الفقر… حين يصبح الخصم في القصور لا في الأزقة

muhammedbabiker@aol.co.uk

دكتور محمد عبدالله
في قصيدته “حوارية عن الفقر” ينجح الشاعر اليمني الكبير الراحل عبدالعزيز المقالح في تحويل الفقر من حالة اقتصادية صامتة الى خصم حي، يمتطي فرس الجوع ويشهر سيف الاحزان ويجوب الحارات المقهورة كما لو كان جيشا منظما يعرف طريقه الى الضحايا. الفقر هنا ليس رقما في تقرير دولي ولا مفهوما تجريديا في كتاب اقتصاد، بل كائن قاتل يذبح الاطفال والشيوخ، يعيش في الاقبية السوداء، ويتجول في الاحياء المزدحمة. منذ السطر الاول يضعنا المقالح امام حقيقة قاسية: الفقر ليس عارضا اجتماعيا بل قوة فاعلة، منظمة، لها سطوتها ونفوذها.

غير ان القصيدة لا تقف عند حدود التشخيص البلاغي، بل تتقدم نحو مساءلة اخطر. الشاعر يستدعي علي بن ابي طالب، الرمز الاعلى للعدل في الوعي العربي الاسلامي، ويساله بمرارة: لم لم تقتله يا ابن ابي طالب. السؤال في ظاهره احتجاج تاريخي، لكنه في عمقه احتجاج اخلاقي معاصر: لماذا عجزت العدالة عن استئصال هذا الشر المزمن. يأتي جواب علي في القصيدة مفارقا وصادما في آن. يقول ان سيفه كان طويلا، لكن الفعل كان قصيرا، ثم يكشف الخلل الحقيقي: كنا نبحث عنه بين الفقراء. هنا تنقلب الصورة تماما. الفقر ليس في الازقة، بل في القصور. ليس في اجساد المنهكين، بل في بنية الامتياز التي تصنع الامتياز وتحرسه.

بهذا الانقلاب الدلالي يحرر المقالح مفهوم الفقر من اختزاله في العوز الفردي. الفقير ليس مسؤولا عن فقره، والفقر ليس نتيجة كسل او عجز اخلاقي، بل ثمرة نظام اجتماعي مختل. حين يقول علي في القصيدة ان الفقر فتى اقطاعي الدم يحيا في قصر مسحور الشرفات، فانه يشير الى بنية احتكارية تتغذى على عرق المهمشين. الفقر لا يولد في البيوت الطينية، بل في الغرف الوثيرة التي تتركز فيها الثروة والسلطة. انه نتاج سوء توزيع، لا سوء انتاج، ونتيجة فساد في العقد الاجتماعي، لا قصور في ارادة الافراد.

ومن هذا المنظور يمكن قراءة الفقر بوصفه عملية تاريخية تصنعها المجتمعات حين تختل موازينها. تفقر المجتمعات حين تحتكر قلة الموارد والقرار، وحين تغيب الشفافية، وحين تتحول الدولة من راع للمصلحة العامة الى اداة في يد شبكات ضيقة. تفقر المجتمعات ايضا حين تسيء تشخيص عللها، فتبحث عن الفقر بين الفقراء، وتكتفي بالصدقات الموسمية بدل الاصلاحات البنيوية. في هذه الحال يصبح العطاء بديلا عن العدالة، ويغدو الاحسان ستارا يخفي استمرار الخلل.

القصيدة تبلغ ذروتها الفلسفية في العبارة المكثفة: الموت الفقر الفقر الموت. هنا لا يعود الفقر مجرد نقص في الدخل، بل انتقاص تدريجي من الكرامة. من يسلبك اللقمة يسلبك الروح. من ينزع عنك الثوب ينزع عنك الجلد. الفقر يختصر الانسان الى حاجته الاولى، ويقوض ثقته بنفسه وبمجتمعه، ويفتح الباب امام امراض اجتماعية متعددة: من التسرب من التعليم الى انهيار المنظومة الصحية، ومن الجريمة الى الهجرة القسرية، ومن الاحتقان السياسي الى العنف. انه ليس مشكلة معيشية فحسب، بل تفكيك شامل لبنية المجتمع.

واذا نقلنا هذه الرؤية الى واقع السودان، بدت القصيدة كأنها كتبت بمداد من تجربته. السودان بلد زاخر بالموارد الطبيعية، من اراض زراعية واسعة الى ثروات معدنية ومائية، لكن تاريخه الحديث مثقل بالحروب الاهلية، وسوء الادارة، والفساد، وتركز السلطة في ايدي نخب ضيقة. هكذا تحولت الوفرة الى ندرة، والامكانات الى ازمات. لم يكن الفقر السوداني نتيجة عجز الشعب، بل نتيجة اختلالات هيكلية في توزيع السلطة والثروة، واقتصاد ريعي هش، وغياب مؤسسات مستقرة قادرة على حماية الصالح العام.

ومع تصاعد النزاعات في السنوات الاخيرة تفاقمت المأساة. النزوح الداخلي الواسع، انهيار الخدمات الصحية، تراجع التعليم، وارتفاع معدلات التضخم، كلها جعلت الفقر اكثر قسوة واكثر انتشارا. في مثل هذا السياق يصبح قول المقالح عن سلب اللقمة وسلب الروح توصيفا حرفيا لا مجازيا. الفقر حين يقترن بالحرب لا يقتل الاجساد فقط، بل يقتل الامل ويقوض فكرة المستقبل ذاتها.

غير ان القصيدة لا تنتهي بالياس، بل تلمح الى موضع المواجهة. من يرغب منكم في قتل الفقر فليقتله هنا، فوق موائد اصحاب المال. المعركة الحقيقية ليست في الشوارع وحدها، بل في السياسات، وفي بنية الاقتصاد، وفي طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. مكافحة الفقر لا تتحقق بالخطابات ولا بالمساعدات العابرة، بل ببناء دولة قانون، واقتصاد منتج، واستثمار جاد في التعليم والصحة، وبمكافحة الفساد عبر مؤسسات شفافة، وبتمكين المجتمعات المحلية من المشاركة في القرار.

قصيدة المقالح، في جوهرها، دعوة الى اعادة تعريف العدو. ما لم نتبين في الظلمة وجه الخصم، سنظل نشهر السيوف في الاتجاه الخطأ. الفقر ليس قدرا سماويا ولا لعنة ابدية، بل نتيجة خيارات بشرية قابلة للتغيير. والسؤال الذي يطرحه الشاعر، ويظل معلقا في فضاء القصيدة، هو السؤال ذاته الذي يواجه مجتمعاتنا اليوم: هل نواصل البحث عن الفقر بين ضحاياه، ام نمتلك الشجاعة لنراه حيث يقيم حقا، في القصور المسحورة الشرفات.

وفي ما يلي نص القصيدة كاملة:

حواريه عن الفقر

الشاعر الكبير عبدالعزيز المقالح

الشاعر: من يقتله

ها هو ذا يرتاد الحارات المقهورة

ممتطيا فرس الجوع

وممتشقا سيف الاحزان

يذبحنا اطفالا وشيوخا

يحيا في الاقبية السوداء

يتجول في الاحياء المزدحمة

لم لم تقتله يا ابن ابي طالب

سيفك كان طويلا

يخرج من صفحات القران

سيفي ما اقصره

يخرج من شفتي انسان

لا حول له لا شان

علي بن ابي طالب: سيفي كان طويلا

لكن الفعل قصير

فليغفر لي سيفي

شفتاه الظامئتان لكاس طافحة

بدماء الفقر

لم ترتعشا يوما

لم تغتسلا بمياه الشفق الاحمر

يا ويلي ضيعت الايام سدى

لم اتبين في الظلمة وجه الخصم

كان الفقر فتى اقطاعي الدم

يحيا في قصر مسحور الشرفات

يتزوج خمسا

يستحلب اشجار القات

سيفي وانا

كنا نبحث عنه بين الفقراء

في ساحات الجوع المكتظة

ها هو ذا يزرع اشجار البؤس

يبيع رماد الدمع

من يرغب منكم في قتل الفقر

فليقتله هنا

فوق موائد اصحاب المال

في سهرات التانجو

في حفلات الازياء

الشاعر: هل كان الموت طريق الفقر

ام كان الفقر طريق الموت

علمنا يا ابن ابي طالب مما علمك الله

علي بن ابي طالب: الموت الفقر الفقر الموت

من يسلبك اللقمة يسلبك الروح

من ينزع عنك الثوب

ينزع عنك الجلد

هذا الف الاشياء

ابجد اسفار العمر

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

البحث عن “زيكو” في زمن الحرب

muhammedbabiker@aol.co.ukمحمد عبداللهيروي المهندس عمر البكري أبوحراز، الرئيس الأسبق لاتحاد الكرة السوداني، حكاية تبدو للوهلة الأولى …

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor