محكمة الجنايات الدولية تطرق أبواب السودان

زوايا
حمّور زيادة
اتّهمت نائبة المدّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، نزهت شميم خان، قوات الدعم السريع في السودان بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ومحاولة إخفاء الجرائم التي ارتكبتها في مدينة الفاشر (غرب) وغيرها، بحفر مقابر جماعية يتواصل اكتشاف الجديد منها كل يوم. يأتي هذا الاتهام ضمن أنماط الانتهاكات الواسعة التي لحقت بالمدنيين في إقليم دارفور وغيره من مناطق السودان التي طاولتها الحرب. وبحسب نزهت، تُظهر الأدلة أنّ “الدعم السريع” اعتقل وأساء معاملة المدنيين، قبل إعدام بعضهم ثم دفنهم في مقابر جماعية.

وتظهر تقارير “هيومن رايتس ووتش” أن “الدعم السريع” ارتكب انتهاكاتٍ وقتلاً غير قانوني بحقّ آلاف الفارّين من مدينة الفاشر بعد سقوطها، واستهدفت النازحين الهاربين بأرواحهم، ما فاقم الأزمة الإنسانية.

وفقاً لإحاطة نائبة المدّعي العام أمام مجلس الأمن، فإنّ جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية ارتُكبت في مدينة الفاشر أواخر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي (2025). مدينة محاصرة بلا إمدادات، يُقتل أهلها ثم يُدفنون بلا احترام لإخفاء الجريمة. التقطت الأقمار الصناعية أخيراً صوراً كشفت مواقع يُشتبه بأنها مقابر جماعية في مدينة الفاشر ومحيطها، وهو ما عزّز المخاوف بشأن جهد ممنهج لإخفاء الأدلة على الانتهاكات. هذه جثث لا يريد قاتلها أن يُعثر عليها، لكن ما حاول القاتل أن يخفيه في باطن الأرض رأته الأقمار الصناعية من الفضاء. لذلك؛ أعلن مكتب المدّعي العام للجنائية الدولية أنه يجمع الأدلة أمام احتمالات أن تكون أفعال المليشيا في الحرب الأهلية السودانية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة، وهو أمر أسعد السلطات العسكرية في الخرطوم، لكنّها في الوقت نفسه ترفض التعامل مع المحكمة في ما يخصّ الاتهامات الموجّهة إلى الرئيس الأسبق عمر البشير ووزير دفاعه وقياداتٍ في نظامه، باستخدام “الجنجويد” (ذات المجموعات العرقية المسلحة التي كوّنت مليشيا الدعم السريع لاحقاً) في ذات الحرب القبلية في دارفور.

لا تتحدّث “الجنائية الدولية” هنا عن “انتهاكات” بمعناها الواسع والفضفاض، بل عن عمليات قتل جماعي، وإخفاء منظّم للأدلة عبر المقابر الجماعية. صور مُروِّعة، كما وصفتها نائبة المدّعي العام، لكنّها ليست جديدة. هي الصور نفسها التي شاهدها العالم في مدينة الجنينة (غرب السودان في 2023)، وقبلها في مناطق عدّة في الإقليم، منذ نشبت فيه الحرب الأهلية الغربية في 2003. يظلّ الفاعل واحداً، لكن قد تتغيّر أسماء المدن. ومن كان يقتل لحساب غيره يقتل اليوم لنفسه. ومن كان يستخدم القاتل يقاتله اليوم، زاعماً الدفاع عمّن جنّد “الدعم السريع” لإخضاعهم (!).

ليست المقبرة الجماعية مجرّد حفرة في الأرض تواري جثثاً؛ إنها إعلان فشل أخلاقي وسياسي كامل. إنها تتجاوز قتل النفس لقتل الأثر ومحوه. وبينما يُدفن آلاف السودانيين في هذه المقابر، يقف العالم موقف المتفرّج. تشكو المحكمة الجنائية الدولية، وتشكو منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، وتشكو المنظمات الطوعية، من تجاهل العالم هذه الكارثة، كأنما ذلك الموت المهين يليق بنا.

يخبرنا المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، في زيارته العاصمة المؤقّتة بورتسودان، أن عسكرة طرفي الحرب للمجتمع، وتسليح المدنيين وتجنيد الأطفال، ظواهر انتشرت في السودان. وهو أمر لا يقلق المتحكّمين بالأمور في الخرطوم أو نيالا، بل يعتبرون العسكرة المنتشرة دليل نجاح، ولا يعرف أحد: نجاح أيّ شيء؟

قال تورك إن من المشين إنفاق مبالغ طائلة على شراء الأسلحة المتطوّرة، في وقتٍ كان ينبغي فيه استخدام هذه الأموال للتخفيف من معاناة السكّان. وهو موقف يبدو أخلاقياً أكثر منه سياسياً، لأن أهل السياسة لم يشغلهم أن البلد الذي كان يعاني الفقر وانعدام الخدمات الأساسية منذ عقود يستطيع توفير تمويل لحرب توشك أن تدخل عامها الرابع، من دون أن يجد أيٌّ من طرفيها، اللّذين كانا في السلطة وتحت أيديهما الأموال والعلاقات التي توفّر التمويل للسلاح، أن هذه الأموال والعلاقات لو استُثمرت في التنمية لربما أعفت السودان من حروب كثيرة.

تطرقُ “الجنائية الدولية” مرّة أخرى أبواب السودان كما طرقتها في 2008 طالبة تسليم عمر البشير. وما زالت تطالب بتسليم البشير، وما زال نظامه العائدُ نفوذُه يرفض، وتحقّق حالياً بشأن محمد حمدان دقلو (حميدتي) وقواته، فربما يجد ضحايا دارفور هذه المرّة شيئاً من العدالة المتأخّرة.

نقلا عن العربي الجديد

عن حمور زيادة

Avatar

شاهد أيضاً

لكنَّنا جرّبنا الدقَّ على جدران الخزَّان

زواياحمّور زيادةفي نهاية روايته العظيمة “رجال في الشمس”، يختم غسّان كنفاني العمل بسؤال تردِّد الصحراء …