محمد عبدالله
muhammedbabiker@aol.co.uk
قبل سنوات تداولت بعض الصحف السودانية خبرا بدا عابرا، كغيره من الاخبار التي تمر في بلاد انهكتها المفاجآت. تقول الرواية ان نفرا من اعراب شبه جزيرة العرب طلبوا من رعاة سودانيين ان يقيموا حلبة مصارعة للتسلية وقضاء الوقت، بينما يجلس ملاك الابل يحتسون القهوة ويضحكون على المتصارعين. لم تكن المصارعة لعبة بريئة، فقد انتهت بمصرع احد الرعاة، وسجلت الواقعة ثم طويت كما تطوى صفحة قديمة في جريدة الامس.
لم يهتز ضمير عام، ولم ترفع قضية، ولم يسأل سؤال. وكأن الدم كان جزءا من المشهد العادي، او تفصيلا صغيرا في متعة عابرة.
تذكرت تلك القصة وانا اراقب انشغال بعض الدول العربية بحرب السودان، واتأمل درجات الاهتمام والفتور في اسبوع واحد: بيانات شجب سريعة، دعوات وساطة مستعجلة، لقاءات خلف الابواب، وصور دبلوماسية مبتسمة. راودني شعور ثقيل بان بعض القادة ينظرون الى السودان واهله كما نظر اولئك الاعراب الى الرجل التعيس في الحلبة: مشهد للتسلية السياسية، او ورقة في لعبة موازين القوى، او ساحة لتصفية حسابات.
ليس من الانصاف ان نلقي اللوم كله على الخارج. فالناس تحكم علينا بما يرونه منا. وان كان هناك لوم حقيقي، فهو علينا قبل غيرنا. ادرنا شؤون بلادنا بقدر كبير من الطيش، وبددنا فرصا كان يمكن ان تغير مسارنا. جانبنا الرشد كما نقول في عاميتنا يوم وضحوة، وتركنا الدولة فريسة للتجاذبات، حتى صار العالم يقرأ اخبارنا كما يقرأ حكاية بعيدة، لا كمأساة تمزق شعبا حيا.
الموجع ان ترى بعضنا يحتفي بتدخل هذه الدولة او تلك، كأن الخلاص سيأتي في بيان خارجي، او في زيارة مبعوث خاص. هذا يصفق لدعم معلن، وذاك يراهن على اشارة خفية، بينما البلاد تتآكل والعالم في اغلبه يراقب.
اذا اردنا الحديث بجدية عن المخارج، فهناك ثلاثة مسارات تلوح في الافق.
المسار الاول هو تدويل كامل للازمة. تنتقل الملفات الى عواصم اخرى، وترسم الترتيبات في غرف بعيدة، تحت ضغط العقوبات او اغراءات الدعم والاعمار. قد ينجح هذا الطريق في وقف اطلاق النار لبعض الوقت، لكنه يترك خلفه تبعية ثقيلة. التسويات التي تولد خارج السياق الوطني غالبا ما تعالج السطح وتترك الجذور، وتؤجل الانفجار ولا تلغيه.
المسار الثاني هو انهاك الجميع. تستمر الحرب حتى يتعب المتحاربون، فيقبلون بتسوية اضطرارية لا غالب فيها ولا مغلوب. لكن هذا النوع من السلام يدفع ثمنه المواطن البسيط، وتدفعه البنية الاجتماعية والاقتصادية التي تتآكل يوما بعد يوم. هو سلام يولد من التعب لا من اقتناع، ولذلك يكون هشا وقابلا للانكسار.
يبقى المسار الثالث، وهو الاصعب لكنه الاكثر جدارة بالمحاولة: حل سوداني حقيقي، يتعلم من اخطاء الماضي ولا يكررها، وينظر الى المستقبل بعين مفتوحة. حل يعترف بان ازمتنا ليست مجرد صراع على السلطة، بل نتيجة خلل عميق في بنية الدولة، وفي علاقة السياسة بالسلاح، وفي توزيع السلطة والثروة، وفي ضعف العقد الذي يجمع السودانيين.
لا اتحدث هنا عن شعار عاطفي حول الاعتماد على الذات، بل عن رؤية عملية تدرك ان الدعم الخارجي يمكن ان يساعد، لكنه لا يجب ان يقرر عنا. يمكن للاشقاء والاصدقاء ان يسهموا في التيسير والضمان وتخفيف المعاناة، لكن صياغة العقد الجديد يجب ان تكون سودانية، نابعة من حوار واسع لا يقصي احدا، ويضع اسس العدالة والمساءلة وبناء مؤسسات مدنية حقيقية.
تعلمنا تجاربنا القريبة ان الاستقواء بالخارج ضد الشريك الوطني يترك جروحا طويلة، وان البندقية قد تحسم معركة لكنها لا تبني دولة، وان اي انتقال لا يقوم على قواعد واضحة للعدالة يظل معلقا ومهددا.
الحل الذي نحتاجه ليس اجتماعا شكليا للنخب، بل عملية سياسية واسعة تشرك القوى المدنية الفاعلة، وتستمع لصوت الاقاليم، وتضع المؤسسة العسكرية في اطارها الطبيعي تحت سلطة مدنية منتخبة. دولة يكون فيها الامن اولا امن المواطن، لا امن السلطة.
قد يبدو هذا الكلام مثاليا في زمن المدافع، لكنه في الحقيقة اقل كلفة من انتظار معجزة من الخارج. فالدول تتحرك وفق مصالحها، لا وفق عواطفها. ولا احد سيرى السودان كما نراه نحن.
ذلك الراعي الذي سقط في الحلبة لم يكن يملك كثيرا من الخيارات. اما نحن فما زال امامنا خيار، مهما ضاق. اما ان نقبل ان نكون مشهدا في حلبة اكبر، يتسلى بها الاخرون، او ان نقرر الخروج من الحلبة وبناء ساحتنا بقواعدنا نحن.
العالم قد يتفرج، وقد يتدخل حين تقتضي مصالحه، وقد يلتقط الصور المبتسمة. لكن لا احد سيحزن على السودان بقدر اهله، ولا احد سيعيد بناء دولته ان لم يفعل ابناؤه ذلك.
ربما تكون هذه اللحظة القاسية، بكل ما فيها من خسارة وخراب، فرصة لمراجعة عميقة. ان نفهم ان السيادة ليست خطابا يلقى، بل مسؤولية تمارس. وان الكرامة الوطنية لا تمنح لنا، بل نصنعها بحسن ادارة شؤوننا، وبالاعتراف باخطائنا، وبالشجاعة لتصحيح الطريق.
عندها فقط لن تكون بلادنا حلبة لفرجة الاخرين، بل وطنا يستحقه اهله.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم