بقلم عبدالفتاح عبدالسلام*
1 فبراير 2026
سردية “تهافت الهاربين”
الحلقة الرابعة عشرة
” التجربة هي المعلم لكل شئ “
يوليوس قيصر
قمت ذلك المساء بجولة مسائية في حي ” فيصل ” المكتظ . كنت وحدي ودخلت الحي ماشياً ، بعد أن إزددت تمرسا في ركوب المواصلات ؛ فقد حرصت علي استفسار من يجاورني من الركاب المصريين عن النزول في المحطة المعنية و أنا قادم من حي الهرم . مررت بجوار ” جزارة أمدرمان ” و عبرت الشارع إلي الناحية المقابلة حيث كانت جموع من السودانيات و السودانيين ، بعضهم وقوفٌ علي الرصيف و بعضهم يتمشي متطلعا إلي المحلات الصغير أو الدكاكين المنتشرة علي طول الشارع و جانبيه و يديرها سودانيون . بعض السودانيات كن يلتحفن الثوب ذا الألوان الجذابة ، وبعضهن يكتفين بالطرح العادية التي تلف الرأس و الرقبة ، بينما سار بعض الرجال متوسطي و كبار السن في جلاليبهم و طواقيهم المعهودة …
لم أرَ ما يثير أو يلفت النظر في تلك الساعة فيما يخص تصرفات البعض عدا اكتظاظ يبدو عادياً علي محل الجزارة في أول الشارع ، و كذلك محلات البهارات السودانية و غيرها من البقول و العدس و الويكة … أشبه ما يكون بشارع طويل متعرج بأحد الأسواق ، سوي أن الزحام و الجلَبة هنا سلسة نوعا …
و اكتفيت من التجوال و قررت العودة مشيا إلي حي الهرم و كان المساء لا زال في أوله . و قبل مغادرتي حي فيصل توجهت إلي مقهي واسع يفيض بالزبائن و الطاولات التي جلس عليها كثير من المصريين يلعبون الطاولة و بععضهم يدخن الشيشة ، و جلست علي طاولة صغيرة و طلبت شايا بالحليب ، غير أن تلك كانت المرة الأولي و الأخيرة التي أطلب فيها شايا في مقهي في القاهرة ، فقد كان الكوب يحتوي علي شئ هو أبعد عن الشاى أو الحليب ، مزيج عجيب !. فاستدركت أن المصريين لا قِبل لهم بهذا المشروب ! شاى أسود أو أحمر أو كي! أما شاي بالحليب ؟ فالمزاج المصري الشعبي يعرف الشاي الأحمر و لم يتأثروأ بالإنجليز في ثقافة الشاى بالحليب . لماذا ؟ لا أدري . تاثرهم بالأتراك العثمانيين الذين هيمن حكامهم عليهم لما يقرب من الخمسائة عام جلب لهم القهوة التركية السوداء ، مثل البن الحبشي عندنا …
• ثرثرة من أسفل العمارة بعد انتصاف الليل
كانت تلك الجولة في حي فيصل و المشوار الطويل الذي قطعته مشياً حتي العمارة التي أسكنها بحي الهرم حريٌ بأن يحفّزني للنوم مبكرا و لكن هيهات ، فبعد أن قمت بإرسال رسائل قصيرة إلي إخوتي ؛ أحدهم خرج من الخرتوم و اتجه مع عائلته إلي نواحي الجزيرة ، بينما أصّر آخر علي البقاء ريثما تهدأ الأمور … أما الآخران فكانا مستقرين منذ زمن في قارتين من قارات الدنيا . لم يأتيني النوم إذ كانت النافذة العريضة مفتوحة قليلا لتنسم بعض الهواء … و مع الهواء تسربت أصوات النسوة من أسفل العمارة المجاورة ، فقد لمحتهن مرات و هن نسوة مسنات يتوهطن سلالم باب العمارة الملاصقة، و يبدو أن هذا هو برنامجهن المسائي الذي لا يحدن عنه في كل الأحوال . تمنيت في تلك الليلة و ما دام أن ثرثرتهن تقلقني أن أنزل و أجلس بالقرب منهن لأستمع لما يهذرن به من قصص و أحاديث ، مثل تلك التي تحاكي حوارات الأفلام المصرية …
و فجأة إرتفع صوتٌ رجالي ، اعتقد من العمارة المجاورة و هو ينادي ابنه الذي يبدو أنه خرج مغاضبا و تجاوز النسوة الثرثارات ، و سمعتُ أحداهن تنادي علي الولد : رايح فين يا واد …؟ ليعقبه صوت والده و هو فوق البلكونة كما استنتجتُ ، و ساءني أن شقتي ليس بها بلكونة كي أطل و أشاهد المنظر . ثم ينبري الأب مخاطباً النسوة الجالسات: الواد دا مش عايز يجيبها لبر … كلما أقوله عيب كدا ما يصحش تزعِّل أمك …يروح نازل و ماشي . و بعد قليل يعود الإبن و يحادث النسوة: أنا ما عملتش حاجة … يرضيك كدا يا ست (فلانة) أنا ليا مين غير أمي و أبويا … بس هما مش عايزيني ( ـــــــ) … لم أتبين بقية ما قاله ، إذ أخذت النسوة يتحدثن بصوت واحد أضاع عليَ باقي القصة … ثم غادر الشاب مجددا و عادت النسوة إلي ثرثرتهن المعتادة حتي آذان الفجر …
• عم أحمد و رأس الحكمة
استيقظت في الصباح متعبا بالطبع ، و تبينت أن أيامي بالقاهرة أضحت معدودة ، فقلت لأذهب إلي الصيدلي في حي الدقي البعيد لآخذ منه الكتاب الذي وعدني به رؤوف مسعد ، نظرا لأني تسلّمتُ جواز سفري مثلما أوضحت تلك الموظفة اللطيفة في مكتب ” تأشير” عن طريق ” الكورير ” علي عنوان الشقة . و عرجتُ علي عم أحمد ، بائع العيش و الخضار ، و أبلغته إني مسافر بعد يومين تلاتة . كان المحل هادئا و كانت زوجته هناك تتعهد الخضار برشّات من الماء . و دعاني للجلوس علي كرسيه قرب طاولة العيش …و لكن للمرة الأولي انفتحت نفسه للحديث معي ، ربما تأثرا بسفري أو ربما انتبه أنه لم يعلق مطلقا علي ما جري لنا من هروب و نزوح ! من يدري ؟ …
حكي لي عن سفره لليبيا قبل سنوات و عمله سنتين هناك في مزرعة خضار لأحد الليبيين ، و كان كل شئ عال العال ، و لكنه لم يحتمل البعد عن أطفاله ، فقد كانوا صغارا … و عاد إليهم بمبلغ من المال لا بأس به …
سألته ماذا يفعل بعد انتهائه من العمل مع مغرب الشمس ، هل يجلس في المقاهي و يلعب الطاولة أو الضمنة ؟ فقال مستنكرا : ياعمي أنا مش بتاع قهاوي … مرة واحدة زمان قعدت أشرب شيشة و بعد شوية البوليس يطب ، كانوا بيدورو علي اتنين عتاولة من بتوع السوابق … و من يومها بطلت أقعد علي قهوة …
و سألته كيف يقضي مساءه … فقال : … بعد صلاة العشاء أقعد اتعشي مع العيال و بعدها اروح السرير و أقول شوية أدعية و بعدين أنام علي جنبي اليمين … نومة واحدة ما اصحاش معاها إلا علي أدان الصبح !
