التاريخ لن ينسى: كيف دُفع السودان إلى حافة التقسيم

أواب عزام البوشي

الدولة التي اختُطفت مرتين
لم يبدأ الانقسام يوم اشتعلت الحرب ، بل يوم تحولت الدولة إلى غنيمة. منذ انقلاب 1989، حين أحكمت الحركة الإسلامية قبضتها عبر حزب المؤتمر الوطني، أُعيد تشكيل مؤسسات الدولة على قاعدة الولاء لا الكفاءة. الجيش، الخدمة المدنية، الاقتصاد، الإعلام… كلها أُعيدت هندستها لتخدم مشروعًا سياسيًا لا مشروعًا وطنيًا. وحين سقط النظام بثورة ديسمبر، سقط رأس السلطة، لكن الشبكات بقيت. لم تُفكك البنية، بل أعادت التموضع، تنتظر لحظة العودة.
تلك اللحظة جاءت مع الحرب.

فرصة السلام التي أُغلقت

عندما اندلعت المواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع، لم يكن باب السياسة موصدًا بالكامل. كانت هناك وساطات، مقترحات لوقف إطلاق النار،وهدنة إنسانية ومسارات انتقالية يمكن أن تمنع الانهيار الشامل. الفريق أول عبد الفتاح البرهان كان يملك، بحكم موقعه، قرار التهدئة أو التصعيد. كان يستطيع أن يفصل بين بقاء الدولة وبقاء التحالفات القديمة. لكنه اختار منطق الحسم، وكأن المعركة صفرية: إما استعادة السيطرة كاملة، أو لا تسوية.
ذلك الخيار لم يكن عسكريًا بحتًا، بل سياسيًا بامتياز. لأن أي اتفاق لا يضمن عودة النفوذ القديم داخل مؤسسات الدولة كان يُنظر إليه كخسارة استراتيجية. وهكذا تحولت الحرب من صراع على إدارة المرحلة الانتقالية إلى معركة لإعادة تشكيل السلطة وفق موازين ما قبل الثورة.

حين تتشقق الخريطة بصمت

الحروب الطويلة لا تكتفي بإسقاط الضحايا، بل تُعيد رسم الجغرافيا. مع تمدد القتال، تشكّل واقع منقسم بحكم الأمر الواقع. مناطق تحت سيطرة الجيش فيها حد أدنى من مؤسسات الدولة، ومناطق واسعة خارج هذا الإطار تعيش فراغًا إداريًا كاملًا. هذا ليس مجرد تفاوت خدمي، بل مؤشر على دولة تتشظى.
في الأدبيات السياسية، تُسمى هذه الحالة “الدولة المتشظية”، حيث تحتكر أطراف متعددة أدوات العنف والموارد. ومع كل يوم يمر، تتعمق خطوط التماس، ويتكرس واقع مؤسسي مزدوج. الانقسام لا يُعلن فجأة، بل ينمو تدريجيًا، مثل صدعٍ صغير يتسع بصمت حتى يُقسم الجدار.

الحسابات التي غلّبت التنظيم على الوطن

المعضلة لم تكن في غياب الخيارات، بل في طبيعة الحسابات. التيار الإسلامي المرتبط بـ المؤتمر الوطني كان يخشى تسوية تُقصيه نهائيًا من معادلة القوة. لذلك بدا أن استمرار الحرب، بكل كلفتها الإنسانية، أهون من خسارة النفوذ. لكن الرهان على الحسم السريع كان تقديرًا خاطئًا، ومع طول أمد الصراع تعمق اقتصاد الحرب، وضعفت البنية القومية، وبدأت ملامح واقع موازٍ تتشكل.
الحديث عن تمثيل سياسي لكيانات خارج الإطار المركزي ليس تفصيلًا عابرًا، بل نتيجة طبيعية لمسار أُغلقت فيه أبواب السياسة في الداخل. حين يتعطل المركز، تبحث الأطراف عن شرعية في الخارج. وهكذا ينتقل الصراع من نزاع داخلي إلى معادلة إقليمية معقدة.

ما الذي سيكتبه التاريخ؟

التاريخ لا ينحاز للشعارات، بل يحاسب القرارات. سيكتب أن السودان لم يكن محكومًا بالتقسيم قدرًا، بل دُفع إليه دفعًا. سيكتب أن هناك فرصة للتهدئة أُهدرت، وأن من امتلك قرار وقف الحرب لم يستخدمه. سيكتب أن إعادة تمكين تيار سياسي قُدمت، في لحظة ما، على أولوية الحفاظ على كيان الدولة.
وقد يختلف الناس في تقييم الأدوار، لكن سؤالًا واحدًا سيظل معلقًا في سجل هذه المرحلة: هل كانت الحرب ضرورة وطنية، أم كانت وسيلة لإعادة ترتيب السلطة؟
إذا انزلق السودان إلى تقسيم فعلي، فلن يكون ذلك نتيجة قوة خصومه، بل نتيجة أخطاء نخبة ظنت أن القوة وحدها تصنع الدولة. غير أن الدولة، حين تُختزل في معركة نفوذ، تتحول إلى ساحة صراع لا إلى مظلة جامعة.

والتاريخ… حين يكتب، لا ينسى.

awabazzam456@gmail.com

عن أواب عزام البوشي

أواب عزام البوشي

شاهد أيضاً

الدور الأمريكي في إعادة هندسة مسار السلام بالسودان: قراءة تحليلية في تصريحات مسعد بولس

أواب عزام البوشيawabazzam456@gmail.com تشكّل تصريحات مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، نقطة …