، والاحتكام إلى التوازنات، وفن التسويات، وصناعة خطابات تبدو أخلاقية لكنها خاوية من الروح.

وهكذا، من إرثٍ كان يقوم على المجاهدة والشجاعة، تحوّلنا إلى إرث يُدار بالمحسوبية والامتيازات، من قيادة أخلاقية إلى وظيفة في بلاط العسكر. ما كان واجبًا تجاه الشعب أصبح مجرد حسابات باردة، وما كان تضحية حقيقية أصبح مجرد علامة فارغة تُستعرض عند الحاجة. التمرّد الذي هزّ الدولة، وتحوّل إلى رمز للجحود الأخلاقي، أصبح اليوم موضوعًا للتهريج السياسي والكوميديا السوداء، حيث يُستبدل الدم بالصمت، والمبادئ بالمناورات.

ولا يكتفي الأمر عند هذا الحد، فالمأساة الأخلاقية تتضاعف حين نفهم أن كل موقف صامت، وكل مساومة مع الجلاد، هو إعلان رسمي عن موقع الورثة خارج التاريخ الحقيقي للشعب. لم تعد الإمامة ذات قيمة روحية أو معنوية؛ لم يعد اسم جدهم يضمن لهم أي احترام، لأن الشرعية التي تُنتزع بالمواجهة والمجازفة استبدلت بشرعية تُستعار من القبور والخطابات الموسمية.

والخلاصة لا تحتمل التجميل: من يقف مع القاتل، أو يصمت عليه، فقد اختار موقعه خارج الشعب مهما علا نسبه. لا قداسة فوق الدم، ولا اسم ينجو حين يتحوّل إلى غطاء للإبادة، ولا وراثة تمرّد تُمنح لمن تخلى عن المبادئ. لقد انتهت صلاحيتكم السياسية والأخلاقية مع أول قرية قُصفت وأنتم تحسبون الصمت حكمة. ومن لا يملك شجاعة التمرّد على الظلم، فلا حق له في وراثة تمرّدٍ صُنع بدماء الآخرين.

التاريخ حين يكتب لا يعترف بالألقاب، ولا بالأنساب، بل بالمواقف، وبمن يختار الوقوف مع الحق أو مع القهر. أحفاد الإمام المهدي اليوم، الذين رضوا بأن تكون كاريزما جدهم سلعة سياسية، ليس لهم مكان سوى هامش التاريخ، حيث تُسجّل الأخطاء ويُمحى الاسم من ذاكرة الشعب.

‏ January 23, 2026

عن د. الوليد آدم مادبو

د. الوليد آدم مادبو

شاهد أيضاً

بين الحميّة والاستحقاق: نداء إلى مثقفي غرب السودان في لحظة الفراغ

د. الوليد آدم مادبو «لعلّ أعظم خيانة للثورة ليست في التآمر ضدّها، بل في نسيانها.» …