السُعودية والمُشكلة السودانية : إمكانية تصحيح علاقة المركز العربي بمُجتمعات الأطراف

زرياب عوض الكريم

  1. مَسألة سُودانية أم مُشكلة سُودانية ؟

المُشكلة الوطنية في السُودان ، هو مُصطلح ينطبق على مشكلة دولة مابعد الإستعمار في العالم الثالث ، مثله مثل المُشكلة البلقانية / الأفغانية / الجنوب-أسيوية / الإثيوبية / الماليزية / النيجيرية إلخ.

أي خصائص الصراع الإجتماعي السياسي حول إدارة الدولة. و أحياناً رسم هويتها (خلاف أيدلوجي).

مُشكلة السُودان الحديث (الدولة السودانية مابعد الإستعمارية) الذي تشكل و رُسمت حدوده التوسعية على أُسس خرائطية cartographic bases ، طبقاً لمبادئ مؤتمر برلين 1881 وسايكس بيكو لاحقاً (بين القوى الأوربية الكُبرى).

أنه فشل مُنذ عام (1942-1924) وصولاً إلى منتصف الخمسينيات ، في التحول إلى دولة وطنية علمانية فدرالية مُتعددة القوميات ، مُستوفية لمُتطلبات الدولة القومية الحديثة ، قومية مدنية كانت أم إثنية ، في نموذج سلام وعَقد ويستفاليا الأوربي – الدولي (1648) ، لخدمة شُعوبها المُتعددة وتجربتها المُتنوعة مع الإستعمار الإسلامي والأوروبي ، مُزدوجاً أو بالتناوب في القرن السادس والتاسع عشر الميلادي.

وبدلاً عن ذلك نشأت فيه حكومة أبرتهايد شوفينية ، مُعادية وخائفة من هُويات الأكثريات الإثنية الإفريقية ، خائفة من هوية الأقليات العربية وغير العربية المُنافسة لها ، بما فيه إثنيات الجنجويد (غرب السودان), والهوسا والتقريت والخلاسيين أصحاب الجذور التركومصرية (شرق السودان).

حكومة مُزدوجة الهوية الداخلية والخارجية ، إستمرت نحو سبعين عاماً كرستها في..

(1) إعادة إنتاج مُؤسسات بنية الإسترقاق العسكرية والإقتصادية في القرن التاسع عشر والعشرين (مؤسستي البازنجر والكنابي).

(2) شن الحروب ضد القوميات والأقاليم المُنافسة أو المُعارضة لحكومة القومية الشمالية التي أعلنت الحرب على الريف السوداني وإثنياته المتمردة عام (1955).

(3) تأليب العالم العربي ودول المركز العربية ضد الريف السوداني وشيطنته وتجريده من إنسانيته في الداخل والخارج.

(4) رفض التدخُل الخارجي لإنقاذ الشعوب المُنافسة والمُعارضة المُضطهدة. ورفض النقد السياسي لحالة حقوق الإنسان في البلد ، بما فيه الإبادة الجماعية والإثنية والتطهير العرقي ، الذي ظلت تقوم به الأحزاب الشمالية الخمسة بالتناوب ضد شعوب الأطراف أو الداخل السوداني.

اما المَسألة السودانية ، فهي تعبير عن (عقلية الإستحقاق) الكمبرادورية أو الإقطاعية ، المُتمثلة في مُطالبات طبقة الجلابة المرتبط تشكلها بالإستعمار التركو مصري ، يتم تعريفها لاحقاً ((الأنتلجنتسيا الإقطاعية الشمالية)) المُسيطرة.

مُطالبتها بالمُستعمرة السودانية كلها ، كجمهورية محاربين ، كدولة غنيمة وإستحقاق إجتماعي لمُحاربين إلى جانب الإستعمار ، إستناداً إلى ((عقيدة إستكشاف)) كولونيالية إسلامية تقول أن السودان المعاصر هو (أرض هجرات).

قبل أن تتملص من هذه المقولة political category ، لدواعي تكتيكية تتعلق بالهيمنة. وتتحايل على مُنافسة القوى الإجتماعية المهاجرة (المهاجرين الآخرين) بتبني خِطاب السكان الأصليين.

في إستعارة زائفة من (تحدي قرنق) Garangism – ثورة جون قرنق الثقافية (1983).

أو كأنها تقترض من خطاب حزب سانو SANU في الإستوائية , خطاب فيلب عباس غبوش (الحزب القومي) في جبال النوبا الغربية. إلخ.

ثُم تَذمُرهم الدائم من التدخُل الخارجي لمُساعدة الإصلاحيين (الإثنيات التي تتبنى خطاب الإصلاح السياسي الإجتماعي ).

من الإستقبال الخارجي لمُحاولات الإصلاح السياسي – الإجتماعي الجادة في الداخل ، للأوضاع الموروثة غير العادلة.

(صراع إجتماعي).

وقد قدم الجلابة الشماليون أو الإقطاعيين الشماليين ، أنفسهم كوكلاء محليين للنظام الرسمي العربي والعالم العربي في السودان وجنوب الصحراء ، وأنهم ينافحون عن الوجود العربي الأخير في الشتات الإفريقي. وأنهم مُهددون دائماً بالإنتقام الإفريقي (ثأر السكان المحليين) native vengeance ، بالإبادة على غرار زنجبار.

(براديغم تبريري للإفلات من المسائلة التاريخية والنقد الإجتماعي).

راجع :

خطابات الرئيس عمر البشير ومداولاته مع حكام الدول العربية الخليجية.

  1. لمحة تاريخية عن تشكيل النظام الرسمي العربي

مصر الخديوية والمملكة العربية السعودية الثانية في العقد الثاني من القرن العشرين (قبل أن يُعاد تشكيل نظاميهما السياسي (الجيل الثالث) من قبل الأمريكيين في الخمسينيات لاحقاً) ، مثلتا الهندسة الجيوسياسية البريطانية للشرق الأوسط مابعد العثماني.

وصولاً إلى الترسيم العملي لمُعاهدة التقسيم البريطاني – الفرنسي بعيداً عن روسيا وإيطاليا في مُؤتمر القاهرة عام (1924).

هذا الجيل الثالث بعد هندسة العشرينيات الجيوسياسية بريطانياً ، هو النظام الرسمي العربي (الحارس لحدود المُساومة الأوربية في نهاية الحرب العالمية الأولى) ، التي إنفردت بوراثتها الولايات المُتحدة الأمريكية في الأربعينات عقب الحرب العالمية الثانية.

ويمكن القول إنه جُزء من النظام السياسي العالمي مابعد الحرب العالمية الثانية ، المشغول بمجموعة من الهواجس المهددة.

من بينها منع عودة النازيين الألمان والعُثمانيين الأتراك والقوميين الآسيويين اليابانيين والقاجاريين الفرس . كما العمل على تقويض طُموحات الإمبرياليين الروس. وصولاً إلى الآحادية الإمبريالية عام (1994).

(منع العودة إلى فترة تعدد القوى الإمبريالية الأوربية والآسيوية 1800-1916).

السُعودية والقاهرة (جناحي المركز العربي) ، مهمتهما الجُزئية ، هي منع عودة هؤلاء جميعاً إلى الشرق الأوسط (الميتاعثماني). وحراسة النفوذ الأمريكي في أطرافه.

بناءً على ذلك تُركت للقاهرة الناصرية والسعودية الدينية الوهابية ، هندسة الأطراف. (نهاية الخمسينيات إلى الستينيات).

بما في ذلك إنتاج الجُمهوريات العربية في المشرق واليمن والسودان وشمال إفريقيا. بما أدى إلى قصقصة أطراف السلطنة المغربية في مراكش بسبب حدة الصراع بين النموذجين الجمهوري الوافد والملكي أو السلطاني المتجذر.

هذا قبل أن تدخل إيران الثورة الإسلامية ، على خط المنافسة لنفوذ المصريين في المشرق الذي تحاول البداوة النفطية السعودية ملأ فراغه.

(إعادة تشكيل النفوذ الإجتماعي من خلال نزع العثمنة (الهوية العثمانية)). deottomanization.

الجهود المصرية في السُودان منذ العشرينيات كانت قائمة على دعم فصيلين إجتماعيين , هما الإقطاعيين الشماليين والجنود الزنوج الذين تعود جذورهم إلى جبال النوبا وجيب البانتو السودانيين (دار الفرتيت). أو إثنية (الملكية) creole.

قبل أن يستعر التنافُس الإجتماعي بين هذين الفصيلين المواليين لمصر عام (1924). ولم يتغير النهج السعودي خارج دائرة إقتفاء المصريين وإختيارهم السياسي والأنثربولوجي.

  1. تعريف مَرض الأطراف في العالم الميتاعثماني (الشرق الأوسط)

مرض الأطراف في الشرق الأوسط الميتاعثماني peripheral disorder ، هو مرض ناتج عن محاولة بريطانيا تأليف وإنشاء دول قطرية من الولايات العثمانية السابقة بدون أسس تجانس ثقافية أو إجتماعية national subunits.

لهذا بقيت هذه الأطراف أو الهوامش والولايات وبعضها مختلق جيوسياسياً ، بقيت مأزومة , (أطراف بدون مركز منسجم مع تكوينها) peripheries without realy center.

وقد عُهدت إدارة هذه الأطراف إلى قوىً إقطاعية غير مُتجذرة أو مُستوردة أو مَصنوعة (ستراتيجية تصدير الملوك أو مملكة المنفى أو الهجرة السياسية).

ما جعل من تلك الكينونات والهويات والمجتمعات المقموعة مُجتمعات خاملة (خارج مفهوم الكتلة الإجتماعية الفاعلة).

بدل أن يؤدي زراعة وتجذير قوىً إقطاعية لا طليعية (فاعلة) إلى قيادة وتحريك هذه المجتمعات. (النموذج الخليجي ، المغربي).

هذه المرحلة هي مرحلة تحويل المُجتمعات المحلية المختلفة إلى شعوب خاملة. وخاضعة للنموذج الكولونيالي القسري الذي يمكن وصفه بأنه القومية القسرية أو الإستشراقية المحلية orientalist nationalisms ، بدلاً عن القومية المدنية.

تحويل الدول المستحدثة إلى سجون لشعوب كاملة. لهوياتها الداخلية ومجتمعاتها المقموعة.

من هنا إنشغلت القوى الإقطاعية والنيوإقطاعية التي زرعتها بريطانيا ولاحقا الولايات المتحدة في الخمسينات ، بقمع الهويات المحلية الكردية الأمازيغية والطائفية الشيعية الإسماعيلية الإباضية الزيدية البهائية الدرزية الخ. بحجة بناء قومية ودولة الأكثرية majority nationalism الخائفة من هويات الأقليات والتعدد الثقافي.

اننا هنا ، أمام قوميات أمنية قمعية حارسة لسايكس بيكو وملاحقها secro-nationalisms لا قوميات أكثرية. بما يستوجب تعريفها انها (القومية الحارسة) بدلاً عن المحاربة militant nationalism.

كان ذلك ، مدخلاً تفسيرياً لوقوف المركز العربي ضد الهويات الفرعية ، والقضايا المطلبية ، (جنوب السودان /ظفار/شرق ليبيا / غرب السودان /صوماليلاند) ، وأية محاولة لإعادة تشكيل لهويات سايكس بيكو الحارسة أو الأمنية.

بما فيه خذلان كشمير وتركستان الشرقية والروهينقا (بورما) وفطاني في تايلاند الخ.

  1. تاريخ المُهمة السُعودية في تمويل القوى الرجعية في السُودان

لعبت المملكة العربية السعودية مُنذ الملك فيصل (1964) في تمويل القوى المُعادية للدولة الوطنية في عصر المد الشيوعي السوفياتي ، الذي بدلاً أن يؤدي إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط ، أدى إلى ولادة قوىً قمعية جديدة للهُويات الدينية والتاريخية (اليسار العربي).

لكن بحُكم أن الطبقات الإقطاعية المُسيطرة في العالم العربي (غالبها من مُخلفات الإقطاعي الإسلامي) ، تحتكر التواصل الخارجي والعلاقات الخارجية ، فقد تلقفت الأيدلوجيا الشيوعية بشكل معكوس ولم تكتسب منها إلا الإلحاد والأدب القمعي – الأمني.

كان تمويل حزب الأمة الأساسي في الخمسينيات والأربعينيات بريطانياً. بينما تمويل الأحزاب الإتحادية وأحزاب يسارية أخرى مصرياً ناصرياً. والأحزاب البعثية تمويلها عراقي سوري.

اما فصائل غرب السودان وجنوبه فقد كان لثورة القذافي الثقافية في ليبيا دور مهم في تمويلها.
إلى جانب تدخلات من إريتريا وأوغندا (دول البحيرات). كما إيران التي دعمت الأحزاب الإتحادية وحزب الأمة بالتناوب.

ساهم التمويل الإسلامي السعودي لجماعة الإخوان المسلمين في السُودان ، في صناعة إقتصاد موازي على غرار إقتصاد حزب الله اللبناني بتمويله الإيراني. كانت أبرز معالمه (بنك فيصل الإسلامي) و(بنك البركة) إلخ البنوك والمصارف الإسلامية التي تم إستقطابها تباعاً.

وقد كان تمويل وإقتصاد منظمة الدعوة الإسلامية أكبر شريان مالي للإقتصاد الموازي للجبهة الإسلامية قبل 1989 وبعده.

وقد لعب التمويل الإسلامي السعودي والخليجي دوره ، في إنقاذ نظام الجبهة الإسلامية من أزماته الإقتصادية والقانونية (اللاحقة) ، في مجالس حقوق الإنسان والأمن والمنابر الدولية في قضايا الإبادة والنذابح التي ظل يقترفها ، وتقوم الدول الخليجية بتمويل إفلاته من المسائلة القانونية الدولية. كما هي قضية تُهم الإبادة في دارفور التي تحولت في الإعلام العربي إلى قضية أوكامبو. وقضية إغتيال حسني مبارك في أديس أبابا 1995.

  1. إمكانية وضرورة تصحيح الموقف العربي من الأطراف

يُمكننا القول إن التضامن العربي مع النظام الإقطاعي العسكري لجمهورية 1956، هو تضامُن جنائي بمحمولات ثقافية ، تقف وراءه نظرة إجتماعية لحماية الأقلية العربية في إفريقيا وتبرير نظام الأبرتهايد الذي يحمي جمهوريات الشتات العربي أو ممالك المنفى العربية ، خارج غرب آسيا والجزيرة العربية.

إلا أن هذا التضامن الإجتماعى الجنائي والتجسس من العدالة الانتقالية والتاريخية ((موقف أبوي بطريركي)) ، موشوجاً بالخوف من هويات الآخر otherness , ومُعارضة الإعتراف بالآخر بما يتضمنه ذلك من مُسائلة تاريخية contesting ونقد معرفي يهدم الرواية الأسطورية المُؤسسة لجمهوريات وممالك سايكس بيكو الزائفة (نموذج الوحدة القسرية).

يمتد إلى الخوف من جميع الشعوب الأصلية ماقبل الغزو العربي والإستعمار الإسلامي ، في محطات القرون السابع والثاني عشر والسادس عشر الميلادي.

من الكُرد والسريان والامازيغ والأقباط الخ. من (التعدد الإثني والطائفي عموماً). من شعوب وأطراف الإمبراطوريتين البيزنطية والعثمانية.

الخوف من إنكشاف أسطورة التعريب والوعي الأسطوري للغزاة القدامى. أمام سردية مقاومة الإستعمار الأوربي التي يتبناها (الإمبرياليين المقهورين) العرب.

الموقف العربي الرسمي من الأطراف والشعوب الأصلية أو غير العربية في العالم الميتاعثماني (العربي) ، هو موقف (بعد نفسي) ، يتجلى في مُحاربتها وعدم الإعتراف بها ، إلا من خلال وصاية (القوى الإقطاعية) الوكيلة للمشروع الإمبريالي أو الفاشي العربي (إستعادة المجد المتخيّل للتوسع الأموي). أو القوى الكمبرادورية التي ترفع بيرق العروبة.

مُعالجة هذا ، يتطلب مُراجعة السردية الإستشراقية الكولونيالية البريطانية الرئيسية عن (عالم ميتا عثماني عربي) مُتخيّل. وجماعة ميتا عثمانية عربية متخيلة.

مُراجعة الأساطير السياسية المُستقرة في الإعلام والجهاز الايدلوجي الإستشراقي الأوربي ، بما فيها الرواية الأسطورية المُؤسسة لجمهوريات وممالك سايكس بيكو (القومية الميتاعثمانية العربية) التي إختلقها البريطانيون.

يتطلب تفكيك كما نزع الأسطرة (الأسطورة) العربية الزائفة ، أسطورة الدولة العربية الحارسة للكولونيالية الإسلامية والماسونية الأمريكوبريطانية في المركز.

يتطلب نزع تحريفية الإمبرياليين المقهورين ، في مقاهي دمشق والقاهرة (حارسة التقاليد الكولونيالية الإسلامية) وخيام تكريت. في كتاتيب (فزان) و (شنقيط). في سرايا (قصور) تونس وطرابلس الغرب وتعز اليمانية.

في سبيل الخروج..

من مأزق الإنحياز الإستشراقي والتأثير الكمبرادوري للحلفاء المحليين.

مأزق الإنحياز الإستشراقي العربي المُسبق .. ، ضد القوميات الثقافية (المندمجة) , والشعوب الأصلية (المتجذرة) , المُنافسة للقومية العربية (الوافدة).

  • وحتى تكتسب الوساطة العربية (مصداقيتها الإنسانية) أولاً ..

(من تُهمة الإنحياز العرقي).

بما يتطلب..

الوُقوف على مسافة واحدة من أسباب الحرب الأهلية الإجتماعية في السُودان والأطراف العربية الأخرى ، مسافة سياسية مُحايدة من الإختلاف الثقافي والصراع الثقافي الإجتماعي (الطبقي) ، وطُموحات المجموعات البرجوازية والطبقات الأخرى في هذه الدول العربية (ميتاعثمانية) ، الهامشية والمركزية منها.

Northernwindpasserby94@gmail.com

عن زرياب عوض الكريم

شاهد أيضاً

إعادة إحتلال غرب السودان : سردلوجيا مُجتمعات الخارج في مواجهة مُجتمعات الداخل

زرياب عوض الكريم تقديممُجتمعات دارفور وكردفان في مأزق الإحتراب الشامل المُهمة الأساسية لهذه الرسالة الموجزة …