حكاية صحيفة “الخرطوم”

مؤانسة رمضانية (23)
فيصل محمد صالح
تستحق تجربة صحيفة “الخرطوم” في القاهرة أن يُكتب عنها أكثر من مرة، وعبر كتاب مختلفين؛ فهي تجربة متمردة ومغامرة عجيبة في زمن صعب، وقصة نجاح بدرجة أكبر مما كان متوقعًا. وكان الدكتور الباقر أحمد عبد الله، الناشر ورئيس مجلس الإدارة، والأستاذة ابتسام عفان مسؤولة الإدارة، والأستاذ فضل الله محمد رئيس التحرير، ثم المجموعة التي صمدت لمدة ثماني سنوات في ظروف متقلبة ومتغيرة، هم السبب الأساسي في نجاح الصحيفة واستمرارها لمدة ثماني سنوات (1993–2001)، بجانب الكُتّاب المتعاونين والقراء المواظبين.
كانت التجربة الصحفية للثلاثي: الباقر وابتسام وفضل الله، قد بدأت بمجلة الأشقاء بعد الانتفاضة بفترة، ثم فكروا في إصدار صحيفة يومية، وبدأوا في التجهيز. وقد التحقتُ بهم في الشهور الأولى من عام 1988 بعد عودتي من بعثة دراسية.
ضمت الصحيفة صحفيين مخضرمين، رحم الله من رحل منهم وأطال عمر الآخرين، منهم الأستاذ توفيق صالح جاويش والأستاذ ميرغني حسن علي. ومن الكُتّاب: علي حامد، محمد توفيق، رحمي سليمان، خالد الكد، عبد الله علي إبراهيم، محمد المكي إبراهيم، وعبد الوهاب موسى، إضافة إلى مجموعة من شباب الصحفيين في ذلك الوقت.
نجحت الصحيفة من اليوم الأول، والفضل الأول في ذلك يعود إلى المهنية الصارمة للأستاذ فضل الله، وكوكبة الصحفيين والكتاب. ثم جاءت الإنقاذ في 30 يونيو 1989، وكانت الصحيفة تتأهب للاحتفال بالذكرى الأولى لصدورها، فأوقفت التجربة الديمقراطية كلها ووأدتها، ومن ذلك الصحف المستقلة، فتوقفت الصحيفة عن الصدور. وظللنا نرابط في مكاتب الصحيفة لفترة طويلة في انتظار قرار السماح بالصدور، بينما سافر بعض أفراد الطاقم إلى مصر وبلاد أخرى.
رفض معظمنا العمل في صحافة الإنقاذ، واتجهنا إلى أعمال مؤقتة أخرى. شخصيًا بدأت التدريس بالجامعة بملاليم لا تقيم الأود، ثم تدريس اللغة الإنجليزية في معهد أهلي مع صديقنا الراحل خلف الله حسن فضل، إضافة إلى مراسلات متقطعة لصحف خارجية.
في أواخر عام 1992 كان الدكتور الباقر يتحرك لإيجاد مكان لصدور الصحيفة، ونجح في تسجيلها في بريطانيا، وحصل على إذن للطباعة في مصر مع فتح مكاتب لها في القاهرة.
بدأنا في التجهيز: توزيع المهام وتجهيز المواد. وكانت المفاضلة بيني وبين الأخ محمد محمود راجي: من يبقى مديرًا للمكتب بالخرطوم، ومن يذهب مديرًا للتحرير في القاهرة. كنتُ ميالًا للبقاء في الخرطوم، لكن كان للأستاذين الباقر وفضل الله رأي آخر؛ وهو أن راجي أقل تسييسًا مني، وهو أفضل لإدارة المكتب بالخرطوم، بينما كنت مصنفًا سياسيًا وخارجًا من اعتقال، وبالتالي قد يكون وجودي بالمكتب سببًا في إغلاقه. رابط راجي في الخرطوم مع الدكتور مرتضى الغالي، معتصم محمود، رشا كشان، صلاح شعيب، فائز السليك وآخرين في ظروف صعبة جدًا، مع طاقم إداري محدود.
سافرنا إلى القاهرة مع الأستاذ فضل الله وأسرته، ومعي الزميل مزمل المقبول. ومن المطار ذهبنا بحقائبنا إلى المكتب لنلحق بمن سبقونا في التجهيز والإعداد: محمد مصطفى الحسن، إبراهيم علي، عوض أبو طالب، وعبد الحميد ميرغني، والراحلين حيدر طه، معاوية جمال الدين، وديع خوجلي، والفاتح عباس. ثم انضم إلينا الأستاذ السر قدور، وفي فترات لاحقة جاء محمد الأسباط، ويحيى فضل الله، وأحمد عبد المكرم، ورجاء العباسي، ونجاة عبد السلام، ومحمد أحمد دسوقي، وفائز ديدي، ومنتصر القدال… وآخرون.
كان اتفاقنا وتصميمنا أن نلتزم بالعمل بمهنية صارمة، وأننا رغم وجودنا في القاهرة فلن نكون ناطقين باسم أي كتلة سياسية. وقد سبب لنا هذا الاتجاه في البداية مشكلة مع أحزاب ومنظمات التجمع الوطني المعارض التي صنفتنا باعتبارنا معادين لها، ثم سرعان ما استقامت الأمور وتحسنت العلاقات. في المقابل سارعت الحكومة إلى منع توزيع الصحيفة في الخرطوم، ثم أغلقت المكتب وسحبت ترخيصه.
كانت صعوبة التجربة أنها تمت في زمن لم تكن فيه خدمات الإنترنت العامة ولا الهاتف الجوال موجودة، وكذلك الفضائيات الإخبارية. كنا نعتمد على جهاز الفاكسميلي، أو على تسجيل الأخبار القادمة من السودان عبر الهاتف ثم نقوم بتفريغها، بجانب أخبار وتحركات المعارضة التي كنا قريبين منها. وكنا حريصين على التواصل مع الوفود الحكومية التي تصل إلى القاهرة؛ فقبل بعضهم الحديث معنا، ورفض آخرون.
وكان جدول صدور الصحيفة قد صُمم ليناسب السوق السعودي، حيث يوجد أكبر عدد من المغتربين السودانيين. ولكي تستطيع الصحيفة الوجود في أسواق المملكة صباحًا، كان لا بد أن تصل قبل السادسة مساءً حتى تكتمل عملية الإفراج عنها. لذلك كانت الصحيفة تذهب إلى مطبعة أخبار اليوم حوالي الحادية عشرة صباحًا، وتتحرك من المطبعة مباشرة إلى مطار القاهرة لتصل جدة قبل السادسة مساءً. وكان يعني هذا أن أخبار اليوم السابق لن تكون موجودة، لذلك اعتمدنا على صناعة الأخبار الخاصة والتقارير المتنوعة.
كان العمل شاقًا ومتعبًا: صناعة صحيفة سودانية يومية خارج السودان، مع وجوب أن تكون كل المادة سودانية؛ أخبار سياسة واقتصاد، ومقالات رأي، ومنوعات، وفنون، وثقافة، ورياضة. كانت المرحلة الأولى في غاية الصعوبة، ثم مع الاستمرار كسبنا كتّابًا ومراسلين متطوعين من مختلف دول العالم ظلوا يمدوننا بالمواد المختلفة، مما خفف عنا العبء. وغالبًا ما كنا نخرج من الصحيفة في الثالثة أو الرابعة صباحًا، ويأتي محرر في الصباح الباكر ليتابع آخر الأخبار قبل الدفع بالصحيفة إلى المطبعة.
نواصل في الحديث عن التجربة، واعتذاري مقدمًا لزملاء وأصدقاء ربما لم أذكرهم وسقطت أسماؤهم من الذاكرة الخربة.
الصور:
الذكتور الباقر
الاستاذ فضل الله
أستاذ فضل الله مع طاقم الصحيفة

عن فيصل محمد صالح

فيصل محمد صالح

شاهد أيضاً

مسامرة مع المجذوب

بسم الله الرحمن الرحيممؤانسة رمضانية (19)فيصل محمد صالحقلت في حديث الامس عن حمزة الملك طمبل …