محمد صالح محمد
binsalihandpartners@gmail.com
في دستور العشاق ثمة قاعدة خفية تقول إنّ الهروب من الحزن هو بداية الرحلة نحو التيه و لكن ماذا يحدث عندما يقرر الإنسان أن يحزم حقائبه ويسوق خطواته بعيداً عن “زولاً نسى الإلفة”؟ هل يكمن الخلاص في تبديل حب بآخر أم أن الذاكرة خائنة لا تمنحنا صكوك الغفران بهذه السهولة؟
رحلة الهروب الكبير… من مرفأ إلى مرفأ
تبدأ الحكاية بقرار الرحيل الصعب؛ ذاك الذي يسوق فيه الإنسان خطواته مثقلاً بليالٍ من السهر متنقلاً من مرفأ إلى آخر باحثاً عن وجه “أوفى” يمحو ملامح القديم. هي محاولة مستميتة لكسر قيد الريد الذي أدمى المعصم ظناً منا أن الجغرافيا قادرة على مداواة القلوب.
لكن سرعان ما يصطدم “الراحل” بحقيقة مرّة أن الأرض بلا عينيكِ ليست سوى “منفى” كبير فلا المرافئ منحت الأمان ولا الوجوه الجديدة استطاعت أن تملأ الفراغ الذي تركه ذاك السحاب الصيفي؛ ذاك الذي يجافي بلاداً ليسقي أخرى تاركاً خلفه ظمأً لا ترويه مياه الدنيا.
ميلادٌ وطن … وغيابهما “انعدام ذكرى”
في قصيدة أرحل للتجاني سعيد العودة والاعتراف يبرز التشبيه البليغ لعيون المحبوب؛ فهي تارةً “سحاب صيف” وتارةً “فرحٌ يغسل الشقاء” وتارةً أخرى “ذي عيدٌ عمّ البلد اعياد”. هذا التوصيف لا يعكس مجرد إعجاب شكلي بل يعكس ارتباطاً وجودياً.
فبدون تلك العيون يصبح الإنسان كائناً بلا تاريخ بلا ذكرى، وبلا ميلاد و يتحول المحبوب هنا من مجرد شخص إلى “وطن” يُرحل إليه بغير زاد لأن الشوق وحده هو المحرك ولأن الانتماء إليه هو الهوية الوحيدة المتبقية في زمن التجريح.
“رحلتُ وجيت… وفي بعدك لقيت كل الأرض منفى”
الذكرى… ريحٌ تذرو الوجع
لا ينكر الراحل العائد أن العمر كان درباً مشياً عليه “كسيحاً” أو غرساً لم يحصد منه سوى “البكاء وقبض الريح” لكنه في لحظة المكاشفة يقرر ترك زمان الفرقة للريح لتذروه بعيداً. ففي حضور المحبوب لا ندم و لا تبريح، ولا عزاء للأحزان القديمة.
إنها دعوة للتصالح مع الذات ومع الآخر وإقرار بأن العمر مهما طال في التيه يظل قاصراً ما لم يستقر في “الوطن” الذي هو أنتِ.
الدرس المستفاد من التيه …
لقد علمتنا هذه التجربة أن الهروب من “الإلفة” هو نوع من الانتحار العاطفي وأننا مهما بدلنا القلوب بحثاً عن الوفاء سنظل نعود دائماً إلى المنبع الأول؛ حيث المبتدأ والمنتهى. فالأرض واسعة جداً لكنها تضيق حتى تصبح زنزانة إذا ما فقدنا بوصلة العينين التي ترشدنا إلى أنفسنا.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم