جزيرة إبستين ومختبر
جون كاليهون
حين تصبح الوفرة
أخطر من الجوع
دكتور محمد عبدالله
muhammedbabiker@aol.co.uk
في صيف عام 1968، وفي إحدى ضواحي واشنطن، أجرى عالم السلوك الأمريكي جون كاليهون تجربة ظلّت تثير الجدل لعقود. بنى ما يشبه “يوتوبيا” مكتملة للفئران: غذاء غير محدود، درجة حرارة مثالية، ماء نقي، وأمان تام من أي مفترس. ثمانية فئران فقط كانت نواة هذا العالم الذي أسماه “الكون 25”. كان المشهد أقرب إلى استعارة للحلم البشري القديم: الرفاه بلا خوف، والوفرة بلا ثمن.
تضاعفت الأعداد بسرعة. بدا كأن الحياة تحتفي بنفسها في كل زاوية. ثم بدأ شيء آخر يتشكّل في صمت.
في قلب هذا الخصب، ظهرت تغيّرات سلوكية مقلقة. لا لأن شيئًا كان ناقصًا، بل لأن كل شيء كان متاحًا. الإناث أهملت صغارها، الذكور انخرطت في صراعات عبثية على مساحات لم تكن شحيحة، وظهر نمط جديد من الذكور أطلق عليه كاليهون اسم “الجميلات”: فئران انسحبت من التنافس والتكاثر، واكتفت بالأكل وتنظيف فرائها في عزلة باردة. أناقة بلا وظيفة، ووجود بلا دور.
ثم توقّف التكاثر. المجتمع الذي ازدهر سريعًا أخذ ينكمش ببطء حتى اختفى تمامًا.
صاغ كاليهون توصيفه الشهير: “الموت الأول” يسبق “الموت الثاني”. الأول هو انهيار المعنى والدور الاجتماعي، والثاني هو الانقراض البيولوجي.
تعود هذه التجربة إلى الواجهة كلما تأملنا مجتمعات تعيش أعلى درجات الرفاه المادي، لكنها تعاني في الوقت ذاته من عزلة متفاقمة، واكتئاب واسع، وتراجع في معدلات الإنجاب، وتحول العلاقات الإنسانية إلى صيغ أكثر برودة ووظيفية. السؤال الذي يلحّ: هل يمكن أن تقود الوفرة نفسها إلى نوع من التفكك الداخلي؟
المقارنة، بالطبع، تحتاج إلى حذر. الفئران ليست بشرًا، و”الكون 25” كان نظامًا مغلقًا بلا تنوع ثقافي أو مؤسسات تعيد ضبط التوازن. الإنسان يملك ما لم يكن متاحًا لتلك القوارض: قانون، أخلاق، تعليم، صحافة، قدرة على المراجعة والتصحيح. ولهذا تعرّضت تجربة كاليهون لانتقادات علمية واسعة؛ بيئة مصطنعة، تعميمات درامية، وقراءة متسرّعة لسلوك حيواني بوصفه نبوءة اجتماعية.
ومع ذلك، تبقى قوة التجربة في رمزيتها. فهي لا تقول إن الوفرة تقتل حتمًا، بل إن الوفرة حين تنفصل عن المعنى قد تُنتج فراغًا خطيرًا.
هنا يبرز مثال صادم من عالم الثراء المعاصر: جزيرة ليتل سانت جيمس المرتبطة باسم جيفري إبستين. في تلك البقعة المعزولة، توافرت الثروة والسلطة والقدرة على الإفلات من القيود. لم يكن الجوع هو الدافع، بل فائض الامتياز. القضية التي تفجّرت لاحقًا لم تكشف فقط شبكة استغلال إجرامية، بل سلّطت الضوء على سؤال أعمق: ماذا يحدث عندما تنفصل القوة عن المساءلة؟ حين تتحول الرغبة إلى معيار وحيد؟
ليست الجزيرة مختبرًا علميًا، لكنها تقدّم مثالًا على هشاشة الأخلاق عندما تُحاط بالحصانة والوفرة معًا.
في بعض مجتمعاتنا العربية، حيث تتكدّس الثروات في أطراف محدودة، لا يظهر الانهيار دائمًا على هيئة مجاعة أو حرب، بل كتآكل بطيء في النسيج الاجتماعي: أسر متصدّعة، استهلاك استعراضي، فردانية حادة، وهروب إلى عزلات رقمية. ليس هذا قدرًا محتومًا، لكنه عرض يستحق التأمل.
الفارق الجوهري بين فئران كاليهون ومجتمعات البشر أن الأخيرة تمتلك أدوات تصحيح. قضية إبستين نفسها لم تُدفن في السرية، بل انكشفت وتحولت إلى مساءلة قضائية وأخلاقية واسعة. وجود قضاء مستقل، وصحافة استقصائية، ومجتمع مدني فاعل، هو ما يمنع “الموت الأول” من أن يصبح مصيرًا نهائيًا.
الحل ليس في تمجيد الفقر ولا في شيطنة الرفاه. التحدي الحقيقي هو بناء معنى داخل الوفرة. سياسات تعزّز الروابط الاجتماعية بدل تكريس العزلة. مساءلة لا تستثني الثروة أو النفوذ. ثقافة تُعيد الاعتبار لفكرة الدور والمسؤولية. وتنويع لمصادر القيمة الاجتماعية بحيث لا يصبح المال هو المعيار الوحيد للاعتراف.
ربما بالغ كاليهون في تعميماته، لكن تجربته تذكّرنا بحقيقة لا تخلو من القسوة: المجتمعات لا تنهار فقط حين ينفد الخبز، بل أحيانًا حين يفقد الخبز معناه.
في زمن الوفرة، قد لا يكون الخطر في الجوع، بل في الفراغ. والسؤال الذي يبقى معلقًا، بهدوء مُقلق: كيف نحفظ المعنى قبل أن يبدأ “الموت الأول”؟
muhammedbabiker@aol.co.uk
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم