الأثر السياسي في عددية شهور السنة الميلادية

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الواقع

هذا النص لا يُقدَّم بوصفه مقالًا خبريًا،
ولا دراسة أكاديمية صارمة،
بل بوصفه استراحة فكرية واعية
فنجان قهوة هادئ في منابر الرأي المُجهَدة بثقل الحاضر،
حيث تتزاحم السياسة الساخنة،
والاقتصاد القَلِق، والأسئلة اليومية الضاغطة

. هنا نُزيح الستار قليلًا، ونستدعي طيفًا من الماضي
، لا بوصفه حنينًا، بل بوصفه مفتاح فهم.

فبعض ما نعدّه اليوم بديهيًا، وبعض ما نتعايش معه دون سؤال،
ليس قدرًا طبيعيًا
ولا قانونًا كونيًا،
بل أثرٌ متراكم لقرارات سياسية قديمة،
اتخذها بشر،
ثم توارثتها الإنسانية حتى صارت جزءًا من نسيج الزمن نفسه.

من هذا المدخل، يبرز سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره:
لماذا يتتابع شهرا يوليو وأغسطس، كلٌّ منهما بواحدٍ وثلاثين يومًا؟

ولماذا بقي فبراير أقصر الشهور، كأنما كُتب عليه النقص الأبدي؟

عند الرومان، لم يكن التقويم مجرد أداة لتنظيم الأيام،
بل كان ساحة سلطة.

الزمن نفسه كان خاضعًا للسياسة، تُقدَّم فيه الرموز على الحساب، وتُغلَّب فيه الهيبة على التوازن.

كان العام الروماني في بداياته مضطربًا، تتدخل فيه الكهانة، ويُزاد فيه ويُنقص بحسب الحاجة، حتى جاء يوليوس قيصر، الرجل الذي لم يكتفِ بإعادة رسم حدود الإمبراطورية، بل أعاد رسم حدود السنة.
أدخل قيصر ما عُرف لاحقًا بالتقويم اليولياني، فجعل السنة أقرب إلى الدورة الشمسية، وضبط حساب الأيام، لكنه، في لحظة رمزية كاشفة، خَلَّد اسمه في الزمن. تحوّل شهر كوينتيليس إلى يوليو، ومُنح واحدًا وثلاثين يومًا.

لم يكن ذلك قرارًا فلكيًا محضًا، بل كتابة سياسية للاسم في جسد الوقت.

ثم جاء أغسطس قيصر، وفي شخصه تتجسد فكرة السلطة التي لا تكتفي بالحكم، بل تطلب الاعتراف الرمزي. كيف يقبل أن يكون شهر يحمل اسمه أقل شأنًا من شهر يحمل اسم سلفه؟

هنا يظهر عناد السياسيين عبر العصور: الرغبة في الندّية، حتى مع الزمن. أُضيف يوم إلى أغسطس، فاستقام له ما أراد،
لكن الاستقامة هنا كانت شكلية، لأن التوازن الحقيقي اختل.

كان لا بد من ضحية.
لم يُستشر الزمن
، ولم يُسأل الفلك،
بل وقع الاختيار على فبراير. شهرٌ بلا قوة رمزية، مرتبط في الوعي الروماني بالنهايات والطقوس، فانتُزعت منه الأيام. استقر في ثمانية وعشرين يومًا،
ويُمنح يومًا إضافيًا كل أربع سنوات، كمن يُعطى حقًا استثنائيًا لا اعترافًا دائمًا.

هكذا وُلد فبراير المظلوم، لا لأنه أقل شأنًا فلكيًا
، بل لأنه أضعف سياسيًا.
ومنذ ذلك الحين، تعاقبت الإمبراطوريات، وسقط القياصرة، وتبدلت العقائد،
لكن هذا الظلم الصغير ظل قائمًا، كأنما أصبح عرفًا إنسانيًا لا يُناقَش.

وحين نتأمل هذا المشهد من زاوية فلسفة الزمن، نستحضر قول القديس أوغسطين: «ما هو الزمن؟ إن لم يسألني أحد عنه، علمته، وإن سُئلت، جهلته». فالزمن ليس مجرد تعاقب لحظات، بل بناء ذهني وثقافي.

أما هنري برغسون، فقد ميّز بين الزمن الكمي الذي نقيسه، والزمن المعاش الذي نختبره، ورأى أن اختزال الزمن في الأرقام يجرّده من إنسانيته. وما فعله القياصرة هو إخضاع الزمن المعاش لسلطة الزمن المحسوب، ثم فرضه على البشر قرونًا طويلة.

حتى في الفلسفة المعاصرة، يُنظر إلى الزمن بوصفه نتاجًا اجتماعيًا بقدر ما هو حقيقة طبيعية. والتقويم، في هذا السياق، نصٌّ سياسي مقنَّع، كُتب بلغة الأرقام، لكنه محمَّل بمعاني الهيمنة والرمزية.
ولا يقف الأثر عند حدود التأمل الثقافي.

فحين نعود إلى واقعنا المعاصر، نجد أن هذا التفاوت الزمني ينسحب مباشرة على الاقتصاد. الموظف ذو الراتب الشهري يعمل في شهور طويلة وأخرى قصيرة مقابل أجر واحد.

تُحسب الالتزامات المالية بالشهر لا باليوم، وتُبنى عقود العمل والإيجارات على تقسيم غير متكافئ في جوهره.

هنا يتحول قرار روماني قديم إلى أثر يومي ملموس في حياة الناس.

وفبراير، في هذا المعنى، لا يعود مجرد شهر، بل استعارة. يشبه الفئات التي تُطالَب دومًا بالتكيّف، وتحمل أعباء قرارات لم تشارك في صنعها. يشبه الأطراف الضعيفة في المعادلات الكبرى، التي يُطلب منها الصبر باسم الاستقرار، بينما تُوزَّع الامتيازات في مواضع أخرى.

ومع ذلك، ليس هذا النص دعوة إلى التمرد على التقويم، ولا إلى إعادة توزيع الأيام، بل دعوة أهدأ وأعمق:
إلى الوعي. إلى أن ندرك أن كثيرًا مما نعدّه طبيعيًا هو في الأصل سياسي، وأن الزمن نفسه يحمل آثار السلطة كما يحمل آثار الشمس.
في عالمنا المرهق بالأسئلة الكبرى،

قد يكون التأمل في تفاصيل صغيرة كهذه فعل مقاومة ناعمة؛ مقاومة النسيان، ومقاومة التسليم الأعمى. فحين نفهم كيف كُتب الزمن، نفهم شيئًا من كيفية كتابة التاريخ، وكيف انتقلت قرارات القصور القديمة لتسكن بيوتنا المعاصرة.

هكذا يصبح هذا المقال استراحة فكرية لا تهرب من الواقع، بل تعود إليه من باب آخر. يضع فنجان القهوة على الطاولة، وينظر إلى التقويم المعلّق على الجدار، لا ليعدّ الأيام، بل ليسألها في هدوء: من كتبك؟ ولماذا بقي فبراير صامتًا كل هذا الوقت؟

عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان ليس من قبيل المبالغة القول …