هناك فرق شاسع بين الدولة… وزريبة الغنم

أواب عزام البوشي

في الأيام الأخيرة، كان لافتاً ذلك السيل من الرسائل التي يتداولها السودانيون المقيمون في دول الخليج، وهم يوثقون تفاصيل صغيرة لكنها عميقة الدلالة: رسالة تحذير تصل إلى هاتفك عند وجود تهديد محتمل، تعقبها رسالة تطمين بعد زواله.

اتصال مباشر بين الدولة والفرد، لا باعتبارك رقماً في سجل، بل إنساناً تحت مظلتها.

في الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان، لم تقتصر الاستجابة على التنبيهات، بل امتدت إلى حجز الفنادق للعالقين في المطارات، والتكفل بإقامتهم واحتياجاتهم اليومية من طعام وشراب ونفقات، على حساب الحكومة. وفي قطر، صدرت منشورات توعوية نفسية موجهة للمواطنين والمقيمين لتخفيف القلق وتعزيز الطمأنينة في أوقات التوتر.

هذه التفاصيل ليست ترفاً إدارياً، بل تعريفاً عملياً لمعنى الدولة. الدولة التي تتواصل معك وقت الخطر، وتشرح لك ما يحدث، وتطمئنك بعده. الدولة التي ترى في وجودك على أرضها مسؤولية كاملة، لا منّة فيها ولا استعلاء. كثير من السودانيين في الخليج يعرفون هذا الشعور جيداً: أن تكون محمياً لأنك ببساطة تحت مظلة قانون يحترم الإنسان.

في المقابل، تتكشف صورة أخرى حين يغيب هذا المعنى. حين يصبح الخطاب الرسمي سخرية من المدنيين، أو تبريراً لعجز الحماية، أو إلقاءً للّوم على الضحايا. لا يمكن لدولة محترمة أن تسمح بأن يتحول ألم الناس مادة للتقليل أو الاستخفاف، ولا أن ينسحب جيشها من واجبه الأساسي في حماية المدن، ثم يعود ليحاسب من صمدوا في بيوتهم بتهم التعاون، بينما كان هو قد غادر ساحة المواجهة.

ولا يمكن لدولة راسخة أن تبني أمنها عبر توزيع السلاح خارج إطار المؤسسة النظامية، أو صناعة تهديدات داخلية بيدها، ثم الادعاء بأن الخطر مفروض عليها من الخارج. حين يصبح السلاح أداة صراع سياسي، لا وسيلة حماية عامة، فإن الأزمة لم تعد طارئة؛ بل صُنعت بقرار، وتراكمت بإرادة.

الفارق بين الدولة والعصابة ليس في الشعارات، بل في السلوك. الدولة منظومة قانون ومؤسسات، تعرف واجباتها قبل أن تطالب بحقوقها. أما حين تختلط السلطة بالمصلحة، ويُختزل الوطن في جماعة، ويتحول الأمن إلى أداة بقاء لا أداة حماية، فإن الاسم يبقى، لكن المعنى يتآكل.

لهذا تبدو المقارنة مؤلمة، لكنها كاشفة. بين دولة تخدمك وتحميك لمجرد أنك على أرضها، وأخرى تتركك لمصيرك ثم تسائلك عن نجاتك. بين مظلة قانون، وحظيرة فوضى.

هناك فرق شاسع بين الدولة… وزريبة الغنم.

awabazzam456@gmail.com

عن أواب عزام البوشي

أواب عزام البوشي

شاهد أيضاً

رد على عثمان ميرغني: هل يمكن للقانون أن يحكم السودان بينما السلاح هو الحاكم؟

أواب عزام البوشي حين كتب الأستاذ عثمان ميرغني عن “دكتاتورية السيستم”، شعرت وكأنه يلمس قلب …