الجَبْهَةُ المَدَنِيَّة لابْتِنَاءِ السُودَانِ: مِنْ إدَارَةِ التَنَاقُضَاتِ الثَانَوِيَّةِ إلَى بِنَاءِ الدَوْلَةِ
The Civil Front for Constructing Sudan (Ibtina):
From Managing Secondary Contradictions to State-Building
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي، مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
مع دخول الحرب في السودان عامها الثالث، لم يعد السؤال المطروح هو: من سينتصر عسكرياً؟ بل السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل يستطيع المدنيون استعادة المبادرة، أم سيُترك مصير البلاد مرة أخرى لمنطق السلاح واقتصاد الحرب؟
لقد أثبتت التجربة، منذ ثورة ديسمبر وحتى اليوم، أن الانقسام المدني ليس مجرد خلل تنظيمي، بل عامل حاسم في إطالة أمد الحرب، وفي إضعاف قدرة المجتمع السوداني على فرض بديل وطني مقنع، داخلياً وخارجياً. وهذا ما عبّرنا عنه سابقاً بوضوح عند الدعوة إلى توحيد قوى الحرية والتغيير (قحت) قبل فوات الأوان. غير أن تطورات الحرب وانسداد الأفق يفرضان اليوم قفزة سياسية أوسع: الانتقال من وحدة تحالف إلى ضرورة تكوين جبهة مدنية لابتناء السودان.
لماذا لم تعد «فصائل قحت» كافية؟
الدعوة السابقة لتوحيد قوى الحرية والتغيير كانت، وما زالت، صحيحة في جوهرها، لأنها تنطلق من إدراك عميق لنتائج فشل التدرج في معالجة التناقضات الجوهرية والثانوية داخل المعسكر المدني. لكن الواقع اليوم أكثر تعقيداً بعد اقتراب حرب أبريل من عامها الرابع:
- الحرب لم تعد صراعاً على السلطة فقط، بل تحولت إلى منظومة متكاملة: سلاح، واقتصاد، وتحالفات أيديولوجية.
- الفاعل المدني (رغم الدور الكبير الذي تضطلع به صمود) انكمش بسبب انشغال مكونات الثورة بتناقضاتها الثانوية وإهمال التناقضات الجوهرية مع النظام القديم. وبالتالي فقدت القوى المدنية كيانات مؤثرة من لجان المقاومة، والمهنيين، والنساء، والشباب، والمجتمع المدني، والفاعلين الإنسانيين، والشتات.
- المجتمع الدولي لم يعد يبحث عن «تحالف سياسي»، بل عن شريك مدني قادر على التفكير في ابتناء الدولة السودانية، لا في التسوية فقط.
من هنا، فإن إعادة إنتاج قحت، حتى في أفضل نسخها، لن تكون كافية لمواجهة منظومة الحرب. المطلوب هو إطار أوسع، أكثر انضباطاً، وأقل قابلية للاختطاف: الجبهة المدنية لابتناء السودان (ابتنا).
ما الذي تعنيه «الجبهة المدنية لابتناء السودان»؟
هذه الجبهة ليست حزباً، ولا تحالفاً انتخابياً، ولا منصة لتقاسم السلطة. إنها إطار مدني جامع بالحد الأدنى، يتأسس على خمس قناعات مركزية:
- أن التناقض الرئيسي في هذه المرحلة هو بين المجتمع السوداني ومنظومة الحرب (الإسلاميون، أمراء الحرب، واقتصاد العنف).
- أن الخلافات بين المدنيين، مهما كانت حقيقية، هي تناقضات ثانوية يجب تجميدها مرحلياً.
- لا يسعى المشروع المدني إلى تفكيك الجيش، بل إلى إعادة بنائه من خلال حوار مدني-عسكري منظم، يُفضي إلى عقيدة موحدة، وإشراف مدني، واستعادة الشرعية الوطنية للجيش.
- أن الانتقال ليس «فترة انتظار»، بل مرحلة ابتناء دولة.
- تدعم الجبهة المدنية الضمانات المشروطة التي تُمكّن الجهات المسلحة من الانسحاب من الحياة السياسية، إلى جانب العدالة الانتقالية المتسلسلة التي تضمن المساءلة دون انتقام وتمنع الإفلات من العقاب وتكرار الحرب.
لهذا، فإن الجبهة المدنية لا تُبنى حول الأشخاص، بل حول مشروع: ابتناء السودان، أي إعادة بناء الدولة على أسس مدنية، تاريخية، وتعاقدية، لا على منطق الغلبة أو «التأسيس» بالقوة.
”الابتناء“ لا ”التأسيس“: أهميَّة ضبط المصطلح
استخدام مفهوم ابتناء السودان ليس ترفاً لغوياً. فالسودان ليس فراغاً تاريخياً يحتاج إلى «تأسيس» جديد على يد السلاح، بل كيان حضاري–سياسي جرى تشويهه واختطافه عبر عقود من العسكرة. الابتناء يعني:
- إعادة بناء السلطة على قاعدة مدنية،
- إعادة دمج الاقتصاد في الدولة بعد أن اختطفه اقتصاد الحرب،
- إعادة بناء المؤسسات قبل القفز إلى الانتخابات،
- وتجديد العقد الاجتماعي على أساس الحماية والشرعية.
بهذا المعنى، فإن وقف الحرب ليس نهاية المطاف، بل شرط البداية.
ما الذي يميز هذه الجبهة عن التجارب السابقة؟
1. وضوح الخطوط الحمراء:
- لا دور سياسي للسلاح،
- لا جيوش موازية،
- لا شرعية لاقتصاد الحرب،
- ولا مقايضة على جرائم الحرب.
2. الانضباط المدني:
الجبهة تشترط ميثاق سلوك واضح: رفض خطاب الكراهية، عدم العمل كواجهات لأي طرف مسلح، شفافية التمويل، والمساءلة الداخلية.
3. الاقتصاد كخيار سياسي مدني:
على عكس تجربة 2019–2021، التي شُلّت بثنائية زائفة بين «الإصلاح» و«الحماية»، تضع الجبهة الاقتصاد في قلب مشروع الابتناء: حماية سبل العيش، استعادة السيادة الاقتصادية، وبناء المؤسسات قبل التحرير الكامل، وإصلاح النظام اللامركزي والتحويلات الحكومية (Intergovernmental Transfers).
4. الانفتاح دون تمييع:
الجبهة مفتوحة لكل المدنيين المناهضين للحرب، بمن فيهم من أخطأوا سابقاً في الاصطفاف، شرط الالتزام الواضح بالمبادئ والميثاق.
العلاقة مع المجتمع الدولي: دعم لا وصاية
يدرك الفاعلون الدوليون الرئيسيون، بما في ذلك الرباعية (الولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، ومصر)، بشكل متزايد أن وقف إطلاق النار دون إطار مدني موثوق به لخلافة الحكم لن يؤدي إلا إلى إعادة تدوير الحكم العسكري. وتقدم (إبتنا) هذا الركن المفقود تحديداً: مركز ثقل مدني منضبط قادر على ترسيخ الضمانات، وإدارة معايير الانتقال، وضمان عدم استيلاء النخب المسلحة أو عودة الأنظمة الاستبدادية على نظام ما بعد الحرب مرة أخرى.
الانقسام المدني الحالي منح الخارج مبرراً للالتفاف على المدنيين والتعامل مباشرة مع العسكريين. الجبهة المدنية لابتناء السودان تسعى إلى عكس هذه المعادلة: تقديم شريك مدني منضبط، لديه برنامج حد أدنى، ورؤية انتقالية واضحة، يفهم أن السلام دون بناء دولة سيعيد إنتاج الحرب، ويندمج في المجتمع الدولي لتحقيق المنفعة المتبادلة (Win-Win).
الخلاصة: نداء مسؤول
إن تكوين الجبهة المدنية لابتناء السودان (ابتنا) لم يعد خياراً فكرياً، بل ضرورة وطنية عاجلة.
فإما أن يفرض المدنيون منطقهم على المرحلة، عبر جبهة جامعة ومشروع ابتنائي واضح،
أو سيستمر السلاح في فرض منطقه، وستُدار البلاد من أزمة إلى أزمة.
وإذا كانت وحدة قوى الحرية والتغيير خطوة لازمة، فإن الجبهة المدنية لابتناء السودان هي الخطوة الكافية.
هي الانتقال من سياسة ردّ الفعل إلى سياسة التصميم،
ومن إدارة التناقضات الثانوية إلى بناء الدولة،
ومن انتظار التسويات إلى صناعة المستقبل.
melshibly@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم