عندما تأخذ الحرب أجمل ما فينا

بقلم: هشام الحلو
الحرب ليست مجرد أرقام تُتلى في نشرات الأخبار، وليست مجرد ركام يُرفع من شوارع كانت يوماً تنبض بالحياة. الحرب، في جوهرها الأكثر قسوة، لص محترف يتسلل إلى أعماقنا ليسلبنا أثمن ما نملك؛ ليس البيوت أو المقتنيات، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تجعل منا بشراً سوياً. إن أول ما تأخذه الحرب منا هو “الدهشة”، تلك القدرة الفطرية على التأمل في شروق الشمس أو الاستمتاع برائحة القهوة الصباحية؛ فتحت وطأة القذائف، يتحول اهتمامنا من “كيف نعيش” إلى “كيف ننجو”، وتصبح أحلامنا متواضعة لدرجة الوجع. وكما قال محمود درويش يوماً في وصف هذا التواضع القسري للأمنيات: “ونحن نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً”؛ لكن الحرب تجعل ذلك “السبيل” ضيقاً كخرم إبرة، فتتحول طموحاتنا من عناق النجوم إلى مجرد الحصول على ليلة هادئة لا يقطع صمتها دوي انفجار.
والحرب تأخذ “الطمأنينة”، وتزرع بدلاً منها ريبة تسكن العيون، فننسى كيف نثق في الطريق، وكيف ننام دون أن نضع خطة للهرب. تأخذ منا “البراءة” في عيون أطفالنا الذين كبروا قبل الأوان، فبدلاً من أن يرسموا عصافير وأزهاراً، باتت دفاترهم تضج بالطائرات والمنازل المحترقة؛ لقد سرقت الحرب منهم حقهم في أن يكونوا “صغاراً”. وعندما تسقط الجدران، لا يسقط الحجر وحده، بل تسقط معه “الذكريات”؛ ذلك الركن الذي شهد أول ضحكة، وتلك الزاوية التي خُبئت فيها الأسرار، كلها تذروها الرياح. إن الحرب تأخذ منا “الانتماء” للمكان، وتجعلنا مغتربين حتى ونحن فوق ترابنا، نبحث عن ملامح مدننا التي شوهتها النيران فلا نكاد نعرفها.
إن أقسى ما تفعله الحرب ليس قتل الأجساد، بل قتل المعاني التي نعيش من أجلها، وتحويل القلب العامر بالحب إلى مساحة قاحلة من الخوف. ورغم كل هذا السواد، يبقى الرهان على ما تبقى من “إنسانية” فينا، فالحرب وإن أخذت أجمل ما فينا، إلا أنها تعجز عن أخذ “الإرادة” في البدء من جديد. إننا نقاوم القبح بالجمال، والدمار بالبناء، والنسيان بالذاكرة؛ ولن نترك الحرب تنتصر علينا بجعلنا نسخاً مشوهة من الغضب، بل سنحاول، بكل ما أوتينا من تعب، أن نرمم تلك الشظايا، لنستعيد يوماً ما كان وما نزال.. كائنات خُلقت لتحب، لتبني، ولتكون هي الجمال في هذا الوجود.

hishamissa.issa50@gmail.com

عن هشام الحلو

شاهد أيضاً

عندما تضع الحرب أوزارها

بقلم: هشام الحلوفي اللحظة التي سيتوقف فيها هدير الرصاص، وتكفُّ الأرض عن الارتجاف تحت وطأة …