كدتُ أساله إن كان يروح السينما من حين لآخر ، و لكني أحجمت . و تذكرت حكاية تلك الكاتبة المصرية مع المرأة ” البلدي ” – أتعرفين ماركيز ؟! ” و لكني وبعد اختلافي إلي صنوف عديدة من البشر و من نواحي شتي ، أكاد الآن أقول و ببعض الثقة : أنني التقيت كثيرين – سودانيين و غيرهم – ممن لا يحبون السينما و ليست لديهم أدني علاقة بها و بثقافتها … بعضهم يعلنها بشجاعة و آخرين يخجلون عن الإفصاح … بل إنني و قبل سنوات قبل وفاة الشاعر الكبير محمود درويش قرأت له أنه لا يطيق أن يشاهد فيلما سواء في دور سينما أو في التلفزيون ! و أذكر مبلغ العجب الذي تملكني وقتها من هذا التصريح النادر !! ، و تدحرج أمامي ما قد كنتُ أتوهمه ؛ لما للثقافة و الأدب و الشعر من إرتباط عميق بهذا الفن السابع الذي حوي كل الفنون كما يقولون ، خصوصا الأفلام الروائية الإجتماعية التي تحاكي القصص و الأدب العظيم . بل و أسفتُ حينها حقا لدرويش وقلت : هكذا ! هو إذن لم يشهد روبرت دي نيرو و فيلمه التحفة “سائق التاكسي” و لا مارلون براندو و آل باتشينو في رائعة كوبوولا ” العرّاب ” ، و هل من المعقول أنه لم يسمع بيوسف شاهين و صلاح أبوسيف و عاطف سالم و داؤود عبدالسيد و محمد خان وأعمالهم المميزة .. بل هل ليست له دراية حتي بالممثلين المصريين من يوسف وهبي و زكي رستم و فريد شوقي مرورا بعادل إمام و نور الشريف و حسين فهمي و محمود عبدالعزيز ؟!! و غيرهم كثيرين ؛ من الممثلين و المخرجين و كتاب السيناريو العظام من مختلف أنحاء العالم ؟!!
و داخلني إحساس بأن عم أحمد سعيد بحياته … قد لا يكون لديه الوقت و المزاج لأي فن أو ترويح ! لا تشغله المسائل البعيدة عنه عن السعي اليومي لجلب الخضار بعد الفجر و الوقوف في المحل لمباشرة البيع ، تساعده زوجته أو ابنه ـ الولد الأكبر يعمل علي موتوسيكل بالديلفري كما افهمتني زوجته في مناسبة سابقة – و لا أظن أن كارثة ما قد تربكه كثيرا في القريب المنظور ، إلا إذا انفجرت حرب أو خطب كبير في المستقبل ! … فما حدث لنا قد يحدث لجيران مثلنا … فكل شئ جائز في هذا العالم العجيب !! ….
• صيدلية تطلُ علي ربوة و حديقة
وصلتُ الصيدلية مشياً لأكثر من ثلاثة كيلومترات من الشارع الكبير في الدُقّي . و كان الوقت قُبيل العاشرة ، و قبل خطوات من التوجه إلي مقابلة الصيدلي صديق الأستاذ رؤوف مسعد وقعت عيني علي ربوة و عليها أشجار باسقة من النخيل الملكي و أشجار أخري لا أعرف كنهها . و أخذتني روعة المنظر ، فيبدو أن هذه الجهة من حي الدقي مختلفة عن سواها ، و لبثت هناك دقائق علي الرصيف أتامل هذا اللاندسكيب الأخاذ من بعيد . فمن المؤكد أن القاهرة حافظت علي الأقل علي بعض طرازها الأوروبي القديم من جهة الحدائق و المنتزهات و لم تثنها الضوائق الاقتصادية الممتدة عن تعهدها بالرعاية و الصيانة …
دخلتُ الصيدلية الصغيرة المكتظة بالأدوية فاستقبلني صاحبها بالترحاب و طلب لي شايا أحمر من محل قريب ، و تطرقنا في الحديث إلي كيفية تعرف كل منا علي رؤوف ، وقلت له أنني لم أقابله شخصيا قط ، بل جري التعارف عبر الهاتف ، و كان وقتها قد استقر منذ فترة طويلة في هولندا مع زوجته … أما الصيدلي فقد التقي به في معرض القاهرة للكتاب قبل سنوات و كان حينها طالبا و قرأ رواية رؤوف ” بيضة النعامة ” و أعجب بها إلي أن التقي به في المعرض و صاروا أصدقاء …
ثم ران الصمت و لم يكن هناك ما نتحدث عنه … فالأقباط عموما مثل أصحاب الصيدلية في حي الهرم متحفظون جدا – إن صحّت العبارة بعيدا عن أي تعميم مُخلٍ – تجاه الغير و لا يبوحون بأفكارهم و ما في صدورهم إلا لأقرب الأقربين الحميمين ، و منهم المتعصب كذلك لطائفته و محدود الأفق مثل سائر الناس … رغم أن نصفهم أو كثيرين منهم قد يبدون في وضع معيشي أفضل بفضل التعليم و الانخراط من قديم في البيزنس و الأعمال التي تدر دخلا محترما ، مثلهم مثل أقرانهم في مدن السودان قديما …
و لكني لم أتوقع من صاحبنا هذا الكثير … فقطعا هو لا دراية له بما حدث لنا هناك جنوبا من كارثة و خراب ، و كرر سلوك بعض سكان القاهرة بعدم سؤالي عن ما جري في الجزء الجنوبي من ذلك النهر الأزلي الطويل و الخالد – عدا القليل من سواق التاكسيات – … فوجدت له العذر فإعلامهم المسموع و المرئي غير منشغل بقضية كهذه و يخفيها بعيدا في الدهاليز و الأدراج و الأضابير . ثم أنه قد يكون مهموما بأكل العيش … و محدودية الدخل … و قد لاحظت ذلك من تعامله مع الزبائن و ضيقه بأسئلة بعضهم و إلحاحهم … و قد يكون يحلم بالهجرة غربا إلي أوروبا و كندا و أميريكا ، أو إلي الجنوب الشرقي القصي إلي استراليا ، كسائر المصريين و سكان الشرق الأوسط الكبير ، أو كما فعل بعض الأقباط السودانيون منذ السبعينات و مابعدها … و قد طرأت لديَ خاطرة توقه للهجرة عندما رأيت صورته التي وضعها علي الواتساب و هو جالس في حديقة مقهي أوروبي في الغالب … وقلتُ متأسياً : لعله لم ير فائدة من الحديث أو التطرق لأمر كهذا مع شخص من أمثالي آتٍ من مجاهل القارة ” المظلمة ” … و لا يُرجى نفعا منه لتحقيق حلمه ذاك …
و عندما طال الصمت رأيت أن أستأذن .. فالمكان مكان عمل و لا تصح إطالة الزيارة … فناولني كتاب ” لمّا البحر ينعس ” و ودعته و خرجت علي أمل اللقاء إذا زرت القاهرة مستقبلاً ….
• إلي حي المعادي بالمترو
في أصيل ذلك اليوم نزلت من الميكروباص قرب محطة مترو الجيزة و أنا في طريقي إلي حي المعادي . كان شقيقي عمر في أوروبا قد اقترح عليَ زيارة صديقه القديم الدكتور حيدر إبراهيم علي ، فطرقَ اسم الحي ذكري قراءات مبكرة لروايات نجيب محفوظ ، لعلها الثلاثية و وصفه فيها لذلك الحي بالهدوء و ” الأرستقراطية ” . و في داخل المترو رأيت علي الخريطة المضيئة و المتحركة علي جدار العربة أن المعادي تقع علي بعد خمس محطات من الجيزة . و من المحطة أخذت تاكسي إلي العنوان المذكور . كان الغروب قد حل و أذهلتني حقاً الأشجار الكثيفة و المعمرة بشوارع و فسحات الحي و تخيّلتُ أن الحي ما هو إلا فلل هادئة حتي وقف بي التاكسي أمام مجموعة من العمارات العادية ، ولكنها ليست متلاصقة كعمارات حي الهرم …
و في شقة في واحدة من تلك العمارات استقبلني الدكتور حيدر و زوجته الأستاذة حياة و رحبوا بي كثيرا نظرا لعلاقتهم القديمة مع شقيقي عمر ، و بدا الدكتور حيدر في صحة جيدة و متوقد الذهن ، و كانت تلك هي المرة الأولي التي التقيه و قرينته ، و إن كثيرا ما طالعتني صورته في العقود السابقة ؛ في الدوريات و الصحف و المجلات الكثيرة التي كتب فيها ، دعك عن الكتب التي أصدرها ” مركز الدراسات السودانية ” المرموق الذي أشرف عليه في القاهرة في التسعينات أو في الخرتوم فيما بعد . و لا ننسي كتابه الرائع و الممتع عن رحلة حياته الثرة منذ طفولته مرورا بالعاصمة و معهد المعلمين العالي ثم المانيا – اعتقد مدينة ميونيخ – و جامعة الجزيرة و الخليج …
و حول صينية الشاى باللبن و البسكويت تحادثنا في شئون الحرب و النزوح و الهروب الكبير من العاصمة المثلثة و مآلات كل تلك الكوارث ، إلي أن حان وقت توديعهم بعد نحو ساعة و نصف ، حيث قضيت معهم وقتا طيبا قلّما حظيت بمثله في القاهرة …
… يتبع
*
fattah71@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم