“قطار الشوق” … للعيد كان يودينا
بقلم: د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
هل تذكرون ذلك الصوت؟
الصوت الفريد الأجش، الذي كان وهو يَهدِرُ يُدَوّي في الآفاق، يقطع صمت السهول والقرى ليل نهار، ويوقظ في الروح أشواقاً لا تنام؟. كنا ونحن نسمعه قادماً من بعيد، نفرح ننتشي عندما يعلو عليه صوت الصفارة المميزة والعجلات الحديدية تسير الهوينا والقطار يقترب من المحطة. نحس كأنها تبشرنا أن القادم يحمل معه الرسائل وأخبار الغائبين التي نشتاق إليها. يغمرنا حضوره بفرحة العودة، خاصة عودة الأحباب من الأقارب والأصدقاء بالسلامة ليشاركونا الفرحة بالأعياد والمناسبات السعيدة. كان هو صوت “القطار”، صديق السفر الذي لا يخون، والحاضن الدافئ الذي كان يتسع لأحلامنا كلها وأحمالنا في “قمراته” الضيقة. فيه نأكل ونشرب، نتحرك وننام. فيه نتعرف على بعض ونخلق صداقات جديدة.
تلك المقصورات الخشبية، بروائحها المميزة ومقاعدها المتعبة، لم تكن مجرد مكان ننتقل فيه من نقطة إلى أخرى. كانت عالماً مصغراً، وسكناً متنقلاً، نقطع فيه المسافات الطويلة ونحن مطمئنون. تجرنا عجلاته الحديدية، التي كانت تجوب بلادنا من أقصاها إلى أقصاها على خطوط رفيعة منبسطة في امتدادها تمثل شرايين الحياة الرئيسية، تذكرنا “بالحقيقة الغائبة” أن السودان جسد واحد متصل، موصول، “قلبه نابض”.
القطار هو الملهم الأول للشعراء والمبدعين. كم من قصيدة ولدت في جلسة أنس ورحلة سفر جمعت شعراء من الوطن وتغنى بها المغنون على إيقاع دقاته؟ كم من دمعة وداع اختلطت بدخانه؟ وكم من ابتسامة عودة اتسعت وأحضان دافئة ضمت محبين على رصيف محطاته؟ القطار هو العالم الصغير المتحرك. هو ذكرى القرى والحضر. هو الزمن ذاته، يمر بنا مسرعاً، تاركاً فينا ذكريات لا تذوي صورها وألوانها، يتردد صداها مع صدى عجلاته سفراً إلى الأبد.
محطات من نور وظل
كان لكل مدينة في مساره لونها وطعمها الخاص. مثلاً آخذ هنا، الحبيبة عندي جارتنا عطبرة. “أتبرا” كما كانت تسمى قديماً، وعاصمة الحديد والنار، حيث كانت الورش الكبرى فيها تبعث الحياة من جديد في عربات وصوالين القطارات المتهالكة، وتصمم الجديد منها ليس لبلادنا فحسب، بل لأفريقيا كلها. كانت محطتها الكبيرة، بساعتها الضخمة التي تراقب الزمن، تحنو على المسافرين وكأنها تكتب وصية تعلقها في عنق كل مسافر يمشي على الرصيف : “لا تنسَ”!.
وبوفيه المحطة الفسيح النابض بالحيوية كان يفيض بسندوتشات اللحوم والكبدة، وأسماك “بلطي” النيل اللذيذة، والبيض والفلافل السودانية المميزة، وعصير الفانتا ومشروب السكة الحديدية المميز “الجنجبيرا” وعصير الفواكه الطازج المثلج. كلها نعم وخيرات تزودنا بها قبل أن توغل بنا عجلات قطار “الاكسبرس” في عمق الصحراء الموحشة. وأنسنا هناك لم يكن سوى صوت احتكاك تلك العجلات بالقضبان الحديدية. قضبان لا تنام، فهي قلب الحياة النابض في صحاري وغابات وطننا.
رغم الكم الهائل من الأشجار المزهرة والورود التي تحيط بالمحطة تفوح في الأجواء رائحة زيوت المحطة والورش وتخيم على رائحة القطار نفسه . هي سمة تتميز بها مدينة عطبرة لأن ورش السكك الحديدية ومستودعات الزيوت كلها تجاور وتحيط بالمحطة. هي تشبه خليط رائحة زيوت ودخان وحريق مجتمعة في ماعون واحد، لا تأباها النفوس، بل تستأنس بها وترتخي بتأثيرها الأجسام التي أنهكها طول السفر.
ثم تأتي بعد سويعات “شندي”، بمحطتها البهية التي كانت تنتظر ببشاشة أهلها ولذيذ فواكهها والمشروبات الباردة ومنسوجاتها القطنية، معلنة لنا وللقادمين من حلفا البعيدة اقتراب مسافة الرحلة من الخرطوم. كانت الرحلة تنتهي، لكن أثرها يبقى ينشر كتباً وقصصاً من ذكريات لا تذوي.
القطار في عيون الشعراء: “ثلاثية السفر”
لكل منا قصته مع القطار. لكن الشعراء وحدهم من يستطيعون ترجمة تلك الأحاسيس إلى كلمات تسافر بنا عبر الزمن كما سافرنا في القطار. دعونا نصحبهم في رحلة:
أولاً: محمود درويش ونشيد المنفى:
درويش لا يركب القطار، بل يجلس فيه حائراً، باحثاً عن هوية:
“مقعدٌ في قطار… مناديلُ ليست لنا… كُلُّ أهلِ القطارِ يعودون للأهلِ، لكننا لا نعودُ إلى أي بيتٍ… نسافرُ بحثًا عن الصفرْ”.
هذا هو وجه القطار الآخر، ليس موصلاً للوطن، بل كاشفاً للاغتراب.
ثانياً: إيليا أبو ماضي والرحلة الصوفية:
يقودنا أبو ماضي بقطاره في رحلة روحانية، حيث لا تفرق بين البرق والقطار، فيجعل من الشوق وقوداً:
“بنا وبه حنين واشتياق … ولولا ذان ما سرنا وسارا”
ثم يحول الشوق إلى بخار يصعد إلى السماء، ويجعل من القطار رسولاً للتحايا بين الأحبة.
ثالثاً: علي محجوب وأنشودة اللقاء:
أما المهندس علي محجوب، فقد خطف قلوبنا بقطار لا يقلع، هو قطار الشوق:
“قطار الشوق متين ترحل تودينا… نشوف بلداً حنان أهلها ترسي هناك ترسينا”
إنه قطار الحلم، قطار العودة الذي نقطعه في خيالنا كل ليلة. إنه القطار الذي نرجوه أن يسرع ليدني الأحبة، وأن يحن على قلوب العاشقين فيغفر لهم محطات الفراق.
هذه الصور التي رسمها محجوب هي الأكثر حياة، لأنها جعلت من القطار كائناً حياً نخاطبه، نترجاه، ونعاتبه، ونحبه. والجدير بالذكر أنه لم ينسَ ذكر مدينة “عطبرة” بمنتهى الرقة والأشواق، ليس فقط لأنه تخرج في مدرستها الثانوية العريقة، بل لأنها كذلك تحمل دلالة وطنية رمزية، فهي “عاصمة الحديد والنار” وعاصمة مصانع وورش صيانة قطارات سكك حديد السودان كلها. هي كانت أكبر تجمع لعمال السودان الحرفيين ومثقفين
التحية والتقدير لك يا المدينة الملهمة أتبرا “كما يحلو لي وللعرب البدو الرُحَّل مناداتك”، وسلام لأهلك الطيبين، وهناك عند المقرن لنهرك الفياض ونهر النيل الخالد، ومهما تبعدنا عنك المحطات العالمية وسفر الحياة فالشوق أبداً لنسايمك يا عطبرة وحي السودنة الحلوة. كم كنا هناك نقابل ناس طيبين، ذكراهم اليوم تشجينا…وفراقهم من على البعد يبكينا…رحم الله من رحل منهم إلى الأبد في دار النعيم
ختاماً
القطار لم يكن مجرد وسيلة نقل. كان ولا يزال عالماً ديناميكياً معادلاً للحياة. في الواقع الذي نعيشه، كلنا ركاب على متن قطار الزمن المتسارع، نقطع محطاتنا، بعضها معروف، وبعضها مجهول، نرجو في نهاية المطاف أن ترسو بنا القضبان في محطة سلام.
يا رب رحلة سعيدة لكل مسافر، ستزيد فرحة أهله “عيداً جديداً” على فرحتهم بقدوم عيد الفطر السعيد الذي هو على الأبواب.
ولك أيها القطار، كل الحب والامتنان ويارب تعود معززاً . محطاتك تشتاق لك …هي في انتظارك
القراء الأفاضل:
ربنا يسعدكم بتقبل صيامكم ويحقق آمالكم . …. عيدكم مبارك، وكل عام وأنتم بخير.
عبدالمنعم
Alarabi AA March 2026 © ،Sudanile
aa76@me.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم