البرهان… يفاوض “صمود” أم يتملّق ثوار ديسمبر؟

نزار عثمان السمندل

يتقلب السودان على جمر التعنت. حرب تلتهم أطراف البلاد منذ أبريل 2023، وقيادات تتبادل الرسائل فوق هدير المدافع، بينما الشارع يبحث عن هدنة تمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه.
البلاد تتنفس على إيقاع شائعات ثقيلة. أخبار تتحدث عن رحلة خارجية لقائد مليشيا الدعم السريع، حميدتي، إلى أوغندا، بعد صمت طويل اختفت خلاله إطلالاته المباشرة.
عودة اسمه إلى التداول تزامنت مع ما رشح عن مفاوضات سرية بين الجيش وتحالف “صمود”، فبدت الحركة كقطعة جديدة توضع على رقعة شطرنج شديدة الازدحام.

سؤال الارتباط يفرض نفسه. مفاوضات تُجرى في الكواليس بين معسكر يقودهالبرهان وقوى مدنية يتصدرها حمدوك تعني عملياً البدء في إعادة رسم حدود المشهد السياسي.
أي تقارب محتمل بين الجيش وكتلة مدنية ذات وزن ثوري يضغط مباشرة على موقع مليشيا الدعم السريع، ويهدد بعزلتها السياسية حتى لو ظلت حاضرة ميدانياً.
في هذا السياق، تبدو الرحلة الخارجية محاولة لكسر الطوق، بحثاً عن سند إقليمي، أو رسالة مفادها أن الرجل ما زال لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة مقبلة.

قيادة الجيش برئاسة البرهان تمضي في خطاب يؤكد أولوية الحسم الميداني، مع نبرة جديدة تجاه شباب ديسمبر، نبرة تستدعي طاقتهم في مواجهة الميليشيا. في المقابل، يتقدم حمدوك ومكونات مدنية أخرى بمبادرات تحاول فتح كوة في جدار الحرب. قبل أسابيع طُرحت دعوة إلى هدنة خلال شهر رمضان، مبادرة أرادت منح السودانيين فسحة سكون في الشهر الفضيل، ووضع المتحاربين أمام امتحان أخلاقي يليق بقدسية الشهر.

خطاب البرهان الإيجابي عن شباب ديسمبر أضاف طبقة أخرى من التعقيد. بدا وكأنه انعطافة لغوية تقف على مسافة من عبارته السابقة “المجد للبندقية”. تلك الإشارة إلى الطاقة المدنية، إذا اقترنت بقنوات تواصل مع “صمود”، تفتح احتمال تشكّل جبهة سياسية–عسكرية جديدة تضع المليشيا في زاوية أضيق. تحرك حميدتي خارج الحدود قد يكون قراءة مبكرة لهذا الاحتمال، ومحاولة لإعادة التموضع قبل أن تتصلب خطوط التفاهمات.

تعنت المشهد لا يُكسر بزيادة الجرعات العسكرية. الوقائع الميدانية ترسم حدود السيطرة، غير أن الخروج من الدائرة المغلقة يحتاج إلى عملية سياسية شجاعة تعترف بأن أحداً لا يملك السودان وحده. كل تصعيد يراكم الأثمان الإنسانية التي تحذر منها الأمم المتحدة، وكل تأخير في فتح المسار السياسي يضاعف الموت والنزوح وانهيار الخدمات.
في ظل هذا الانهيار، كل خطوة سياسية أو عسكرية تتحول إلى إشارة ذات أبعاد متعددة. رحلة حميدتي إلى كمبالا قد تحمل عنوان التشاور، وقد تعني طلب ضمانات، وقد تكون مجرد استعراض حضور بعد غياب. غير أن تزامنها مع همس المفاوضات يمنحها وزناً إضافياً.
وقد تعكس إدراكاً بأن معادلة الداخل تتبدل.
إذا صحّ حدوث مفاوضات للجيش مع “صمود”، تمهيداً لوضع لبنة أولى لمسار مختلف، فإن تحركات الدعم السريع خارج الحدود تبدو محاولة لضمان موقع على الطاولة قبل أن تتشكل ملامحها النهائية.
البعض عدّ كلام البرهان مجرد تملّق للشباب الثائر، ومغازلة براغماتية لقيادة “صمود” قد لا تفضي إلى أي شيء سوى خلط الأوراق وكسب الوقت.
السودان يقف عند عتبة لحظة دقيقة. مبادرة هدنة في رمضان حملت رغبة شعبية في استعادة نبض الحياة ولو مؤقتاً. همس التفاوض بين العسكر والمدنيين يوحي بأن الجميع بدأ يختبر حدود القوة وحدود الإنهاك.
كسر التعنت يتطلب شجاعة سياسية تعادل شراسة الميدان، ويتطلب اعترافاً بأن المجد الحقيقي يكمن في إنقاذ الأرواح وصون ما تبقى من وطن.
ربما تكون هذه التحركات المتقاطعة بوادر مسار يفتح نافذة أمل، وربما تبقى مجرد مناورات في حرب طويلة. بين الاحتمالين، ينتظر السودانيون هدنة تليق برمضان وتعيد إلى البلاد بعض طمأنينتها المفقودة.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

يبدأ الأمر بمقاعد، وينتهي بسؤال المعنى

نزار عثمان السمندلالمجلس التشريعي المرتقب؛ يُقدَّم كخطوة إجرائية في سياق حرب واضطراب، غير أن ما …