Sudanile-Logo-SQ

إمتداداً للحرب غير الضرورية ضد الريف

زرياب عوض الكريم
لم تكن ثمة مُبررات واضحة لإعادة نقل نزاع حرب الخرطوم في 15 إبريل 2023 ، على السُلطة بين قُوتين عسكريتين ، لا يملكان تفويضاً ولا شرعية لإحتكار نظام الحُكم مابعد الإستعمار.

من خلال وثيقة ثُنائية تُسمى (الإتفاق الإطاري) أو غيره من وثائق إحتكار نظام الحُكم ، لصالح برجوازية إثنومناطقية مُحددة ، تسمى نفسها الحرية والتغيير أو غيرها من المُسميات.

إعادة نقل النزاع وتوطينه إلى الريف – الهامش – مُجددًا في 26 مارس 2025 ، تحت غطاء الإنسحاب التكتيكي من معركة السيطرة على الخرطوم ، وإعادة ترتيب الصفوف من خلال إنشاء منطقة مُحررة ذاتية الحُكم بخصوصيات ثقافية إجتماعية مُواتية للمُقاومة السياسية.

بعد إنتهاء حرب الخرطوم ، كانت الدولة المركزية السودانية الشمالية ، في أضعف أحوالها غائبة إدارياً وعاجزة عن التمدد الفعلي.

كانت هُناك مجموعة من المناطق المحررة (كان يُمكن توحيدها بطرق سلمية) ، الخاضعة لسيطرة المُقاومات الشعبية (على غرار تجربة المحاكم الإسلامية في الصومال 2004) ، التي تعاونت مُضطرة مع السُلطة نفسها ، لمُقاومة الفوضي والنهب وجريمة القتل المنظمة ضد الأهالي والفلاحين والطبقة الوسطى ، التي يقوم بها منسوبي أُورطة الدعم السريع من أقليات الهامش المُزدوج ، في أنحاء أُم روابة / النهود / باو / بوط الخ.

فضلاً عن المُدن الكبرى ، التي تحصنت بها الحاميات العسكرية المُنسحبة.

أيضاً في حرب الخُرطوم وإتفاق الإستسلام الغريب من نوعه الذي وقعته قوة الدعم السريع rsf (إتفاق جدة) ، بدى واضحاً الهشاشة السياسية لأُورطة الدعم السريع وغياب الإرادة الإجتماعية لقيادتها العائلية والأعيان القبائليين لنواتها الصلبة من الجنود ، لإنجاز اي تحول وطني حقيقي وتحول دستوري لإنشاء سلطة سياسية مدنية ودولة وطنية لكل إثنياتها.

بدى واضحاً غياب البرنامج السياسي والرؤى الأصيلة للصراع والمُشكلات المُتعلقة بالحكم المحلي ، لتلك القيادة المأزومة التي واجهت النقد الإجتماعي بالقمع الهوياتي.

بتحويل الصراع الإجتماعي الطبقي في الريف والمدينة ، على الحكومة المدنية والتحرُر من الحُكم الديني والعسكري ، إلى مُستوىً قاعدي من الصراع الهُوياتي الثقافي بين عطاوة وغير عطاوة ، بين عرب أحرار وأفارقة مُصابين بعُقدة النقص والتبعية (الفلتقاتيزم) ، بين جنيدية أنقياء في الدم (أبالة) وعطاوة أفارقة (كريول) إلخ ، خطابات التمييز العنصري بأثرٍ رجعي ، التي لا تُؤدي لولادة مواطنة أساسها إحترام الخيارات الإجتماعية المُتباينة للسكان.

بدى واضحاً أيضاً ، عدم إمتلاك أُورطة قُوة الدعم السريع والقوى الإجتماعية السياسية المُتواطئة معها أو المصاحبة لها ، الأدوات السياسية والإجتماعية ، لتنفيذ أي إتفاق سياسي أو حتى تحقيقه.

هذا ما دفعها أن تجنح إلى الخيار الثاني (تحالف تأسيس) ، القائم على الشراكة مع تنظيم الحركة الشعبية لتحرير السودان (قيادة عبدالعزيز الحلو) في جبال النوبا الغربية.

بعد إنفضاض الخيار الأول (تحالف تقدُم) الذين كانوا بصدد مساومة آحادية مع الجيش والدولة العميقة من جمهورية 1956.

مُنذ إتفاق جوبا 2020 ، حولت قيادة قوة الدعم السريع كل وثائق الإتفاقيات السياسية الدستورية المكتوبة ، من عُقود إجتماعية منصوص عليها إلى صفقات زبونية مزدوجة الأجندة ، وحادت عن تنفيذها بتحوير المقاصد والاجندة المنصوصة إلى مآرب أخرى نفعية براغماتية ، مكاسب و تحالفات مؤقتة.

وذلك تمظهر يسير للبداوة السياسية ، نموذج البداوة النفطية والاناركية الفوضوية المُتحلل من تعقيدات الدولة البرجوازية الوطنية. الذي تطرحه قوة الدعم السريع منذ 2019.

  • لماذا الهُجوم على إقليم جنوب النيل الأزرق الآن؟

كتبتُ نفس هذه المُفردات بنفس المضامين في مقالة بتاريخ 26.6.2025 للتنديد بالهجوم غير المُبرر على مدينة النهود في مايو من نفس العام. وتفريغ مُقاطعة دار حمر من سُكانها الأصليين ، وتشريد سكانها ونهب تراكماتهم البدائية وإفقارهم بشكل مُمنهج وفرض أتاوات باهظة على المقيمين منهم ترقى إلى (الجزية).

أقتبسُ من مقالتي ذاتها التي هي تلخيص لمُحاضرة مُسجلة صوتياً كنتُ قد ألقيتها حول تطورات النزاع .. باحثاً عن إيجاد نموذج تفسير لحرب 15 إبريل 2023 وتفاعلاتها اللاحقة.

إن (.. الخُطوات العسكرية لنقل الصراع معكوساً إلى الريف (غرب السودان) من جانب طرفي القتال في حرب الخرطوم ، يمكن تفسيرها فقط على أنها حرباً غير ضرورية Unnecessery wars لإعادة إنتاج حدود وتوازنات النزاع نفسه. بطريقة مأساوية (تراجيدية)). في مسرحٍ آخر.

كان الهُجوم (غير المُبرر) على مدينة النهود وكُلفته الإجتماعية والإنسانية الباهظة لعقود طويلة قادمة في مايو 2025 ، مُكافئاً لسياق وممارسات الهجوم على مدينة ود مدني وتشريد مليون نازح كانت تستضيفهم في ديسمبر 2023 ، بدلاً عن دك الثكنات العسكرية في شارع الحاكم العام سابقاً ، وفي جنوب الخرطوم وشمالها.

  • محاولة تجاوُز كُلفة التجريف الإجتماعي

تجاوز كلفة التجريف الإجتماعي / الأخلاقي / الإقتصادي ، أو الإنقسام الإجتماعي المقيت بين الهامش (الريف) والهامش المُزدوج double periphery ، الذي ينحدر منه مُقاتلي الدعم السريع وطبقاتهم الإجتماعية (البروليتاريا الرعوية .. النفطية لاحقاً).

من خلال آلية الصمت أو التجاوز عن ممارسات تحالف قوة الدعم السريع (تحالف مُجتمعات الأقليات الرعوية غير المالكة للأرض في الريف ، غير المدنية في ثقافتها ، البدائية في نمط إنتاجها) وتجاوزاته ، لن يكون مُمكناً مع إستطالة أمد الصراع. وإنفتاح جبهات جديدة وتعقيدات مُضاعفة.

كما أن تحويل هذا الإنقلاب الهرمي الإجتماعي (الهيراركي) العنيف ، تدمير الريف وتعظيم شأن الهامش المُزدوج وإحلاله مكانه ، إلى أمر واقع تكرسه البنادق وموازين القوى غير العادلة حتماً ، لن يؤدي إلى توليد نتيجة مغايرة للحقائق الصادمة.

  • التربُص منذ مُدة بمناطق الجنوب الكبير وجنوب النيل الأزرق

يعتقد القائمين على الدعم السريع ، أن ضُغوطهم المُستمرة على الطبقة / الطبقات الوسيطة ، في مُدن السُودان وحواضره الكبرى وجيوبه الريعية الإقتصادية كولايات النيل الأزرق (الفونج الجديد) والبحر الأحمر ونهر النيل وأخيراً الشمالية ، سيدفع السُلطة العسكرية والطبقات المُسيطرة (طبقة الجلابة وطبقات إتفاق جوبا وإتفاق الشرق) في النهاية إلى تسريع التفاوض معهم وصولاً إلى الإعتراف بهم ، أو يحملها على هذا الإبتزاز.

من خلال تصفية كل الرئات الإقتصادية للمُواطنين (الطبقات الوسطى) و شرايين الإمداد للجباية الحكومية ، وتقليص المِساحات الآمنة والمُستقرة. من خلال تشكيل أكبر مُعسكر مُمكن للنازحين واللاجئين.

هذا السلوك التنظيمي المكرر ، بنفس الرواسم لسلوك قُوة الدعم السريع منذ 2003 وصولاً إلى 2014 كما حرب 2023.

يتماشى تماماً ومطابقاً ، مع السُلوك التنظيمي للبروليتاريا الهامشية السودانية في إنتفاضات الخبز المتكررة منذ الستينات. الباحثة عن التغيير والإنقلاب الجذري للهرميات الإجتماعية في الريف السوداني.

البروليتاريا الهامشية السودانية ، بجُذورها النفطية (الرعوية) و الفلاحية (الكنابي) والحضرية (سكان الضواحي) ، بوصفها الأساس القاعدي لإنتفاضات الخُبز المُتكررة بنفس النمط الدارويني ، لإنتفاضة الخبز أكتوبر 1964 ، في إبريل 1985 و ديسمبر 2023.

حرب قُوة الدعم السريع السابقة أو المُستمرة بالأحرى ضد الريف (الطبقات الوسيطة الريفية المالكة للأرض) في دارفور والعمل الحثيث على تجريدها جماعياً من وسائل الإنتاج أو التوزيع العقابي للثروة ، وإعادة إنتاج سلوكها التنظيمي و رواسمها في حرب 15 إبريل الماضي. وصولاً إلى شمال كردفان حالياً.

لا تأخُذ فقط شكل الحرب العسكرية الكلاسيكية ، ضد مُؤسسات سياسية أو عسكرية للإستحواذ عليها (النمط الكلاسيكي للإنقلابات).

بل تأخُذ طابع النمط الاستخراجي (البدائي) ، ومُقاومة أنماط الإستيلاء على السلطة الأخرى ، وأنماط الإنتاج الحديثة.

لهذا تُمثل حرب 15 إبريل ، أغرب إنقلاب عسكري ، من فوق هرم السلطة إلى قاعدتها. بعيدا عن لاندسكيب الحرب الأهلية ذات النمط الاستخراجي والنمط الدارويني الكونغولي ، في زائير والصومال ودول الساحل.

فهي حرب لا تستهدف المؤسسات السياسية بقدرما تستهدف الطبقات الوسطى من المجتمعات السودانية في الريف والمدن الكبرى ، وإخضاعها لعقود طويلة قادمة.

.. لا يُظهر فقط الغباء الستراتيجي المُوثق لأوليغارشية الجنجويد ، بإعتراف حميدتي (خدعونا.. / ما عندنا خبرة سياسية) ، بل البُعد الثقافي الكامن ، في الحرب.

من خلال إستخدامهم من قبل القوميين الشماليين ، لفتح الطريق وتمهيده (من المقاومات الإفريقية) و (المقاومات الريفية) ، أمام هيمنة ثقافية طويلة الأمد. أو إعادة إنتاج إستقرار غير مسبوق لجمهورية 1956.

من خلال تدمير القوة الثقافية والكتلة الإجتماعية (الثالثة). أو القوات السياسية لإتفاق جوبا 2020 ، وتجريدهم من أراضيهم ، ومن حكومة اقاليمهم.

القوة الثقافية والكتلة الإجتماعية الثالثة ، التي يُمكن أن تنافس المجموعتين العربيتين الرعويتين المتناحرتين على السلطة والهيمنة ، في بلد مُتخلف البنيات والثقافة الدستورية والسياسية.

  • إستهداف تفكيك أرخبيل المناطق المُحررة

لم يكن مُفاجئاً أن غُرفة العمليات المركزية ، أو غرفة التحكم والسيطرة (الخفية) و(الموازية) ، داخل قوة الدعم السريع ، لم تنزع إلى تحويل مناطق تواجدها الأساسية (جنوب دارفور) إلى منطقة آمنة ، بقدرما إنشغلت ولاتزال مُنشغلة بتدمير المناطق الأمنة ومساحات الأمن security areas , التي تُسيطر عليها المُقاومات الشعبية المتعددة والقوات الموازية التي لا تخضع تماماً لسيطرة جيش جمهورية 1956. وإن إصطفت إسمياً إلى جانبه في لحظة ضعف تاريخية. وفي مَقدمتها المناطق الآمنة ومناطق نفوذ حركات إتفاقية جوبا للسلام 2020 ، بما في ذلك مدينة الفاشر سابقاً.

هذا جُزء من سياق الأجندة الخفية لمُساومات قُوة الدعم السريع (ثنائية الطابع) تحت الطاولة مع الدولة العميقة في جنيف وجدة ، التي لم تأخذ طريقها للتنفيذ بسبب مصفوفة الإملاءات والإشتراطات التي ظلت تضعها مُتعنتة ، القوى الإرثية الشمالية patrimonal forces , في هذا الصراع الطبقي شديد الحدة.

كان يُمكن أن تلعب قوات إتفاقية جوبا الصلبة ، أكبر سلطة أو مركز مواز لأي سُلطة ثنائية ، سابقة ومُنتظرة بين الدعم السريع وحكومة جمهورية 1956. حجراً في زاوية التعددية السياسية.

لكن يبدوا أن المخطط الستراتيجي الذي تساق إليه إنفعالات (الأشاوس) وزعامتهم المفتقرة لأدوات العمل السياسي والإجتماعي ، بوصفهم تنظيماًعسكرياً بلا قاعدة إجتماعية ولا شعب (عمق إجتماعي) حقيقي وغير زبوني. يقتضي تدمير أية مقاومة مُستقبلية لمخطط مابعد الفترة الإنتقالية المتمددة على جناحي الحرب الأهلية القائمة.

  • هل يمكن أن تكون هناك مناطق إقتصادية آمنة خلال حرب 15 إبريل الأهلية ، أو تحييد أقاليم الجنوب الكبير؟

الإستقلال السياسي لقوات إتفاق جوبا 2020 السياسية ، في جنوب كردفان والنيل الأزرق أو في شرق السودان ، وضمان حيادهم من الحرب الأهلية التي لن تتوقف قريباً لكن يمكن محاصرتها ، رهين بإرتباطهم بدعم خارجي مُستقل عن سلطة الدولة العميقة (حكومة جمهورية 1956 في منفى بورتسودان).

الأُمم المتحدة ودول الإتحاد الأوربي والدول الإفريقية والآسيوية الحريصة على السلام ، يجب أن تشجع الفصائل المُتناحرة أو المُتنافسة في الجنوب الكبير (عبدالعزيز الحلو / مالك عقار / جوزيف توكا / كافي طيار وجاو ونيس ، إلى جانب الإدارة الأهلية بمجتمعات الفرتيت أو البانتو السودانيين في دار الفرتيت) كما (شيبة ضرار وموسى محمد أحمد وإبراهيم دنيا وآمنة ضرار في شرق السودان).

على الإنفصال التام ، عن أجندات الطرفين المُتحاربين two parties of civil war ، من خلال توقيع وثيقة شرف سياسي ومبادئ لوقف العدائيات كافة وإنسياب الخدمات الضرورية ، واللُجوء لفض المُنازعات الداخلية من خلال آلية تفاوضية مُراقبة ومُمولة إقليمياً (مُساعدتهم على توطين المُساومة الإجتماعية).

على إقامة مناطق آمنة مدعومة إقتصادياً ، محظورة من الطيران no fly zones ، بما في ذلك نظام مَصرفي وتعليمي مُستقل ، وإدارة (حَكامة) جيدة ، وسُلطات مُستقلة وناجحة ، تحت رقابة قانونية ووصاية للأُمم المُتحدة والإتحاد الإفريقي ومُراقبة الإتحاد الأوربي والقِوى الفاعلة مثل بريطانيا والنرويج وألمانيا.

عملاً بتجربة كردستان العراق وصوماليلاند وغيرها , من المناطق الإقتصادية الآمنة (نموذج فض الإشتباك الثقافي وعزل مناطق الصراع) ، الخالية من النزاعات (ذات الخلفية البدائية) ، أو حتى (الخلفية الوجودية).

فالحرب الأهلية بين مُكونات طبقتي الجلابة والجنجويد (الرعويتين) pastoral savageness ، لن تنتهي قبل مُرور ثلاثين عاماً من الآن.

يجب على المجتمع الدولي برمته ، أن يساهم جدياً وبقوة حازمة، في عزل المُجتمعات الثقافية السُودانية الأخرى ، والريفية السُودانية خاصة ، من الإستقطاب أو الإصطفاف أياً كان نوعه ، بدوافع طبقية كانت أم زبونية ، خلف هاتين القوتين البدائيتين ، في حربهما – العبثية – التي لا تعني أحداً غيرها.

ومنعهما – أيضاً – من جر أي أحد ، أو طرف ثالث إلى هذه الحرب ، تحت أية ذريعة وفي ظل أي سياق.

لقد دفعت المجتمعات السودانية في الماضي ، التي لديها تاريخ طويل من الإستقطاب الزبوني والطبقي ، ثمن مثل هذه الصراعات العبثية ، داخل السُلالات الحاكمة. وتضررت من ذلك ، بتأخرها تنموياً وثقافياً عن قطار الأُمم الحديثة.

مِثل الصراعات داخل طبقات سلطنة الفُونج الحاكمة (شرقاً) ، الصراع بين طبقتي الكِيرا والكُنجارة داخل سلطنة إثنية الفُور (غرباً) ، الصراع داخل عائلة المهدي بين الصادق المهدي الإبن وعميه الإمام الهادي وأحمد المهدي (السُودان الموحد).

فهذا ليس زمن الإِقطاع الإِسلامي – الجنجويد ، ولا عصر الجلابة.

Northernwindpasserby94@gmail.com

عن زرياب عوض الكريم

شاهد أيضاً

إعادة إحتلال غرب السودان : سردلوجيا مُجتمعات الخارج في مواجهة مُجتمعات الداخل

زرياب عوض الكريم تقديممُجتمعات دارفور وكردفان في مأزق الإحتراب الشامل المُهمة الأساسية لهذه الرسالة الموجزة …