عثمان محمد صالح
osmanmsalih@hotmail.com
كانوا ينادونها ببت الشيخ. نشأت في بيت دين معروف. وهي حفيدة الشيخ عبد المحمود ود الشيخ نور الدايم. ولدت في طابت وعاشت فيها مشكورة محبوبة. ولما جاء الاجل واسترد الله وديعته مشى في جنازتها خلق عظيم. دفنت بين اهلها في مقابر طابت.
حين اقتحم الجنجويد طابت في 23 نوفمبر 2023 كانت زينب بت الشيخ محمد عظيم ود الشيخ عبد المحمود ود الشيخ نور الدايم آمنةً مطمئنةً في صحن دارها القائمة في طرف البلدة بالقرب من المسيد. كانت تضحك في برودة الظلِّ المترامي من أحد الحيطان مع جارات لها زرنها لتبادل الحديث، وشُرب القهوة بالجنزبيل والحبهان، عاونَّها في توريق كومٍ من الخُدْرَة موضوع في صينية كبيرة الحجم مرفوعة على منضدة من الحديد تتوسط أسِرِّة مفروشة بملاءآت ملوّٖنة جلست عليها الزائرات. كان هناك مَجْمر كبير مزخرف بأشكال بيضاء وأخرى طُوبية اللون تتقد فيه جمرات تسعِّر أوارها هَبَّابة مصنوعة من السعف المضفور. من تلك الجمرات ضاع بخور زكي في أرجاء المكان الذي حلَّق في فضائه سرب من الحمام اختلط به زوجان من العصافير المنتشرة في المنطقة: عَشوشة و ود أبْرَق.
بلغت الجلبة الشديدة التي أحدثها اقتحام الجنجويد لطابت مجلس النساء في دار زينب فاتسعت حدقات العيون من الخوف، وانقطع حبل الحديث، وأُهْمِلَ كوم الخدرة في مكانه، وماتت الضحكات في الصدور، وانطفأت نار القهوة والمجمر الملوّٖن العامر بالبخور، وسكنت حركة الهَبَّابة، وانصرفت الجارات عجولات وهن يردِّدن ياساتر استر، يُردن الوصول إلى بيوتهن قبل أن تتلغم الطرقات بالمتحرشين المدججين بالسلاح فيقع لهن مكروه.
اصطخبت دار زينب، وعلا فيها زعيق النساء المفزوعات من هول النبأ الذي نزل كالصاعقة، فتنادين خشية على الرجال الغائبين في الحقل أو المرعى البعيد مع السَعيَّة ليس لهم علم بدخول الجنجويد.
باتت طابت ليلتها الأولى تحت وطأة الغزاة مسهدة وهي لاتعلم ما الذي يضمرونه لها. وبات الغزاة حيث خيَّموا في مركز البوليس والمحكمة. ومن حينها هبط على البلدة المهجومة ليل الجنجويد المرهق الطويل ثقيل الوطأة كدثار من الصوف القديم المعتِّد يخنق الأنفاس.
وقتها كانت زينب على وشك التعافي التام من مرض السرطان الذي قاومته لنحو عام، صارعته بما لديها من العزم والصبر وقوة الإيمان والإلتزام الصارم بتعاطي الدواء واتباع نمط التغذية الذي أشار به عليها الطبيب المعالج في مشفى بمدينة مدني. انحسر انتشار السرطان في بدنها حتى اختفى. وبَيَّن آخر فحص أُجري لها أنّ النتيجة صفر سرطان، فظنَّت زينب أنَّ الداء المتربص بحياتها صار أثراً من الماضي، فتفاءلت وتفاءل من حولها.
قبل دخول الجنجويد إلى طابت ظنَّ كل قريبٍ محيطٍ بزينب أنَّ بدنها استجاب للعلاج المقرَّر في جرعات تؤخذ على فترات متباعدة . بدا أنها في طريقها للانتصار على السرطان: استردت رونق سحنتها، وبهاء بسمتها، وشهيتها للطعام، ورنَّة صوتها الصافي القديم، لكن الانتكاسة وقعت مع دخول الجنجويد وإفسادهم للحياة في طابت، وهي إنتكاسة بدأت ثم لم تتوقف في انحدارها للأسفل قط. وكانت زينب في تراجع صحتها كمن يتدحرج من قمة جبل شاهق ولاشيء يحبسه أو يوقفه في الطريق. لم يتوقف التدحرج حتى بلغت زينب السفح المنبسط حيث تتناثر مقابر أهلها في طرف طابت.
عندما قَوَّم (أشعل) الجنجويد الحرب في الخرطوم، وحرّكوا زوابع الفوضى الهائلة التي لم تهدأ بعد، أخبرت زينب بنتها نازك عبر الهاتف بأن حمدتي طحَن الناس في الخرطوم طحِن. وعندما اجتاح الجنجويد طابت قالت لنازك قبل أن ينقطع الهاتف وتنقطع أخبار طابت وولاية الجزيرة بأكملها إلَّا ما كان يذاع عبر الفيديوهات الشحيحة : دا بلاء جانا من رب العالمين، الله يزيلو. ورفضت الخروج من طابت: نطلع وين نخلَّي دارنا وحالنا؟. ننتظر بس لمن يجينا الجيش.
وقرَّت زينب في بيتها لاتخرج منها إلَّا لضرورة البحث عن العلاج. وظلَّت تدعو الله في صلاتها بأن يعجِّل بقدوم الجيش والمستنفرين
في كل مرَّة لعلعت فيها زخَّات الرصاص الذي يطلقه الجنجويد في الهواء لترويع أهل البلدة، كانت زينب تشعر بالخوف الشديد على أفراد أسرتها وهي متمدِّدة على فراش المرض الذي أطلَّ برأسه من جديد. تداعت قوتها وتمكنت منها العلة التي عاودت هجومها الشرس على بدنها الذي كان يزداد وهناً كلما ضيَّق الجنجويد الخناق على البلدة. تضخمت الهواجس عند رؤيتها لأفراد الجنجويد يقتحمون دارها بلا استئذان ويرهبون أفراد أسرتها ويستولون على السيارة التي كان يستخدمها زوجها وأبناؤها للعمل. يبحث الجنجوبد في كل مكان، و يبعثرون اثناء التفتيش ماتحتوي عليه خزائن الثياب والدواليب الخاصة بأواني المطبخ. وعندما لايعثرون على بغيتهم يغادرون وهم حانقون لكنهم مايلبثوا أن يعاودوا الكرَّة، هم أو جماعة أخرى من عصبتهم، مدجَّجين بالسلاح والحقد لتكرار سؤالهم الثابت عن مكان الذهب والمال المخبَّأ وفي أثناء بحثهم كانوا يتعمَّدون استفزاز الرجال بحثاً عن ذريعة يطلقون بها الرصاص. كانوا يتحرَّقون لسفك الدماء، وقد تجلَّى ذلك التعطُّش المرضي عند الجنجويد لقتل الناس بلاسبب في اغتيالهم لكيرو، المعروف بكونه مسالماً، في سوق طابت.
في كل مرَّة ترى فيها الجنجويد يعكرون صفو الحياة في دارها كانت زينب تحمد الله كثيراً على أن أربع من بناتها يعشن خارج السودان. أقعُدَن برَّة يابنات، ماتَفكرن تجَنْ هَسِّي راجعات. تعالن لما يفوتوا مِنَّنا. بمثل هذه العبارة الشفوقة ظلَّت زينب تخاطب بناتها المغتربات، حتى يتريَّثن عند التفكير في المجيء للسودان وزيارة طابت وهي ترزح تحت وطأة الاحتلال الجنجويدي.
ثم وقع ماكانت تخشاه زينب وهو اختطاف الجنجويد لأحد أفراد اسرتها، وهو ما وقع بالفعل، اذ قامت جماعة من الجنجويد باعتقال أكبر أولادها وسجنته في مكان ضيق مظلم، ثم طلبت لإطلاق سراحه فدية مالية كبيرة دفعتها الاسرة.
عندما حرَّر الجيش طابت في مستهل فبراير 2025 زارهم في الدار بعض الجيَّاشة الذين شالتهم الحماسة فأطلقوا الرصاص في الهواء تعظيماً لتاج الدين الطيب زوج زينب الذي نسي معاناة مرضه ورقدته الطويلة فبشَّر للزوَّار مهلّلاً ومكبَّراً. كبَّر معه كل أفراد أسرته ومعهم الزوَّار عندها لم تتمالك زينب نفسها من التأثر لعظمة الموقف وهي لاتصدق أن الجيش في بيتها هاهنا أمامها يكبَّر، الجيش الذي انتظرته طويلاً دون أن تيأس من رحمة الله، وصارعت المرض العضال وقهر الجنجويد بانتظار ساعة الخلاص هذه قد جاء أخيراً ودخل طابت دخول الفاتحين ففر منها الجنجويد. خنقتها العبرة فبكت زينب بحرقة. بكت بكاء ا مرَّاً وهي تكرّر حمدها لله. بعد تحرير طابت بشهور قلائل أسلمت زينب الروح إلى بارئها مطمئنة على مصير أسرتها وبلدتها في حماية الجيش.
عثمان محمد صالح،
تلبرخ، هولندا
osmanmsalih@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم