تقنية الاستبطان الذاتي في الكتابة السردية

عبد المنعم عجب الفَيا

يميز النقد الأدبي بين مؤلف النص قاصا كان ام روائا، وبين الصوت الذي يستخدمه المؤلف في سرد أحداث القصة وروايتها. وهذا الصوت الذي يسرد ويروي ويقص وقائع القصة، يسمى السارد أو الراوي.
في القصص التقليدي، نجد أن النمط الطاغي هو السارد الذي يحكي ويصف عالم النص من الخارج مستخدما صيغة ضمير الغائب وهو بذلك ليس جزءا من عالم القصة، لكنه عليم بكل شيء حتى بما يدور في خلد الشخصيات وبما تحدثهم به نفوسهم.
فلو أخذنا على سبيل المثال رواية غابرييل قارسيا ماركيز (مائة عام من العزلة) نجده يستهلها بالقول: “تذكر الكولونيل أورليانو بوينديا، حينما كان يقف أمام كتيبة تنفيذ الإعدام، عصر ذلك اليوم البعيد، الذي اصطحبه فيه جده لمشاهدة الثلج لأول مرة في حياته”.
نلاحظ ان الصوت الراوي أو السارد في هذه الرواية يسرد وقائع القصة من خلال الإخبار عنها بصيغة ضمير الغائب من غير أن يكون هو نفسه جزء منها. وأكثر القصص والروايات من هذا النمط.
أما الصيغة الأحدث في السرد، فهي صيغة الراوي الذي يستخدم ضمير المتكلم في رواية الأحداث مخاطبا القارىء مباشرة، وهو بذلك يعد أحد الشخوص وجزء لا يتجزأ من عالم النص. نأخذ مثالا على ذلك رواية الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال)، التي يفتتحها بالقول:
“عدت إلى أهلي، يا سادتي، بعد غيبة طويلة، سبعة أعوام على وجه التحديد، كنت خلالها أتعلم في أوربا. تعلمت الكثير وغاب عني الكثير، لكن تلك قصة أخرى. المهم انني عدت وبي شوق عظيم إلى أهلي في تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل.”.
الراوي هنا يروي بضمير المتكلم، وهو شخصية رئيسة بل يمثل نقطة ارتكاز النص وبؤرة اندياحه. وهذه الطريقة في القص أو السرد محببة لدى القارىء لما فيها من حميمية في البوح، ولكن على القارىء ان يكون يقظا حتى لا يخلط بين الراوي أو السارد وذات المؤلف فيظن ان المؤلف انما يحكي عن نفسه.
وقد اتاحت هذه النقلة المهمة لفن القصة الإفادة من فتوحات علم النفس وتوظيف ما يعرف بالمونولوج الداخلي للراوي أو الاستبطان الذاتي. وقد ساعد هذا الأمر كثيرا في تطور وإثراء الفن القصصي بشقيه.
والمونولوج أو الاستبطان الذاتي أو “تيار الوعي” هو حوار الشخصية القصصية الداخلي في منطقة تداخل الأزمنة والذكريات وأحلام اليقظة والواقع والخيال في ذهن الإنسان. إنه حديث النفس للنفس حيث تتداعى الخواطر والذكريات دونما ترتيب، ويتداخل الماضي والحاضر في غير ما ترابط زمني للأحداث.
وقد دخلت هذه التقنية فن القصص العالمي في عشرينيات القرن الماضي، ويأتي على رأس من ادخلها مارسيل بروست وجميس جويس كاترين مانسفيلد فرجينا ولف، وذلك بتأثير مباشر من فتوحات علم النفس الذي بدأ في الظهور في تلك الفترة. ولكن لم تعرف هذه التقنية في فن القصص على نطاق واسع في الأدب العربي الا في عقذَد الستينات من القرن الماضي.
غير أن الأديب والناقد السوداني الفذ معاوية محمد نور، السابق لزمانه، كان قد تعرف على هذا الأسلوب في الثلاثينات من القرن، في وقت لم يكن قد عرف في أوربا نفسها على نحو كاف، وطبقه في كتابة قصة نشرها بجريدة (مصر) القاهرية في ١١ نوفمبر ١٩٣١ بعنوان (المكان: قصة تحليلية). وصفة تحليلية هنا يشير بها إلى التحليل النفسي.
وقد اشفع معاوية القصة بمقدمة نظرية تعريفية قصيرة عن هذا الأسلوب المستحدث في الكتابة السردية، يقول فيها:
“حينما فرغت من كتابة هذه القصة رأيت واجباً عليّ أن أعين القارئ العربي على فهمها لأن هذا الضرب من التأليف القصصي حديث العهد حتى في أوروبا نفسها وهو آخر طور من تطورات القصة التحليلية.. وقد انتشر هذا النوع في أوروبا منذ عشر سنوات تقريباً حينما أخرج مارسيل بروست الفرنسي روائعه القصصية كما عرف في أتمه وأحسنه عند كاترين مانسفيلد وفرجينا ولف”.
ثم يدلف إلى إعطاء صورة موجزة عن الفلسفة الجمالية لاستخدام هذا التكنيك الجديد في الكتابة السردية بقوله: “إن هذا الأسلوب الفني ليست مهمته تصوير المجتمع ولا النقد الاجتماعي، وليس من مهمته أن يحكي حكاية، وإنما يتناول التفاعلات الداخلية في عملية الإحساس والتفكير عند شخص من الأشخاص ويربط كل ذلك بموسيقى الروح واتجـاه الوعي”.
ويضيف هذا الأسلوب “يعرض الجانب الغامض في تسلسل الإحساسات واضطراب الميول والأفكار وتضادها في لحظة واحدة من الزمان عند شخص ما، كما أنه يصور ما يثيره شيء تافه من ملابسات الحياة في عملية الوعي وتداعي الخواطر، وقفز الخيال، وتموجات الصور الفكرية، ويمزج ذلك بنوع من الشاعرية والغموض العاطفي، فيخرج كل ذلك تحفة فنية حقاً”.
وأما قصة (المكان) نفسها، فموضوعها الاحساس بالمكان، من حيث هو، في نفسية الراوي أو السارد. وقد طبق فيها الكاتب مفهوم الاستبطان الذاتي بمعناه الحرفي. وعلى الرغم من أن الكاتب يستخدم ضمير الغائب في السرد الا ان الضمير هنا يعود على الراوي نفسه، فهو يروي عن نفسه. وفيما يلي هذه لمحات من قصة المكان:
“في المدرسة الابتدائية كان يرى حوائط المدرسة حينما تقترب العطلة الكبرى باهتة شايخة ويعاوده شيء من الإشفاق عليها، فلا يترك المدرسة يوم العطلة إلا بعد أن ينظر إلى كل حائط وكل شق ويذرع الحوش ثم يودعها ويلبث ينظر إليها وهو في الطريق إلى أن تغيب عن نظره”.
وفي “المدرسة الثانوية في الخرطوم، كان وهو في حجرة الدرس يكتب أو يستمع إلى المدرس تقفز به ذاكرته من غير أن يشعر إلى خرائب رآها قبل عشر سنوات في أم درمان ولا يعرف ما علاقة تلك الخرائب والأطلال التي لم يقف عندها في يوم من الأيام باللحظة الحاضرة”.
“فإذا ذهب لينام في الليل وسمع صوت البوري الذي يضرب لعشاء الضباط الانجليز ذهب خياله توّاً إلى من فقد من أهله وقرابته… وكان صوت ذلك البوري دائم الاقتران بصورة خاله الذي مات وهو لا يزال يذكر ذلك الخال حينما يذكره إلا على صورة واحدة ولو أنه رآه في مكان مختلف الصور والأشكال يذكره حينما كان معه في المولد النبوي في ليلة مقمرة في حركة واحدة واتجاه واحد بعينه!”.
“وكان إذا قرأ عن مكان أو سمع به تخيله ورسمه في مخيلته، فإذا ساعدته الظروف وذهب إلى ذلك المكان، رآه مثل ما تخيله حتى الوضع وأشياء دقيقة لا تلوح في خاطر إنسان وقد يدهش أحياناً حينما يزور مكاناً لأول مرة فيخيل إليه أنه قد عرف هذا المكان قبل الآن في حياة أخرى والكل يظهر أمامه كحلم غريب! “.
هذا وقد اخذت تقنية الاستبطان الذاتي في الانتشار والرواج في الكتابة السردية كما سبق الذكر، في الستينات. ومن أبرز الكتاب السودانيين الذين برعوا في استخدامها بعد معاوية، الطيب صالح.
وقد بلغ الطيب صالح في توظيف المونولوج الداخلي والاستبطان في رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) شاوا عظيما لا يجارى فيه ولا يبارى. وتاخذ الرواية قيمتها الفنية من هذه الانتقالات الانسيابية بين ازمنة القص المتدفقة في رشاقة وسلاسة، حتى لا يكاد يحسها القارىء. ويمزج بذلك بين الأصوات الساردة (الراوي والبطل) مزجا بديعا.
وقد فعل الطيب الشي نفسه في رواية (مريود) وعلى نحو خاص الفصل الاخير من الرواية الذي يحكي عن علاقة مريود مريوم. ومن القصص القصيرة التي ابدع فيها الطيب صالح عن طريق استخدام الاستبطان الذاتي قصة (الرجل القبرصي).
وبعد الطيب صالح نذكر من الذين برعوا في استخدم اسلوب المونولوج الداخلي من كتاب القصة القصيرة: على المك وعادل القصاص.
وعلي المك من رواد القصة القصيرة الحديثة في السودان، ويعد في أصحاب الأساليب التي لها بصمتها الخاصة المميزة. ويجمع اسلوبه بين جزالة اللغة ورصانتها وبين التعبير الحي المعاصر. وقد برع علي المك في توظيف تقنية المونولوج الداخلي أو تيار الوعي.
وإذا كان الضمير الغالب في المونولوج الداخلي هو ضمير المتكلم حيث يحكي الراوي عن نفسه، فعلي المك كثيراً ما يمزح بين ضمير المتكلم وضمير المخاطب وما المخاطب هنا سوى الراوي نفسه، فهو من فرط سخريته يحول ذاته إلى الموضوع يخاطبها ويتهكم عليها! سوف ناخد مثالين من قصص على المك. الأول قصته: (الشرب من كوب خشبي) والمثال الثاني قصته (كرسي القماش).
وكان علي المك قد نشر قصة (الشرب من كوب خشبي) أول مرة بكتابه (وهل أبصر أعمى المعرة؟) 1974 وهو مجموعة خواطر ومقالات، بعضها أقرب إلى القصص، ثم نشرها بكتابه (مختارات من الأدب السودانيي) 1975 ولكن بباب المقالات! إلى أن عاد ونشرها أخيراً بمجموعته القصصية (الصعود إلى أسفل المدينة).
والقصة في تقديري فلتة من فلتات السرد الحديث. أذكر قبل أسابيع من رحيله، ذهبت إليه في مكتبه بوحدة الترجمة والتعريب بجامعة الخرطوم وأخبرته أنني اخترت قصته (الشرب من كوب خشبي) من ضمن القصص التي اخترتها للنشر بالعدد الخاص الذي أصدرته مجلة (أدب ونقد) المصرية عن الأدب السوداني بعدد أبريل 1991- فعلق على ذلك قائلا: (يا أخي دي قصة عجيبة). حقاً إنها قصة عجيبة فأنا لم أقرأ حتى الآن أي قصة سيريالية- إذا صح هذا الوصف- تضارع هذه القصة ولا أعرف قصة ينطبق عليها وصف سيريالية كما ينطبق على هذه القصة.
والقصة رؤيا منامية، وبما كذلك، فقد كتبت بأسلوب أشبه بلغة الحلم، التي لا تخضع للترابط المنطقي بين المشاهد والصور. وقد تجلت في هذه القصة براعة علي المك القصصية وإتقانه لأدوات التكنيك القصصي من حوار ودراما ووصف ووصل فيها أسلوب التهكم والسخرية عنده إلى مداه.
وبذات المنوال أي منوال الاستبطان الذاتي والمونولوج الداخلي، ينسج علي المك قصة (كرسي القماش) وهي إضاءة للحالة السيكلوجية التي اعترت موظفا أحيل إلى المعاش إثر تقدم العمر، حيث اعتاد أن يجلس في الصباحات خارج بيته على كرسى من القماش بينما الناس في طريقهم إلى العمل، يتلقى تحية العابرين ويرد عليها مكرهاً ويغط في أحلام يقظته وأحاديث النفس:
“مع السلامة يا سيد فضل.. والله تعلمنا منك الكثير، سنفتقدك كثيرا”.
“وهل كنت محبوباً يا سيد فضل؟ أتذكر الصرامة والحزم وسؤالك الملح أبداً: لماذا تأخرت؟ هل نمت؟ آه هواء الصباح عليل يلذ فيه النوم؟ أم أن الخمر كانت قوية الليلة الماضية؟.. وكان مثل هذا الكلام يغيظ الأفندية ولكنهم يسكتون خشية عقاب، وأنت نفسك تخشى المدير، كل سيد وله سيد، حين كان يطل عليك أو يستدعيك تتصبب عرقاً وتجف. آه يا فضل حقاً قال لك: سنفتقدك؟ ابن الـ.. هذا الرجل لا يحسن كتاب خطاب أو مذكرة، ولم يعمل مع السلف الصالح من الإنجليز، يا سلام تذكر سميث وجونز وراندال.. والله لا يهم طالما كانت الخدمة كلها صائرة إلى انهيار كامل، وأين نحن من أيام السلف الصالح؟ هاصت والله، وأصبح سادتها أولاد الجامعات”.
أما عادل القصاص، فهو اسم على مسمى، عبقرية قصصية نادرة ظهرت في ثمانينات القرن الماضي. وهذه الحميمية الدافئة التي يستشعرها القارئ في نصوص عادل القصاص ترجع في تقديري إلى براعته الفذة في توظيف الاستبطان الذاتي أو تيار الوعي. ذلك انه من أهم مميزات هذا الأسلوب في الكتابة السردية كما ذكرنا، أنه يتيح للكاتب حرية مرنة في البوح والاندلاق مما يخلق جواً حميمياً في العلاقة بين السارد والقارئ الذي يحس أن الكاتب إنما يتوجه إليه بهذا البوح فيغمره إحساس بالصداقة والألفة والتعاطف مع السارد.
على أن هذه الحميمية التي يحسها القارئ من شأنها أن توهم القارئ فينسى فيخلط بين عالم الواقع والفن حينما يوحد في القصة بين ذات الكاتب والسارد أو الراوي، فيخيل إليه أن ما يبوح به السارد، تجربة شخصية عاشها الكاتب.
وكما أشار معاوية محمد نور، فإن هذا التكنيك في الكتابة السردية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالغنائية والشعرية لما يستبطنه من تأمل وبوح حميمي عن عواطف ومشاعر الأنا السارد. وهذا واضح جداً في كتابة عادل القصاص، فهي من فرط شاعريتها تكاد تكون كتابة شعرية.
على أن الشعرية في نصوص عادل لا تكمن فقط في اللفظة أو العبارة أو الجملة أو المقطع وإنما تتلبس الشعرية كل نسيج النص وجزيئياته ابتداء من عنوان النص ورسم المشاهد وإيقاع السرد وحركته وأسماء الشخصيات وبنائها ولغة الحوار والجو العام للقصة. فالشعرية عند عادل القصاص ليست هرباً من استحقاقات فن القصة أو خصماً عليها وليست تهويمات شعرية مجانية كما يفعل الكثيرون ممن يعدون أنفسهم من القصاصين.
ينبثق تيار الوعي أو المونولوج الداخلي في نصوص عادل القصاص، من انشطار الذات الساردة إلى ذات وموضوع أو بتعبير التحليل النفسي إلى “الأنا” و”الهو” فيما يعرف بحديث النفس للنفس، إذ يحول السارد ذاته إلى موضوع ليخاطبها بضمير المتكلم، فينهض السرد على زمنين، زمن أفقي هو زمن القص، زمن اللحظة الحاضرة، لحظة القص، وزمن آخر عمودي أو رأسي هو زمن الذكريات والرؤى وأحلام اليقظة. قد يسير الزمانان بالتوازي أو يتداخلان وينشبكان، يتماوجان، وذلك حسب حركة الوعي واضطراب الفكر وتفاعله مع الواقع والاحياء والأشياء.
