عثمان محمد صالح
في البدء كان خريستو بوتف الشاعر والصحفي الثوري الذي صار أيقونة للبعث الوطني في بلغاريا إبان الاحتلال التركي. ثم ارتقى الشيوعيون إلى سدة الحكم في 1944 وشيَّدوا مدينة الطلاب في صوفيا سنة 1975 ومن بين ما أقاموه في تلك المدينة صالة خريستو بوتف للالعاب الرياضية. ثم ركضت الأعوام حتى جاء رجل من أقصى المدينة يسعى فرأى صالة الالعاب فراقت له فرغب في أن يجعل في مدخلها مقهى يؤمه الطلاب فحالفه التوفيق في ما أراد.
عشت منذ اواخر سبتمبر 1988 في مدينة الطلاب في صوفيا مقيماً في جزئها المجاور لصالة خريستو بوتف التي تفصلها عن المباني السكنية ساحة معشبة. عشت هناك دون أن الحظ اقبالاً من الطلاب الاجانب على دخول تلك الصالة التي كانت بكل ما يحدث فيها ومن يدخل إليها ويخرج منها عالماً بلغارياً بامتياز، ليس فيه مايجتذب الطالب الأجنبي. واستمر ذلك التباعد طويلاً والأجانب ينظرون الى الصالة بلامبالاة ، يرونها مكاناً بعيداً عنهم وهو أدنى إليهم من حبل الوريد، لاتفصلهم عنها سوى ساحة معشبة يمكن قطعها مشياً على الاقدام في دقائق معدودات، حتى وقع التغيير السياسي في العاشر من نوفمبر 1989 فاتحاً الطريق لظهور الملكية الفردية واقتصاد السوق فانتشرت المقاهي الخاصة في مدينة الطلاب ومن بينها بزغ نجم مقهى صالة خريستو بوتف فلقي القبول وهفت إليه النفوس.
أكثر فئات الطلاب ارتياداً لمقهى الصالة هم الطلاب المنحدرون من أصول افريقية، والذين اجتذبهم إليه ذلك المزيج سريع الاشتعال، ذلك الكوكتيل المسكر الذي تتفاعل فيه الجعة والنساء والشعور بالراحة والطمأنينة التي وجدوها في ذلك المكان فاقبلوا عليه وحداناً وزرافات حتى أنهم أطلقوا عليه من باب المزاح اسم برلمان افريقيا. وقد أصابوا في التسمية إذ لم يكن رواد المقهى ليعدموا ممثلاً لأي من شعوب افريقيا في مدينة الطلاب. ليس لافريقيا إلى يومنا هذا برلمان يجمع شعوبها المتفرقة تحت قبَّة مشتركة سوى ذلك البرلمان الذي أقامه أبناؤها في مدينة الطلاب في صوفيا.
في أول ذلك المساء البعيد في آخر الاسبوع دلفت إلى صالة البرلمان الفريد حيث تسود الحرية فألفيته يعج بالرواد غالبيتهم افارقة. كانت الأصوات في جنباته تتعالى بشتى الألسن من موائد احتلتها قوارير البيرة التي بدت بين صحاف المزة مثل صواريخ صغيرة خضراء موشكة على الانطلاق. غمائم دخان التبغ انتشرت في كل مكان. وسمعتُ هنا وهناك ضحكات فتيات بلغاريات من أصول فلاحية هربن من الأرياف التي انهارت فيها التعاونيات بعد التغيير في العاشر من نوفمبر1989 فشحت فرص الحياة ففررن بأحزانهن وآمالهن إلى صوفيا بحثاً عن العمل، فلم يجدن فيها سوى الفاقة والبطالة والتيه فلُذن بمدينة الطلاب حيث عشن مشردات بلاعنوان. يمشين معصوبات العيون على حافة الهاوية يعشن حياة كئيبة وهن يقاومن الانهيار وينشدن المفقود.
عثمان محمد صالح،
تلبرخ، هولندا
16.03.2026
osmanmsalih@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم