osmanmsalih@hotmail.com
عثمان محمد صالح
عندما كان الجنجويد في أوج بأسهم أعجبتهم قوتهم وكثرتهم وتدفق السلاح والرجال والعتاد عليهم عبر الحدود فانتشروا كالنمل الاحمر لايبالون بشيء وكأن أرض السودان فد جعلت لهم وحدهم مهاداً ليناٗ مبسوطاً، يبثون فيها الرعب، وينشرون الفوضى، ويفسدون الحياة. مخاتلون لايراعون حَدَّاً ولايحفظون عهداً يهدمون وينهبون ويقتلون ويحرقون وينتهكون المحرمات. يبطشون بالضحايا من المدنيين في كردفان ودارفور والخرطوم والجزيرة وسنار. يجسدون مثالاً للطغيان الذي لايسلم من أذاه أحد حتى الذين ارتضوا القيام بدور الخائن المتعاون الذي يدلَّهم على البيوت والأموال والنساء والطريق. ولما ذاع خبر ذلك البلاء القادم كالدهمة، أصاب الناس في قريتي في سهل البطانة خوف مما سمعوه عن نية الجنجويد في الهجوم على حلفا الجدبدة عن طريق بلدة الرتاجا سالكين اليها درب الخلاء الترابي الذي يمر بعيداً عن نقاط تمركز الجيش. وصار ذلك الهجوم المتوقع هو حديث الجميع في تجمعاتهم أمام البيوت والدكاكين وتحت الرواكيب وفي المركبات العامة وفي طابور الخبز. وأخذ اليأس يتسرب إلى النفوس مرسخاً القناعة بأن ظهور طلائع الجنجويد على مركباتهم القتالية في أطراف الحواشات والترع هي مسالة وقت. في تلك الظروف تفاقمت معاناة أهل القرية مع حرارة الطقس وانقطاع امداد الكهرباء والماء، عندها لم تجد امي بدا من ادارة مُوَلِّد الكهرباء. فعلت ذلك فسبح بيتنا في أضواء الكهارب في ليلة كان فيها الشارع الذي يطلُّ عليه غارقاً في الظلام. بدا بيتنا للناظر من بعيد ينبعث منه الضياء وهدير المولِّد كسفينة مضاءة تبحر في العتمة. من تلك العتمة أطلَّ وجه جار لنا كان مسرعاً يغذُّ الخطى قادماً من نادي البرش وهو ثلة أُنس يعود ظهورها إلى الثمانينات من القرن الماضي يلتئم عقدها في كل يوم بعد صلاة المغرب في منتصف القرية على أبسطة مضفورة من السعف مفروشة في المسافة بين المسجد وسقيفة مشيَّدة من القش والحطب يدعوها أهل القرية براكوبة شعبان. في نادي البرش هذا يتداول الحاضرون كل شيء من السياسة إلى الاجتماع وفيه ولدت أطرف الحكايات التي ذاعت وأسعدت أجيالاً من السامعين. كان جارنا في طريقه إلى داره عندما صادف امي عائدة من بيت جارة لها فحيَّاها ثم خاطبها قائلاً في نبرة المتشائم مما تخبئه الايام : ما هذا الذي فعلتموه بالمولد؟ أهذا وقت تديرون فيه المولِّد والجنجويد قادمون؟ ألا تعلمون أنهم قادمون؟ إذا وصلوا قريتنا فانهم قطع شك مهتدون الى بيتكم في الحال. سيبدأون الشفشفة بكم. ستدعوهم الكهرباء ويناديهم صوت المولد. البقاء في الظلام أفضل.
لست أدري بماذا أجابته امي قبل أن ينصرف ويبتلعه الظلام ، ولا كيف تصرفت في تلك الليلة. وماذا صنعت للمولِّد الملعون، مولِّد السجم والرماد الذي ينده الجنجويد ويرشدهم بهديره وضيائه المرسل الى الطريق كأنه فنار. فإذا اطفأت امي المولد كان ذلك ووباً، وإذا تركته يهدر في الليل صار الووب ووبين. (كلمة ووب هي صرخة تطلقها المرأة في شمال السودان للتعبير عن الفجيعة وهي مصدومة تنوح لفقد عزيز لديها). أغلب الظن أن امي حاولت ماوسعتها المحاولة أن تتماسك وتبتسم في وجه القدر في ارتباك، لكن من المؤكد أنها لم تنم ليلتها من الهم والخوف حالها كحال كثير من السودانيين الذين دخلت بسبب استباحة الجنجويد لبلدهم سوسة الأرق في حياتهم.
عثمان محمد صالح،
تلبرخ، هولندا
14.02.2026
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم