أ. د. مصطفى زهير الحسن
• في ظلال بشير عبد الماجد تتخفف الكلمات من قيود الشرح، وتكتفي بأن تكون هي دليلها الأصدق. فقد سُئل يوماً عن مناسبة إحدى قصائده – كنوز محبة – هذا النصّ الشفيف، فابتسم وقال: “أنا أُفضِّل أن تُسأل عنها القصيدة.”
• جوابٌ مكتمل المعنى، يفتح باب الدهشة ويمنح القارئ فسحة الاكتشاف، فلا يحتاج من يقرأ لبشير إلى الاستعانة بصديق؛ إذ إن النصّ نفسه يصبح الرفيق، يفتح أبوابه لمن يطرقه بصدق، ويكشف أسراره لمن يُحسن الإصغاء.
• ويروي الدكتور بشير عبد الماجد حكاية قصيدة “كنوز محبة” قائلاً:
o كنت في بخت الرضا في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي، وأسكن مع صديقي أحمد محمد صالح. ذات يوم خرج للنادي وعاد ليجدني أمام ورقة كتبتُ عليها بعض الكلمات، فقرأها بتمعّن كما لو كان يلتقط موسيقى خفية بين الحروف. ثم عدنا إلى بورتسودان، مسقط رأسنا، حيث الهواء يحمل رائحة البحر وذكريات الأيام القديمة. التقينا بعد ذلك بأصدقاء مقرّبين، نشارك لحظات الشباب ودفء الصداقة.
o أتذكر يوماً دعانا فيه لقمان لعشاء في مطعم جديد اسمه البستان. أثناء العشاء همس أحمد محمد إسماعيل مبتسماً: “أعرف أنك تكتب الشعر… كنوز محبة … يجب أن نسمعها منك!” طلب مني أن أقرأها، ثم قال أحمد إسماعيل: “اكتبها الآن!” حاولت التعلّل بعدم وجود ورقة، فما كان منه إلا أن أخرج قلماً وقلب قائمة الطعام فقدّمها لي لتكون ورقة للكتابة … فملأتها أمامه، وكأن اللحظة صارت ورقة زمنية تحبس عبير الحروف.
o ثم عدنا إلى بخت الرضا، وذات يوم هادئ كنت جالساً في البيت حين انساب صوت المذياع معلناً: زيدان إبراهيم يقدّم أغنية جديدة، من تلحين بشير عباس، وكلمات بشير عبد الماجد. وكان الوالد – رحمه الله – على قيد الحياة، معلماً للغة العربية والدين، وتبدو المفارقة الجميلة أن يكون ابنه كاتباً للشعر؛ كأن اللغة نفسها اختارت مسارها لتمنح الكلمات جناحين تسافر من دفتر صغير إلى أذن كل مستمع.
• والشاعر بشير عبد الماجد، ابن بورتسودان، أشرقت حياته في المتمة نهاية الثلاثينات، كأن الميلاد جاء على موعدٍ مع نهرٍ يعلّم الكلمات سلاستها، وبحرٍ يهبها سعتها. درس الأدب حتى تشبّعت روحه بموسيقى اللغة، فنال ليسانس الآداب من جامعة القاهرة فرع الخرطوم، وأتمّ دراساتٍ عليا في التربية، حيث تعلّم أن الكلمة رسالة قبل أن تكون زينة. ثم توّجت جامعة أم درمان الإسلامية مسيرته بمنحه الدكتوراه الفخرية في التربية، اعترافاً بعطاءٍ جعل التعليم شعراً آخر يُدرَّس بالحضور والقدوة.
• تنقّل معلّماً للغة العربية بمدرسة بورتسودان الأميرية الوسطى في مطلع الستينيات، ثم في معهد التربية بكسلا، وكلية المعلمين في بخت الرضا؛ وكان حيث حلّ، يزرع في الصفوف بذور البيان، فتثمر فهماً وذوقاً. ولم تقف رحلته عند حدود الوطن، إذ انتُدب لتدريس العربية في جمهورية الصومال، حاملاً لغة الضاد كقنديلٍ يهدي ويؤنس.
• وله عددٌ من الدواوين الشعرية المخطوطة، تحوي قصائد متألقة بالعربية الفصحى، ونصوصاً تشهد أن الشعر حين يُكتب بصدق، لا يحتاج إلى مناسبة تُشرح، بل إلى قلبٍ يُصغي. وأن الخيال، إذا تزوّج المعرفة، وُلد السحر؛ فتنساب الكلمات كأنهار من نور، تحيط بالقارئ فتأخذه في رحلة بين الواقع والخيال، حيث يهمس كل حرفٍ للروح ويزرع فيها بذور الإلهام التي لا تذبل.
• أما عنّي، فلقد أخذتُ وقتي طويلاً وأنا أتأمّل بشير عبد الماجد في مراحلي كلّها: طفلاً يلتقط الإشارات الأولى، وشاباً يتعلّم الإصغاء، ورجلاً يزن الأشياء بميزان التجربة. فلم يكن بشير شخصاً عابراً في الذاكرة، بل كان كياناً قائماً بذاته؛ قمّةً في الأدب، وقمّةً في الهدوء، وقمّةً في الهيبة التي لا تُصطنع ولا تُعلن عن نفسها.
• التقيتُه كثيراً، لا مصادفةً ولا تكلّفاً، بل بحكم القرابة؛ فهو خالي، وكانت والدته، رحمها الله، موضع ودٍّ ومحبة، وكان دائم الزيارة لخالته، جدّتي، في منزلها. هناك، في ذلك الفضاء العائلي الدافئ، رأيت بشير على سجيّته: صمتٌ ناطق، ووقارٌ لا يثقله ادّعاء، وحضورٌ يسبق الكلام ويغنيه.
• وأشقّاؤه – صورةٌ طبق الأصل منه – يشتركون معه في هدوء الطبع، وطيب المعشر، وسموّ الخلق؛ كأن البيت الذي خرجوا منه علّمهم أن القيم لا تُرفع بالصوت، بل تُحفظ بالسلوك. هكذا كان بشير في عيني: أدباً يُعاش قبل أن يُكتب، وهدوءاً يُطمئن قبل أن يُدهش، وهيبةً تفرض احترامها بلا طلب.
• إن مضامين كنوز محبة جديرة بأن تُقرأ على مهل، وأن تُوزن بميزانٍ شديد الحساسية؛ ميزانٍ لا يرضى إلا بصدق العبارة، وبهاء الجملة، ونقاء الشعور. فهي ليست كلماتٍ تُقال، بل إحساسٌ يُستدعى، وصورةٌ تُرى بالقلب قبل العين.
• من مطلعها تنفتح الجماليات مترفةً، كأن اللغة ارتدت حلّتها الأجمل، فقال بشير عبد الماجد:
لما تشتاق للمشاعر
تملأ دنياك بي عبيرا
ولما تشتاق للعواطف
تنسجم تلبس حريرا
• هنا لا تعود المشاعر معنىً مجرّداً، بل تتحوّل إلى عطرٍ يُملأ به الوجود، وإلى حريرٍ تلبسه الروح حين تنسجم مع ذاتها. ثم يمضي السؤال أعمق، لا يبحث عن الخارج، بل ينقّب في الداخل:
أبقى أسأل عن قلوبنا
تلقى فيها كنوز محبة
• فتجيء الإجابة سخية، متدفقة، لا تبخل بالدهشة:
تلقى فيها بحور حنان
وتلقى فيها الشوق يغني
وتلقى فيها الريدة فاردة
جناحا تشتاق للربيع
• إنها قلوبٌ ليست أوعيةً، بل فضاءات: بحورٌ، وأجنحة، وربيعٌ مؤجّل. وفي هذا الصدق العاري من التكلّف تكمن قيمة النص؛ فهو لا يصف الحب، بل يكشفه، ولا يتغنّى بالمشاعر، بل يطلقها لتغرد كما تشاء.
• ومع عود بشير عباس، ودفءِ صوت زيدان إبراهيم، ازداد الألقُ ألقاً، وتدفّقت المشاعر، وانسربت جداول الروعة في أبياتٍ أخرى من كنوز محبة؛ كنوزٍ وُرِفَت أغصانها بالمشاعر الصادقة، وأظلّت السامع بطمأنينةٍ نادرة.
• هنا، يتقدّم الليل لا بوصفه زمناً، بل امتحاناً، وتطلّ الوحدة بوجهها الأشد قسوة، فتجيء الكلمات مواسيةً ومكاشِفةً في آنٍ معاً:
لما تقسو عليك ليالي الوحدة
والليل يبقى ليل
والنجوم تلمع بعيد
تسخر من السهران وحيد
• ثم لا يتركك النص معلّقاً في العتمة، بل يعيدك إلى الأصل، إلى القلب بوصفه ملاذاً لا يخون:
برضو أسأل عن قلوبنا
إنت ما برضك حبيبنا
والحنان الفي قلوبنا
أصلو نابع من عيونك
• بهذا التآلف بين العود والصوت، بين الكلمة واللحن، تتحوّل الوحدة إلى جسر، والليل إلى مسافةٍ قابلةٍ للعبور، ويغدو الحب – كما أراده بشير – جناحين مفتوحين على ربيعٍ لا يخلف وعده. هنا، تصبح المحبة فعلاً فطرياً، لا ادّعاء فيه ولا تصنّع؛ تنبع من العيون قبل الألسنة، ومن النظرة قبل العبارة. ثم يمضي المعنى إلى ذروته الأخلاقية، حيث لا مكان للمساومة في الشعور:
والمحبة الفيها لو ما إنت
ما كانت محبة
• كأن الشاعر يضع تعريفاً قاطعاً للحب: حضورك شرطه، وغيابك ينقض معناه. ويختم هذا المقطع بإجمالٍ شفيف، يضمّ المشاعر كلّها في عقدٍ واحد:
كل أشواقنا ومشاعرنا
وأحساسينا وعواطفنا النبيلة
أنت ما أهديتا لينا
وكيف نضيع؟ أحلى ما أهديت يا غالي
• إنه خطابٌ لا يطالب ولا يخاصم، بل يعترف ويصفح، ويكشف عن شاعرٍ يرى في الصفح سموّاً، وفي اللطف قوّة، وفي المحبة أصلاً لا يُستعار ولا يُفتعل.
• وإن كان بشير عبد الماجد قد خُلِّد في الوجدان بـ كنوز محبة، فهو – بلا ريب – خالدٌ قبل ذلك في قلوب محبّيه وأهله، وفي زاويةٍ نقيّة من الذاكرة الإنسانية، بما اتّسم به من جميل الخُلُق، وسلامة الفطرة، وتسامي الروح عن صغائر الدنيا ومغرياتها. لم يكن كبيراً بشعره وحده، بل بإنسانيته التي سبقت القصيدة، وبحياته التي جاءت شرحاً عملياً لما كتب.
• لقد مضى إلى ربٍّ راضٍ غير غضبان، ومضى طيّب النفس؛ وطيب النفس لا يخفى، تفضحه طِيبُ الفعال، وتشهد له حُسن الخصال. كان صفاؤه يُرى في صمته، وسموّه يُلمس في حضوره، وتواضعه يرفع قدره أكثر مما تفعل الأضواء.
• رحم الله بشيراً رحمةً واسعة، وجعل ما قدّم من حبٍّ وصدقٍ وشعرٍ في ميزان حسناته، وبشّره بجنّاتٍ عرضها السماوات والأرض، جزاءً لنفسٍ عرفت المحبة، وعلّمتها، وعاشت بها حتى آخر الطريق.
(النهاية)
للتواصل عبر خدمة البريد الإلكتروني
(m.alhassen2018@gmail.com)
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم