ثلاثُ مجموعاتٍ لسبرِ أعمالِ ساردٍ واستكناهِ أمرِ دولةٍ في طريقِها للزَّوال

محمد خلف

لم يكنِ اهتمامُنا بالسَّاردِ السُّودانيِّ العظيمِ ناجماً عن نبوغِه الفذِّ أو “عبقريَّتِه” الرِّوائيَّة غير المسبوقة، فهناك مَن هم على ذات النُّبوغ والعبقريَّة؛ هناك، على سبيلِ المثال، المجذوبانِ: عبد الله الطَّيِّب المجذوب ومحمَّد المهدي المجذوب، علاوةً على الرَّشيد نايل، الَّذي كان يتفوَّقُ على كليهما في مسابقاتِ الشِّعرِ في كلِّيَّة غُردون التِّذكاريَّة، حسبما جاء في شهادة البروفيسور عبد الله الطَّيِّب نفسِه في كتابِه “من حقيبةِ الذِّكرياتِ” الَّذي حكى فيه جانباً من سيرتِه. ولكنَّ اهتمامَنا بالطَّيِّب صالح قد جاء لملامسةِ رواياتِه بشكلٍ لصيقٍ لخروجِ الدَّولةِ السُّودانيَّة من مِعطَفِ الحُكمِ الثُّنائيِّ، ولملاحظاتِه الثَّاقبة في أحشاءِ كتاباتِه بشأنِ وَرَثَتِها، ولتنبُّؤاتِه الَّتي أرهصت مبكِّراً بفشلِها. وربَّما تأتَّت له هذه القدرة النُّبوئيَّة، لأنَّه كان “محظوظاً” بأن هيَّأ له البختُ مسافةً لرؤيةِ الأشياءِ على “حقيقتِها” من مدينةِ الضَّباب، بعيداً عن عَتَمةِ “بختِ الرُّضا” وخشبةِ مسرحِها المحدودة. وإرهاصاً باحتمالِ تمتُّعنا بقدرةٍ شبيهة، قال لنا الرَّشيد نايل، والد زوجتي نادية، في وداعِنا بالقاهرة ونحنُ في طريقِنا إلى لندن، إنَّنا محظوظانِ بإقدامِنا على هذه الخطوة. وعلى سطحِ الأشياءِ، قد يكونُ الوالدُ الرَّشيدُ مُحِقَّاً، فقد تهيَّأت لابنتِه نادية سانِحَةٌ للمشاركةِ في إدارةِ الشَّأنِ المحلِّيِّ بالبلديَّةِ الملكيَّة بلندن، كما صدر لنا مؤخَّراً كتابٌ عنِ الرِّوائيِّ السُّودانيِّ العظيم. إلَّا أنَّ الأشياءَ في عُمقِها تبدو في واقعِ الأمرِ أكثرَ بؤساً ومأساويَّةً، خصوصاً عندَ النَّظرِ إليها في ظلِّ الأوضاعِ الرَّاهنةِ بالوطنِ المنكوب.

على سطحِ الأشياءِ فقط، يُمكِنُ، بشكلٍ عام، تمييزُ ثلاثِ مجموعاتٍ من قُرَّاءِ السَّاردِ السُّودانيِّ المتميِّز:
أوَّلاً، المجموعة الذَّهبيَّة: وهي على مستوى الدَّلالة، تشملُ مجموعةً من الكُتَّابِ والنَّاشطين المحظوظين الَّذين تولَّوا مناصبَ رفيعةً في أجهزةِ الدَّولة والمؤسَّساتِ الدَّوليَّة، من ضمنهم الطَّيِّب صالح نفسُه؛ إلَّا أنَّها تُشيرُ على مستوى الدَّالِّ إلى “ذَهابِهِم” ورحيلِهِمُ الفاجعِ في أعقابِ انحسارِ فترةِ ما بعد الاستعمار وانطواءِ الحُكمِ الأجنبيِّ في السُّودان. وهم بمُجلِهِم على معرفةٍ تامَّة بإحدى اللُّغتَيْنِ الرَّئيسيَّتَيْن (العربيَّة والإنكليزيَّة) أو بالاثنتَيْنِ معاً؛ وهمُ الَّذين أثاروا في المقامِ الأوَّل، بالتَّعاضُدِ مع رفقائهم في الدُّولِ المتحرِّرة حديثاً من رَبِقةِ الاستعمار، منظورَ الدِّراسات المابعدكولونياليَّة في دراسةِ الأدب؛ لذلك، فإنَّ أيَّ بحثٍ مستقبليٍّ ذي بالٍ في هذا المجال من المرجَّح أن يُشيرَ إلى هذه المجموعة وأن يُركِّز على مساهماتِها في هذا الخصوص.

ثانياً، المجموعة الفِضِّيَّة: وهي على مستوى الدَّلالة، تشملُ قطاعاً واسعاً من المتعلِّمينَ منذُ بدايةِ السَّبعينيَّاتِ وحتَّى احتدامِ التَّململِ العامِّ من الوضعِ القائمِ في السُّودان واهتزازِه في عام 2013، وسقوطِه في عام 2018؛ أمَّا على مستوى الدَّال، فهي، مجموعةٌ “فضفاضة”، لا يربِطُها إلًّا انحسارُ المعرفة باللُّغةِ الإنكليزيَّة، وتفشِّي ظاهرة الثُّنائيَّة اللُّغويَّة (كود إسويتشينغ) أوِ الثُّلاثيَّة (بأثرِ اللُّغاتِ المحلِّيَّةِ المتعدِّدة) أوِ الرُّباعيَّة (بتسرُّبِ عددٍ من المفرداتِ والتَّراكيبِ الفرنسيَّة إلى عامِّيَّة أهل العاصمة السُّودانيَّة بأثرٍ من حملة نابليون والوجودِ المصريِّ في السُّودان إبَّانَ الحُكمِ الثُّنائي)؛ وهذه المجموعة هي خليطٌ غيرُ متجانسٍ من الكتَّابِ الَّذين أنجزوا دراساتٍ متباينةً عنِ الطَّيِّب صالح، تتراوحُ ما بين المتوسِّط إلى الرَّائعِ للغاية.

ثالثاً، المجموعة البرونزيَّة: وهي على مستوى الدَّلالة، تشمل السُّودانيِّين المولودينَ في مدنِ الشَّتات، و”أولاد الذَّوات” الَّذين يزورون مدنَ الغربِ بشكلٍ متواتر ويتلقَّونَ دروساً راتبةً في تقويةِ اللُّغةِ الإنكليزيَّة في إجازاتِهِمُ الصَّيفيَّة؛ وهم عموماً على معرفةٍ حاذقةٍ باللُّغاتِ الأجنبيَّة، ولا يُتقِنُ معظمُهُمُ التَّحدُّثَ باللُّغةِ العربيَّة؛ أمَّا على مستوى تحوُّلاتِ الدَّال، فإنَّها مجموعةٌ حُبلى بإمكاناتِ “البروزِ” (إميرجنس) بتنبيتاتٍ جديدةٍ في تربةِ الثَّقافاتِ السُّودانيَّة، ورؤًى ثاقبةٍ كفيلةٍ بترقيتِها إلى مجموعةٍ بلاتينيَّة، خصوصاً وأنَّها تلقَّت خبراتٍ ثرَّةً واكتسبت مهاراتٍ لا حَصرَ لها، هذا إضافةً إلى ارتباطِها بجذورٍ واضحةِ المعالم وتاريخٍ ممتدٍّ وحضاراتٍ متعاقبةٍ وثورةٍ متَّصلة، ربطتهم ربطاً مُحكماً بالمستفيدينَ في الوطنِ الأُمِّ من انبثاقِ عصرِ المعلومات، رغم الانكساراتِ المؤقَّتة.

من ضمنِ هذه المجموعة أشخاصٌ مقرَّبون، هم -على سبيل المثال لا الحَصر- اِبني محجوب واِبنتي ماريا؛ وصلاح نجل بابكر الوسيلة؛ وصفيَّة نجلة عادل القصَّاص؛ وضُحى اِبنة سيدأحمد علي بلال؛ وعلي عبد اللَّطيف علي الفكي؛ فهل يقودهم هذا الاسمُ الأخير، أو هذا الدَّالُّ ذو الدَّلالةِ التَّاريخيَّة، إلى قراءةٍ جديدة تستكشفُ سرَّ غيابِ أحداثِ عام (1924) عن نصوص الطَّيِّب صالح الرِّوائيَّة، مثلما قادت “دومة ود حامد” إلى تستُّرِ الكاتبِ عن ذكرِ الحضارات السَّابقة، على الرَّغم من احتشادِ المنطقةِ بالآثارِ الباذخةِ والجبَّاناتِ الملكيَّة؛ وهل تقودُ قراءاتُهم إلى تناولٍ هادئٍ ورصينٍ إلى تلك الأحداث، لِتتوافقَ مع كتاباتِ الرَّاحل خالد الكِد، وشهاداتِ حَفَدَةِ علي عبد اللَّطيف، بشأنِ سلميَّة الأحداث، رغم لعلعةِ البارود؛ أو تنتظِمُ في مقارباتٍ مفتوحة -على شاكلةِ “المتنِ الرِّوائي المفتوح”- مع كتاباتِ اليابانيَّة يوشيكا كوريتا أوِ المؤرِّخة الفرنسيَّة ذاتِ الأصل الإيطاليِّ إيلينا فيزاديني؟

يُمكِنُ لهذه المجموعة الأخيرة أن تستفيدَ من تحليلاتِ قصَّة “دومة ود حامد” المضمَّنة في كتاب “المتن الرِّوائي المفتوح”، وأن تسعى إلى تطويرها لِتشملَ سكوتَ الرِّوائيِّ العظيم عن كافَّةِ التُّراث النُّوبيِّ التَّليد، وتجاهلَه الصَّارِخَ لأحداثِ عام (1924) الَّتي قاد قمعُها من قِبَلِ المستعمِر إلى تدشينِ عهدِ “السَّنواتِ العجاف”، هذا علاوةً على إمتاعِنا بإقامةِ حفلٍ ضافٍ في قلب الصَّحراء، فيما كان معاصروه يسعَونَ إلى تزويجِ “الغابةِ” بِـ”الصَّحراء”. كما يُمكِنُ للمجموعةِ الوسيطة أن تستفيدَ من ثلاثِ دراساتٍ لرواية “عرس الزَّين” مضمَّنةٍ في نفسِ الكتاب، بغرضِ استخدامِها مِنصَّةَ إطلاقٍ لدراساتٍ أشملَ لنشرِ ثقافة التَّسامح الَّتي من الممكن أن تُمهِّدَ في مُقبِلِ أيَّامِنا إلى إرساءِ حُكمٍ مدنيٍّ في السُّودان. أمَّا المتأثِّرون برَواجِ كتاباتِ المجموعة الأولى، فإنَّنا نربأ بهم، حينما يتناولونَ رواية “موسم الهجرة إلى الشَّمال” أن ينسَوا جراحاتِ الاستعمار، ولكن هيهات؛ فالاستعمارُ ما زال ماثلاً أمامنا للعيان، وحقبةُ ما بعد الاستعمار هي الأخرى معلَّقةٌ في رقابِنا مثل طائرِ القَطرَسِ في قصيدة “البَّحار القديم” للشَّاعر الإنجليزيِّ صمويل كولردج.

على مستوى العُمق، يُمكِنُ، بشكلٍ عام، النَّظرُ إلى المجموعاتِ الثَّلاثِ سالفةِ الذِّكر بعينٍ جديدة، تقترحُ مراجعتَها من أساسِها، بحيثُ ننتقلُ بصددِها من شأنِ السَّاردِ إلى شؤونِ الدَّولة؛ وبالتَّالي، إعادةُ تسميةِ هذه المجموعاتِ على النَّحو التَّالي:
أوَّلاً، مجموعة الغَفَلة: وهم مَن قلَّت فِطنتُهم، وربَّما لصِغَرِ سِنِّهِمُ آنذاك، فظنُّوا “أنَّ الأشياءَ هي الأشياء”؛ وهم، ولا نستثني منهم أحداً، مَن وَرِثوا الدَّولةَ كاملةَ الأركانِ من المستعمِر، فظنُّوا أنَّ التَّحريرَ وحدَه يكفي، وأن لا حاجةً قصوى تستدعي التَّعميرَ، فسكنوا في نفسِ البيوتِ، وأداروا البلادَ من نفسِ مواقعِ الحُكم المركزي؛ وتوزَّعوا الألقابَ فيما بينهم، وتقاسَموا الوزاراتِ والسَّفاراتِ؛ وأطلقوا الوعودَ، وأخَلُّوا بالمواثيق؛ وأفقروا الشَّمالَ وأشعلوا حرباً في الجنوب؛ وجوَّعوا الشَّرقَ، وتجاهلوا أزمة العطشِ في الغرب؛ وفي الوسطِ، لم يفطِنوا إلى خِنجَرِ الجيشِ الموجَّهِ، منذُ نُعومةِ أظفارِهم، نحو ظهورِهم.

ثانياً، مجموعة الضَّحايا: وهي تشملُ كلَّ الَّذين اكتووا بنيرانِ ثلاثةِ انقلاباتٍ حُسُوماً، أفسدتِ البلادَ بمُتواليةٍ تتضاعفُ مِراراً مع إذاعةِ كلِّ بيانٍ أوَّلَ في أعقابِ كلِّ حُكمٍ ديمقراطيٍّ قصيرٍ وغيرِ رشيد. ولم يكُنِ الضَّحايا هم فقط مَن سقطوا ظُلماً في الحروبِ الجائرة أو تمَّ تعذيبهم وتشريدهم وإفقارهم بالملايينِ من قِبَلِ فئةٍ حاكمةٍ ضالَّة، بل كان بينهم المضلَّلونَ الَّذين يُخدَعونَ بالقشورِ ولا يفقهونَ في كثيرٍ أو قليلٍ مَكرَ وحِيَلَ الحاكمين. ومع اشتعالِ الحربِ الجارية ونزوحِ الملايينِ إلى بقاعِ الأرض، اتَّسعَ نطاقُ الضَّحايا، لِيشملَ حتَّى المغتربينَ في المدنِ العربيَّة وبقيَّة مدنِ الشَّتات، إذ هُمُ القائمونَ الآنَ بشكلٍ واسع على تصريفِ “التَّكايا” وتوصيلِ مصاريفِ النَّازحينَ إلى دولِ الجوار.

ثالثاً، مجموعة الأمل: وهي مجموعةٌ تضمُّ سائرَ الشَّبابِ الَّذين أشعلوا الثَّورة بداخلِ البلاد، والَّذين يوظِّفون الآن وعيهم ومعرفتهم بوسائطِ التَّواصلِ الاجتماعيِّ الحديثة لاستمرارِها، مع استعدادِهم في نفسِ الوقت للتَّضحيةِ بدمائهم لإنجاحِها، رغم الانكسارِ المؤقَّت. ويسندُهم بالخارجِ قطاعٌ واسعٌ من الشَّبابِ الَّذين وُلِدوا أو نشأوا وترعرعوا في مدنِ الدِّياسبرا، فقد أنقذتهمُ الثَّورةُ من الضَّياعِ والانبتاتِ في مدنِ الشَّتات، مثلما حدث قبلهم للأفارقةِ في الأمريكتَيْنِ والبحرِ الكاريبي. صحيحٌ أنَّ الكاتب الأمريكيَّ أليكس هيلي قد تتبَّعَ جذورَه من أنابوليس بمحافظة ميريلاند في القرنِ الثَّامن عشر إلى غامبيا الحديثة بغربِ إفريقيا، ولكنَّ أغلبيَّة الكتَّاب الأمريكيِّينَ والكاربيِّينَ الأفارقةِ قدِ اختاروا لهم أوطاناً إفريقيَّةً بشكلٍ عشوائي؛ وكان أتعسُهم حظَّاً مَنِ اختارَ وطناً إفريقيَّاً كان يحكُمُه وقتَذاكَ إمبراطورٌ شهير، فاعتنقوه على الفورِ إلهاً!

لا خوفَ الآن على شبابِ الدِّياسبرا السُّودانيِّين من هذا المصير. بل إنَّهم أدركوا في ثنايا الثَّورةِ وما تكشَّفَ لهم في أثنائها أنَّهم ينتمونَ إلى وطنٍ غائرِ الجذور، وأنَّ ما يقِفُ أمام عودتِهم إليه فئةٌ لن تصمُدَ طويلاً أمام حركة التَّاريخ. وهي فئةٌ لا تشملُ الحاكمينَ المستبدِّينَ فقط، بل تشملُ رؤساءَ الأحزابِ “المُكَنكِشين” زمناً طويلاً على زِمامِ القيادة، وزعماءَ الطَّوائفِ الَّذين يتعيَّشونَ على أمجادِ أجدادٍ قديمة، وقادةَ “الملايشِ” الَّذين استهووا أمَدَاً طويلاً حالةَ الفوضى الضَّاربةِ في كلِّ أنحاءِ البلاد.

jilaylabee@hotmail.com

عن محمد خلف