خذ على سبيل المثال نص عادل القصاص: (نشيد التماسك أو زهراء التي تعرف كيف تضحك وحين تضحك يترقرق ضحكها في فمك)، حيث ينهض القص على مستويين متداخلين، الأول تبدأ به القصة ويمثل الزمن الأفقي (الخارجي) زمن السرد واللحظة الحاضرة حيث يجلس الأنا السارد في معقد بمركبة عامة وتأتي امرأة تجلس إلى جواره، في ذات المقعد، يستفزه عطرها الفلكلوري واختلاس النظرات إليه. فيهرب من تلك المرأة، بأذنيه إلى حوار ذاهب في الشجن والأبجدية بين رجلين في العقد السادس يجلسان في المعقد الذي يلي مقعده، يتذاكران رغد الحياة وسهولتها في زمن “عبود”، فيفجر فيه هذا الحوار تيار وعيه الداخلي، ويغرقه في التأملات وأحلام اليقظة والذكريات والأغنيات القادمة:
“وكان الأوان أوان مضاجعة السماء للأرض وكان وجهك مضرجاً بالمطر وبالوسامة وكنت مكدساً بهمك اليومي وبالقصيدة وكنت ممتلئاً بالتماسك حتى حدود حلمك النضيد.. من بعيد فاحت إلى أذنيك ضحكة زهراء وكانت زهراء حين تضحك يترقرق صوتها في فمك”.
“وكان الزمان ضنيناً وكان السعي حثيثاً لتهشيم الحلم وكنتم أربعة وحين يحاصركم الزمن الرديء بالتراكم كنتم تلجأون إلى بيت زهراء تجلسون في البنابر المقعرة تدارون أحلامكم بالعرق وبالقصائد وبالبكاء السري.. وكان النضوب قد تسلل إلى أحلام بعضكم، فتململوا”.
غير أن طرائق توظيف المونولوج الداخلي أو تيار الوعي في السرد تتباين بين الطريقة المباشرة حيث الأنا السارد، هو المخبر عن ذاته، وبين تقمص الأنا السارد للآخر ليقوم بدور المراقب في الإخبار عن وتصوير المونولوج الداخلي الذي يدور في وعي ذلك الآخر.
الطريقة الثانية هي التي يوظفها عادل القصاص في نص (المرآة تعادي الارتباك واللوعة المكابرة). يتألف النص من ثلاثة مشاهد: الأول قصير ويصور لحظة الجلوس أمام المرآة استعداداً للبوح الذاتي، والثاني طويل يجسد حالة الدخول في المرآة لتمثيل الكلام الذي عزمت تلك الفتاة مراراً أنها ستقوله لصديقها في المواجهة المقررة. أما المشهد الثالث والأخير، والقصير أيضاً، فيصور لحظة الانتباه وانتهاء التمثيل وحلم اليقظة، والخروج، لأداء الدور على أرض الواقع.
“جلست أمام المرآة أخذت تسوي شعرها بكسل ساهم حدقت في المرآة بشجن أليف وضعت وجهها بين راحتيها.. و.. ودخلت في المرآة”.
هكذا تبدأ القصة. ثم يبدأ البوح والاندلاق أمام المرآة: “اسمع أن هذا الكلام الذي أقوله لك مهم لدي إلى درجة قصوى لذا عليك ألا تقاطعني كي لا يشقق الارتباك ما أود قوله، ومع ذلك فها قد بدأنا إن هذه الجدية الرصينة والنقية قد أصابتني الآن بالارتباك !……”.
وبعد الفراغ من تمثيل المشهد أمام المرآة تنتهي القصة بهذا المشهد الأخير: “تمنت لو أنها تستطيع أن تقول له ذلك! كانت تعلم انه سبق لها مراراً أن قالت لنفسها ذلك الكلام ولكن بأشكال مختلفة، آه أيتها اللوعة المكابرة! لو فقط تستطيع ولو على نحو منقح! لو! لو .. انتزعت نفسها ببطء عدلت هندامها ألقت نظرة أخيرة أسيانة على المرآة حملت حقيبتها خرجت”.

عبد المنعم عجب الفَيا
٢٣ ديسمبر ٢٠٢٥

abusara21@gmail.com

عن عبد المنعم عجب الفيا

عبد المنعم عجب الفيا

شاهد أيضاً

جمال محمد أحمد وانتا ديوب والأصول الأفريقية للحضارة

عبد المنعم عجب الفَيا كتب جمال محمد أحمد:“.. الشيخ انتا ديوب، والشيخ هنا اسم علم، …