موازنة على الورق… ورواتب معلّقة في الهواء

بقلم: إدوارد كورنيليو

حين وقف وزير المالية أمام البرلمان ليعرض مشروع الموازنة الجديدة، لم يكن المشهد مجرد قراءة لأرقام ضخمة، بل صورة مكثفة لطبيعة الاقتصاد الوطني والتناقضات التي يعيشها الناس يوميًا. العجز المعلن بلغ 1.58 تريليون جنيه، الإيرادات المتوقعة 7 تريليونات، والإنفاق 8.58 تريليون. لكن خلف هذه الأرقام هناك قصص يومية: موظفون ينتظرون رواتبهم منذ شهور، أسر تبحث عن وسيلة لتغطية تكاليف التعليم والصحة، وأسواق ترتفع فيها الأسعار بلا توقف.

العجز ليس خانة حسابية؛ إنه يتجسد في رغيف أصغر، وزيت أغلى، ودواء بعيد المنال. حين يقول الوزير إن التمويل سيكون محليًا، فهذا يعني أن المواطن سيدفع الثمن عبر الأسعار أو الضرائب. القرار يبدو تقنيًا لكنه في جوهره سياسي واجتماعي، لأنه يحدد من يتحمل الأزمة ومن يبقى محميًا. أما بند الأجور والمرتبات المخصص له 1.90 تريليون جنيه، فلا ينعكس على الواقع؛ الموظفون يعانون من تأخير الرواتب، لتصبح الأرقام وعودًا معلّقة. في مكاتب الدولة، يجلس موظفون بلا دخل ثابت، بينما يسمعون عن موازنة تزعم أنها تدعم الاستقرار. هذا التناقض بين الورق والواقع هو قلب الأزمة.

توزيع الإنفاق يكشف الكثير. خدمة الدين التي تصل إلى 842 مليار تمثل استنزافًا مستمرًا، حيث تُدفع أموال طائلة للدائنين دون أن يستفيد المواطن منها. أما الإنفاق على البنية التحتية، ففي ظل غياب قاعدة إنتاجية وطنية، غالبًا ما يخدم مصالح شركات أجنبية ومقاولين مرتبطين بالطبقة الحاكمة. الأولوية الممنوحة لقطاعات الأمن وسيادة القانون تعكس الطابع القمعي للدولة؛ حيث يُوجَّه المال لضبط المجتمع بدلًا من تحريره اقتصاديًا واجتماعيًا.

السياسة المالية المعلنة تحمل طابعًا انكماشيًا. الوزير يقول إنها تهدف إلى كبح التضخم، لكن الانكماش يعني عمليًا تقليص الإنفاق الاجتماعي، تجميد الأجور، ورفع الضرائب غير المباشرة. المواطن لا يهتم بالمصطلح، لكنه يشعر به حين يتأخر راتبه أو حين تتراجع الخدمات العامة. الانكماش يضرب العمال والفلاحين أكثر مما يطال الرأسمال الكبير.

إعلان الحكومة عن ضريبة القيمة المضافة بنسبة 10% ابتداءً من العام المالي 2026–2027، حتى مع إعفاء الغذاء والصحة والتعليم، يعني تحميل الجماهير عبء تمويل الدولة. الضرائب غير المباشرة دائمًا ما تكون أقسى على الفقراء؛ لأنها تُفرض على الاستهلاك اليومي. المواطن الذي يشتري صابونًا أو ملابس سيدفع أكثر، بينما أرباح الشركات الكبرى تبقى شبه محمية.

الاعتماد على النفط يظل السمة الأبرز للاقتصاد. النفط يُنتج للتصدير، لا لتلبية حاجات داخلية. عائداته تُستخدم لسد العجز وتمويل جهاز الدولة، لا لتطوير قاعدة إنتاجية وطنية. أي توقف أو صدمة خارجية تؤدي إلى انهيار شامل، ما يكشف هشاشة البنية الاقتصادية. المواطن يعرف هذا جيدًا: حين يتوقف النفط، تتوقف الرواتب وتنهار العملة.

الوزير ربط الموازنة بالانتقال الديمقراطي والتحضير للانتخابات. لكن هذا الربط ليس بريئًا؛ الدولة تستخدم خطاب “الانتقال الديمقراطي” لتبرير سياسات تقشفية، بينما تُوجَّه الموارد نحو الأمن والسيطرة السياسية. الديمقراطية هنا تُختزل في إدارة الأزمة بما يحافظ على مصالح الطبقة الحاكمة، لا في تمكين الجماهير. المواطن يسمع كلمة “انتخابات”، لكنه في السوق لا يجد ما يربطها بحياته اليومية.

الموازنة ليست خطة لإنقاذ الاقتصاد أو تحسين سبل العيش؛ بل إعادة إنتاج لبنية التبعية والهيمنة. العجز يُلقى على كاهل الفقراء، الإنفاق يُوجَّه نحو الأمن والدين العام، الضرائب غير المباشرة تُحمَّل للجماهير، والنفط يبقى المصدر الأساسي للإيرادات. الأزمة ليست ظرفًا عابرًا، بل جزء من البنية.

النقاش حول الموازنة يجب أن يتجاوز الأرقام إلى الأسئلة الجوهرية: من يدفع ثمن الأزمة؟ من يستفيد من الإنفاق؟ كيف يمكن بناء اقتصاد وطني مستقل؟ كيف يمكن تحويل الموارد من خدمة الدين والأمن إلى دعم الإنتاج والخدمات الاجتماعية؟ هذه الأسئلة هي التي تحدد مستقبل البلاد.

في الأسواق الشعبية بجوبا، الأسعار ترتفع يومًا بعد يوم… بينما الأرقام في البرلمان تبدو بعيدة عن هذا الواقع. في الأحياء، موظف حكومي ينتظر راتبه المتأخر؛ بينما يقرأ في الصحيفة عن الموازنة الجديدة. في القرى، الفلاحون يواجهون صعوبة في الحصول على مدخلات الإنتاج… بينما الموازنة تتحدث عن مشروعات رأسمالية. هذه المشاهد الصغيرة تكشف أن الموازنة انعكاس لطبيعة الدولة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية.

النقطة الأساسية أن الموازنة تكشف عن الدولة كأداة لإدارة مصالح الطبقة المسيطرة. الأرقام ليست محايدة؛ بل تعكس بنية اجتماعية واقتصادية. العجز ليس خللًا تقنيًا؛ بل تناقضًا بنيويًا. الإنفاق ليس توزيعًا بريئًا للموارد؛ بل إعادة إنتاج لعلاقات القوة. الضرائب وسيلة لنقل عبء الأزمة، والنفط رمز للتبعية، والخطاب السياسي غطاء لإعادة إنتاج الهيمنة.

في النهاية، مشروع الموازنة القومية للعام المالي 2025–2026 يكشف عن أزمة عميقة في الاقتصاد الوطني. الأزمة ليست في الأرقام فقط؛ بل في البنية التي تنتج هذه الأرقام. المستقبل يتوقف على القدرة على طرح الأسئلة الجوهرية، وعلى بناء بدائل حقيقية: تحرير الاقتصاد من التبعية، إعادة توزيع الموارد لصالح الفئات الشعبية، وتحويل الدولة من أداة للهيمنة إلى أداة للتحرر.

tongunedward@gmail.com

عن ادوارد كورنيليو

ادوارد كورنيليو

شاهد أيضاً

عند تخوم هذا الصمت: حين يغني الوطن بصوتٍ واحد

بقلم: إدوارد كورنيليو في مساءٍ ثقيلٍ من مساءات الخراب، وقف أبو عركي البخيت على خشبة …