sabri.m.khalil@gmail.com
التغيير بين الأشخاص والنظم السياسية والبنية الحضارية: نحو مذهب إسلامي معاصر في التغيير الحضاري
د. صبري محمد خليل
أستاذ فلسفة القيم الإسلامية – جامعة الخرطوم
أولًا: التغيّر سُنّة إلهية:
يقرّر منهج التغيير الإسلامي أن التغيّر سُنّة إلهية كليّة (حتميّة) تضبط حركة الوجود الشهادي، الشامل للطبيعة «المسخّرة» والإنسان «المستخلف».غير أنّه يأخذ في الأولى شكل تحوّل دون إضافة «تغيير»، وقد أشار النص القرآني إلى مظاهر متعددة منه، قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾بينما يأخذ في الثانية شكل تحوّل من خلال الإضافة، أي «التغيير»، قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
ثانيًا: تعدّد مستويات التغيير
التغيير في منهج التغيير الإسلامي فعل إنساني ذو مستويات متعددة متفاعلة.
ثالثًا: مدى شمول التغيير بين مذهبين:يوجد مذهبان في تحديد مدى شمول التغيير لهذه المستويات:
- التغيير الجزئي
(مذهب التفسير السياسي للدين نموذجًا)
يقصر هذا المذهب التغيير على بعض مستوياته، كالمستوى السياسي مثلًا، ويترتب على ذلك تغيير جزئي شكلي سطحي.
وهو مذهب لا يعبّر عن جوهر منهج التغيير الإسلامي، وإن نسب بعض أنصاره أنفسهم إلى الإسلام.
مذهب التفسير السياسي للدين (الإسلام السياسي) نموذجًا:
ذلك لأنه يختزل الدين في مستواه السياسي، ويحوّله من غاية إلى مجرد وسيلة لتحقيق غاية هي «السلطة».
وهو بدعة في ذاته، وفيما يلزم عنه من مفاهيم، لأنه يخالف مفاهيم أهل السنة، وأهمها أن الإمامة (السلطة) من فروع الدين الاجتهادية، ويوافق مذاهب بدعية، كالشيعة في تقريرهم أن الإمامة من أصول الدين، والخوارج في تكفير المخالف.
- التغيير الشامل
(مذهب التغيير الحضاري نموذجًا)
يجعل هذا المذهب التغيير شاملًا لكل مستوياته، ويترتب عليه تغيير عميق وحقيقي، وهو المذهب الذي يعبّر عن جوهر منهج التغيير الإسلامي.
رابعًا: المنظور الحضاري الإسلامي: يستند هذا المذهب إلى المنظور الحضاري الإسلامي، ومضمونه أن الإسلام ليس دينًا فقط، بل دين وحضارة؛ لأنه يهدف إلى تحقيق التغيير الحضاري، الذي يتمثل في تغيير البنى كأنساق حضارية، وهو أعلى درجات التغيير.
خامسًا: شمول مستويات التغيير: لا يستبعد هذا المذهب أي مستوى من مستويات التغيير، لأنه يمثل درجة من درجاته، تختلف في مدى محدوديتها أو شمولها.
سادسًا: التغيير الإداري–الذاتي (تغيير الأشخاص): وهو تغيير إداري يتمثل في تغيير الأشخاص.
من أنماطه: المنظور المؤسسي للوظيفة:
الذي يميّز بين الوظيفة والشخص الذي يشغلها، وهو ما يتسق مع المنظور الإداري الإسلامي.
ومن عقباته: المنظور الشخصي للوظيفة
الذي يخلط بين الوظيفة والشخص، ويتناقض مع المنظور الإداري الإسلامي، رغم شيوعه في المجتمعات المسلمة، لأسباب لا صلة لها بالإسلام، مثل القبلية والطائفية، ومن مظاهرها التوريث.قال تعالى:﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه عند وفاة النبي ﷺ:
«من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت».
وهذا المنظور الشخصي يسود في مذاهب بدعية، كالشيعة في تقريرهم حصر الإمامة في علي وذريته، وتقريرهم عصمة الأئمة، وهو ما رفضه علماء أهل السنة لأنه يجعل الدين «عبادة رجل».
سابعًا: التغيير السياسي– الموضوعي (تغيير النظم السياسية)
من أنماطه:
- الديمقراطية:
الموقف الإسلامي الصحيح منها موقف نقدي، يميز بين دلالتها العامة كنظام فني يضمن سلطة الشعب ضد استبداد الحكام، وهي دلالة تتسق مع المنظور السياسي الإسلامي، وبين دلالتها الخاصة كالديمقراطية الليبرالية.
والمنهج الصحيح هو الأخذ بما وافق أصول الدين نظريًا وواقع المجتمعات المسلمة عمليًا. - الثورة:
اختلف علماء أهل السنة في الأخذ بها (خلع السلطان الجائر) إلى مذهبي المنع والإيجاب، وكلاهما مبني على قاعدة سد الذرائع وفتحها، تبعًا لترجيح المصلحة أو المفسدة.
من عقبات التغيير السياسي: الاستبداد : وهو يتناقض مع المنظور السياسي الإسلامي، ولا يرجع شيوعه إلى الإسلام كدين، بل إلى عوامل داخلية وخارجية متداخلة.
والتغيير السياسي تغيير موضوعي: لأنه تغيير للنظم، ولا يقتضي تغيير البنية.
ثامنًا: التغيير الحضاري (البنية الحضارية)
من أنماطه:
الإصلاح:وهو نمط يتحقق بالالتزام بالمفهوم الإسلامي الصحيح للإصلاح.
مذهب الجمع:
وهو الجمع بين الإصلاح كنمط تغيير تدريجي جزئي، والثورة كنمط تغيير فجائي كلي، من خلال المفاضلة؛ بتقديم الإصلاح زمانيًا وقيميًا ما دامت إمكاناته متاحة، باعتباره الأصل، واللجوء إلى الثورة باعتبارها الفرع عند تعذر الإصلاح.
رفض مذهب الإفراد:
نرفض المذاهب التي تتطرف في تبني نمط واحد للتغيير (الإصلاح أو الثورة) إلى درجة إلغاء الآخر، مثل مذهب الخوارج قديمًا، والتنظيمات المعاصرة الغالية في التكفير واستحلال الدماء، كتنظيمات القاعدة وداعش وبوكو حرام، وهي امتداد لمذهب الخوارج البدعي، وتخالف منهج أهل السنة القائم على الوسطية.
تاسعًا: الإفساد في الأرض كعقبة للتغيير الحضاري:
الإفساد في الأرض من أكبر معوقات التغيير الحضاري، وله معايير موضوعية لا تتوقف على الادعاء الذاتي بالصلاح، قال تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
مسجد الضرار نموذجًا:
وهو مصطلح قرآني يدل على كل مؤسسة تتناقض في جوهرها مع مقاصد الدين، رغم ادعائها الشكل الإسلامي، قال تعالى:﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ…﴾
عاشرًا: الجمع بين الذاتي والموضوعي
التغيير الحضاري هو تغيير يجمع بين: الذاتي( كتغيير أنماط التفكير)، والموضوعي ( كتغيير النظم الاجتماعية “السياسية، الاقتصادية، القانونية…”).
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم