بقلم: عبد المنعم خليفة خوجلي
السكينة والسلام على روحك الشفيفة، مرآة الإنسانية والوطنية والنوبية والسودانوية والغابة والصحراء، ومرفأ الحرية والسلام والعدالة.
لم يحن بعد يا أخي الحبيب وصديقي الأثير أوان رثائك، والذي أرجئه إلى ما بعد التئام الجُرح، وانطفاء لهب جمرة الفراق المتقدة، ولوعة الفقد الحراقة.
غير أني آثرت أن أُبقي على تقاليد احتفائنا بإيقاعات قصائدك العذبة والمطربة والباقية التأثير، والمشاركة مُجدداً في تذوق بعضٍ من عطائك المِدرار، وشعرك المنقى، الذي يرتقي إلى الذرى الإبداعية السامقة، علَنا نستمد من صدقه وأصالته دروساً في الوطنية والثورية والبشر والتفاؤل.
ليت لِعقدةِ لساني أن تُحَلَ، ويطاوعني اليراعُ لأعبرَ في نُطقٍ مبين عن بعضٍ مما أكنه لك يا أخي الحبيب من اشتياق وحب وتقدير وعرفان مستحق، لم يكن من شمائلنا من قبل البوح به.

بقدر عشقك للوطن يا مودتي، وحنينك الدافق إليه، كنتَ تواصل بكل حيوية، دفق السخاء والوفاء، انطلاقاً من إرث الوطنية العميق الجذور المتغلغل في سويداء نفسك، فأنت سادِنُ مِحرابِ ذلك التراث، وباعثُ نموذجه البلوري، ومقدمه بفخرٍ للأجيال.
في ذروة محنة الوطن المجسمة، ظللتَ أخي صلاح تَغرِسُ في النفوس الثقة، وتزودها باليقين بأن الوطن سيبقى في يد عاشقيه.. فكان أن صدحت بكلماتك المتفائلة:
” بقاؤكَ في يدِ العُشاقِ يا وطني وبالحَبلِ الذي استمرا
ِ
ومَن لِبقاكَ غير العاشِقين..
همو.. همو الأحرى
رباعُك يا مِراح القلبِ
هلَت ليلةَ الذِكرى
شَممتُ ثَراك في كفِي
فكان الغابُ والصحرا”
مع ثقل عبء الهم الوطني الذي تنوء بحمله، كنتَ يا شاعرنا المرهف، تعيش الوجع النوبي بكل نبضة من عروقك، وظللت تتطلع إلى إعادة الأمجاد إلى أرض الحضارات، وأسباب البقاء والعيش الكريم إلى إنسانها الصامد، باذلاً في سبيل ذلك كل ما لديك من طاقة وجهد؛ فأنت فارسُ الكلمة المُتشبِعُ بالوجد والشجن، والمُستشرِفُ آفاق التفاؤل(بعودة نوباتيا).
سعدتُ، بمشاركتي والزملاء والأصدقاء ورهط كريم من أصفيائك من أدباء عمان في سبتمبر من عام ٢٠١٦م، في تدشين ديوان شعرك الأول (دقات طار)، في ذلك الحفل البهيج المقام بالنادي الاجتماعي للجالية السودانية بمسقط.
ولكم طربت أيما طرب للنجاح الذي تحقق في اختراق طوق العزلة، والوصول أخيراً إلى النشر. لعل نهج تواضعك الجم يا صديقي، هو أحد الأسباب التي حرمت الكثيرين لفترة طويلة من الولوج إلى عالمك الأدبي الرحب الجميل.
لقد جاء مولد الديوان بشارة خير وفرح للمجتمع الأدبي العربي والسوداني، وإيذاناً بأن آن الأوان لكي ينهل الجميع حتى الارتواء من شعر صلاح دهب البديع.
حَفِل الديوان بالعديد من القصائد الوطنية والاجتماعية ذات الطابع الإنساني والثوري المميز، مع تصدر (النوبيات) للمشهد، حيث، أتاح ديوان (دقات طار) مشاركة الشاعر مشاعره وانفعالاته عن كوش ونبتا والمقرة وحلفا. لا عجب أن كان العنوان الكامل للديوان هو: (دقات طار فوق طوفان الغرق).
يتساءل شاعرنا بحيرةٍ: “متى يعود المهجَر النوبي إلى موطنه ويجتمع الشتات؟ متى يعود من قرى الإسكان المرقمة؟ ومتى يعود من كل فج عميق؟ متى يعود إلى (نبتا) ويستنشق الهواء؟”
وتنساب أحاسيس الشاعر بعذوبة، استبشاراً بعودة (نوباتيا.. نبتا):
” أيا رِحمَ الدُنا.. فجرَ الدُنا.. قد كنت بي حُبلى
فرُديني من المنفى وضُميني
وعودي بي إلى الصَدفِ القديمِ
بشاطئِ التاريخِ ألقيني
مُحار النيلِ شقَ محَاجرِ الطينِ
تَعبتُ ألا تناديني؟
ظَمئتُ ألا تُناغيني وترويني؟ “
ويمضي بنا حاديُ ركب الحضارات، تزفه الترانيم النوبية الموحية و(دقات طار) مُحفِزة، لِيُحيِي (كوش) ذات الأمجاد وتراثها التاريخي الخالد:
” ملوك النيل من كوشٍ
هلموا انشروا الخبرا
على جنبي مغانينا
ووعوا البيد والحضرا
لأن جباهكُم شمخت
لأن صنيعكم أمرا”
(النوبيات) في شعر صلاح دهب، كما وصفها صديقه الناقد أسامة الكاشف، هي: “وجعٌ يتمرد على الأحدوثات والمقاصد، وتشبثٌ بالبقاء”. وهو وجع ألمسُه كذلك في أشعار الأصدقاء النوبيين، جيلي، وزمراوي، ومنان، وعبد الرحمن إبراهيم محمد.
يخوض بنا أديبنا الموهوب عباب بحر الشعر الوطني، يستلهم منه المعاني والصور عن التراث الثوري، ويهدي لنا هذه الأبيات الباقية عن الثورة المهدية وقائدها الثائر الذي (داعى ونادى ولمَ الشمل)، والتي وردت في قصيدته الملحمية (عودة الغابة والصحراء):
” أَبَـا ” حـقَّتْ صوارمهـا؛ أتاهـا الفـذُّ مقتدرا
يهـز فِرِنْـدَه نَصْلاً فـأَرْدَى بَـغْىَ مَـنْ فَجَـرا
إِمـامـاً مَـهْدَوِيّاً؛ ليْتَ حَـلّ اليومَ مَـنْ دَحَرَا
ومَـنْ دَاعَى ومـن نـادَى ولَـمَّ الشمْلَ مـعتَبَراً
وليْت القائـلَ الـوافِـي يعيدُ يـردّد الأَثَــرَا:
” نبايِعُـه وإن لــم يَـكُ مـهدِيّاً ومـنتَظَـراً”.
وداعاً الصديق الهرم الشامخ الأديب الشاعر المبدع صلاح دهب فضل
(2-2)
(عندما يلجئنا الحزن إلى بطن جدار لِيُسفِي فوقنا مثل تراب الموت زهره)
—————
في إطار الوداد والمحبة والتواصل المستمر مع الصديق صلاح دهب فضل، بعث لي في الخامس والعشرين من نوفمبر 2024م، بقصيدة تحمل عنوان (أنا راحلٌ)، وكان شديد الحرص على أن تصلني، فسجلها صوتياً. ولمزيد من الحرص أرسل نسخة منها لصفيه وزميله الأخ كمال قرشي طالباً منه أن يوصلها لي.
بدأ الرسالة ببيت شعر للشاعر أبي فراس الحمداني من رائعته (أراك عصي الدمع):
“إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى وأذللتُ دمعَاً من خلائِقِه الكِبرُ”
وأتبعه بتعليق ذكر فيه: “وأنا (هوايَ هو الوطن)، ويداي مجدافان في بحره؛ وقد طفت أرجاءه وجهاته شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً”، ثم مضى في قراءة القصيدة.
انزعجت كثيراً وأصابني قلق بالغ للعنوان، ونبرة الصوت المتهدج الحزين الذي قرأ به القصيدة، فأشفقت على صحته لأنني أعرف عما يعانيه من سقام، يجابهها بصبرٍ وشجاعةٍ متناهية. غير أنه، بعد اطلاعي على الرسالة واستماعي إلى التسجيل، لم أجد أي إشارة لشكوى من سقم أو جزع من المستقبل.. لماذا إذاً كتب العزيز صلاح دهب تلك القصيدة، التي سميتُها (ملحمة الرحيل)؟ عرفت الإجابة (لأن هواهُ هو الوطن).
رحلَ الشاعر المرهف صلاح دهب لأن روحه الشفيفة لم تحتمل جسامة ما حلَ بالوطن (فاستأذن راحل)..
رحلَ لأنه لم يحتمل معايشة احتضار الوطن البادي الملامح (وطني على النَزعِِِ الأخير بلا ودَاعٍٍ أو علن)..
رحلَ لأن ضميره اهتزَ وهو يرى (الناسَ سِترَ الأرضِ في التِيهِ شتَاتاً وحَزَن)..
رحل اتقاءَ مواصلة مشاهدة عذابات أبناء وطنه وهم (يطِئونَ اللهيبَ حُفاةَ سيرٍ فوقَ جمرٍ مُستكِن)..
رحلَ لأن الديارَ (المنهوبة من مُقتنَىً) صارت (أطلالَ بُومٍ ودِمَن)..
رحلَ لأن الظلماتِ تكاثَفت (والليلُ غوَل طولَه في أرضِ عزةَ واحتجَن)..
رحلَ لأن نفسَه الأبية تمزقت حسراتٍ، وهو يرى حبيبه (النيل) رمزَ الحضارةِ والتاريخِ والخِصبِ والعطاءِ والإلهامِ، وهو (مأسوفَ الثَرى لما احتقَن)..
رحلَ من هَولِ مِحنةِ من تجمَعوا و(داسُوا على العِرضِ المُحصَنِ.. سوَدوا وجهَ الوطن)..
آثر صلاح الرحيل احتراماً لعمره، وحمايةًَ لنفسِه الأبيةِ من التَعرُضِِ لأي امتحانٍ أو مَذلةٍ محتملة:
(شيخُوخَتي حَدُ الحياةِ فلا تُذَلَ وتُمتَحََن)..
ختم الشاعرُ (ضَميرُ الوطنِ) وحَادِيَ (ملحَمةِ الرحيلِ) بِقولِه:
(أنا راحلٌ.. حتى وإن سَلِمت بلادي راحِلٌ.. وخِتَامُه المِسكُ الحَسَن)..
إليكم يا أصدقاء نص (ملحَمةِ الرحيلِ) التي خطَها هذا الإنسان الشجاع الصامد، عاشق الوطن:
——
ملحمة الرحيل
شعر: صلاح دهب فضل
أنَا راحلٌ …….. أنَا راحِلٌ..
باللهِ هَيئ قَبريَ المجهُولَ
زِد.. هاكَ الكَفَن
وطني على النَزعِِِِ الأخيرِ بلا ودَاعٍٍٍ أو عَلن
والناسُ سِترُ الأرضِ في التِيهِ شتاتٌ وحَزَن
وطأوا اللهيبَ حُفَاةَ سَيرٍ فوقَ جَمرٍ مُستكِن
ودِيارُهُم من بَعدِهم أطلالُ بُومٍ ودِمن
مَنهوبةً من مُقتنَى كم أحرَزوها بالمَشقةِ والإِحَن
مَن هَؤلاءِ تجمعوا؟ هاتي يا مِحَن
داسُوا على العِرضِ المُحصَنِ سَوَدوا وجهَ الوَطَن
ماذا أرَجِي.. بلغَ السَيلُ الزُبَى حتَى كَمَن
أنا راحلٍ عن مِزَقٍ لا يَرفأُ المِزَقَ الزَمَن
لا.. لا ننُوحُ وقد نَجَونا ضَربَ حَظٍ ارتهَن
لكِنَما دَينُ البلادِ على الرِقَابِ ولم نُكَفِي ما الثَمن
أنَا راحِلٌ.. شَيخوخَتي حَدُ الحَياةِ فلا نُذَلَ ونُمتحَن
أنا راحِلٌ.. حتى وإن سَلِمَت بلادي راحِلٌ وخِتامُهُ المِسكُ الحَسن
عُذراً لقد حَانَ الرحيلَ ومَا أمامِي مِن خيارٍ يُؤتَمن
والليلُ غوَل طولَهُ في أرضِ عزةَ واحتَجَن
أنا راحِل والنيلُ مأسُوفَ الثَرى لمَا احتقن
ربَاه ما ذنبُ العِبادِ واستَحقوا ذي الفِتَن
————
لتنعم روحه بالسكينة والسلام في رحب الجنات..
العزاء وصادق المواساة للأسرة والأهل والأصدقاء والوطن.
abdelmoneim.khalifa@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم