زهير عثمان
في زمن اختلطت فيه أصوات المدافع بنشوة الآمال، وتلاشى فيه فاصل اللحظة بين حلم التغيير وكابوس الحرب، يطل علينا الباحث المؤرّخ البروف أحمد إبراهيم أبو شوك بكتابه “السودان.. مقاربات ووثائق في الثورة والانتقال والحرب” ليكون بمثابة بصيرةٍ في عتمة الأحداث، ومنارةٍ تضيء دروباً معقّدة التواءت فيها المسارات وتشابكت المصائر
إنّه عملٌ يرقى بفعل التوثيق إلى مصاف الكتابة التاريخية النادرة، تلك التي لا تكتفي بتسجيل الوقائع، بل تغوص في أعماقها لتستخرج خيوطها الخفيّة ونواميسها العميقة
عندما تصير الوثيقة نافذةً على الحدث
يمتلك أبو شوك جرأة المؤرّخ الذي يكتب التاريخ وهو يتشكّل، وحكمة المحلّل الذي يدرك أن الفهم لا يكتمل إلا بتجريد الأحداث من آنيّتها العابرة فلا يكتفي بعرض الروايات الشفوية أو التحليلات الصحفية المتسرّعة، بل ينحاز إلى الوثيقة بوصفها عرّاباً على الحقيقة، ويرفعها من أداة مساعدة إلى محورٍ رئيسٍ في بناء السرد
يقول المؤلف: “كل بيان، كل اتفاق، كل تقرير ميداني، هو جزء من شبكة من العلاقات والتفاعلات تعكس الواقع السوداني كما هو، لا كما يُحكى عنه”
ومن خلال البيانات الرسمية والاتفاقيات والخطابات السياسية والتقارير الميدانية، بل وحتى المحتوى الرقمي المتناثر، تصبح “نوافذ” حقيقية تُطلّ على الحدث من داخله، لا من خارجه
في هذا المنهج الجريء، تتحوّل المادّة الخام إلى بنية متكاملة، وتصبح الجزئيات المبعثرة نسقاً يكشف عن نسيج التحولات العميقة
ثورة تعيد تشكيل الوعي
يعيدنا أبو شوك في قراءته لثورة ديسمبر 2018 إلى جوهرها العميق، متجاوزاً السرديات المختزلة التي جعلت منها مجرد احتجاجٍ عابرٍ أو انفجار غضبٍ لحظي
إنّها في تصويره عملية اجتماعية وسياسية وثقافية مركّبة أعادت تشكيل الفضاء العام السوداني، وأحدثت قطيعة معرفية في علاقة المواطن بالدولة
فكل مظاهرة كانت رسالة، وكل لجنة مقاومة مؤسسة، وكل بيان حلقة في شبكة وعي جماعي متشكّل. بهذه الرؤية الثاقبة، يقدّم لنا المؤلّف ثورة لم تكن مجرد تغيير حكّام، بل إعادة تعريف للحكم ذاته
بين الانتقال والتعثّر
غير أن هذا الأفق الواسع سرعان ما يصطدم بواقع الانتقال السياسي، الذي يقدّمه الكتاب باعتباره امتداداً للصراع لا نهايته , فالمرحلة الانتقالية، كما يرسمها أبو شوك، لم تكن رحلةً استقرارية هادئة، بل ساحة مفتوحة لتجاذبات عنيفة بين المدنيين والعسكريين، وداخل كل طرف على حدة. وهنا يبرز دور الفضاء الرقمي الذي صار ميداناً موازياً للصراع، تكشف فيه الخطابات المتضاربة وردود الفعل الجماهيرية عن عمق الانقسام في بنية السلطة والمجتمع. إنّه تحليل دقيق يرى أن القرارات السياسية لا يمكن فهمها بمعزل عن سياقها التراكمي، وأن كل اتفاق يحمل في داخله بذور التوتر ما لم تُحل الإشكالات البنيوية التي أنتجته
الحرب كوابيس دولة لم تكتمل
وهكذا، لم يكن مفاجئاً أن يتحوّل مسار الانتقال إلى حرب مفتوحة في أبريل 2023. فالحرب في السودان، كما يستخلص الكتاب في خلاصاته الكبرى، ليست حدثاً طارئاً أو انحرافاً مفاجئاً، بل نتيجة منطقية لمسار معقّد من الاختلالات التاريخية والمؤسسية
إنّها تجسيد لأزمة دولة لم تنجح في بناء مركز متماسك، ولم تستطع إدارة تنوعها، ولا ضبط توازناتها بين قواها المختلفة
بأسلوب يجمع بين الدقة الأكاديمية والحس الإنساني، يضعنا أبو شوك أمام حقيقة قاسية ما نراه اليوم من دمار هو نتاج تراكمات عقود، وليس نتيجة لحظة عابرة
شبكة الفاعلين صراعٌ بلا نهاية
ويمثّل تحليل شبكة الفاعلين واحداً من أبرز إسهامات الكتاب، إذ لا يختزل الصراع في طرفين متقابلين، بل يقدّمه كمنظومة متداخلة تشمل الجيش، قوات الدعم السريع، القوى المدنية، إلى جانب الفاعلين الإقليميين والدوليين
في هذه الشبكة المعقّدة، يكفي خلاف على بند واحد كدمج القوات أو توزيع المناصب لإطلاق سلسلة كاملة من التصعيد , و إنّها قراءة تخلصنا من وهم الحلول السريعة، وتدعونا إلى فهم التعقيد كجوهر للأزمة، لا كعرض طارئ
تحية للمؤرّخ الشجاع
في المحصّلة، يقدم أحمد إبراهيم أبو شوك عملاً يتجاوز اللحظة السياسية إلى أفق أوسع، حيث يصير السودان حالة تاريخية مفتوحة، لا تُفهم بحدث واحد، بل بتراكم طويل من الأزمات والتحولات
وهو بذلك يحرّر النقاش من سطحية الاتهام المباشر، ويدفعه نحو مساءلة أعمق: كيف وصلنا إلى هنا، وما الذي يجعل الخروج من هذا المأزق ممكناً أو مستحيلاً؟
تحية تقديرٍ للمؤلف الذي لم يكتفِ بتسجيل الألم السوداني، بل سعى إلى فهمه بأدوات العلم، وقدّم نموذجاً نادراً في كتابة التاريخ وهو يحدث. ففي زمن تختلط فيه الروايات وتضيع الحقائق، تظلّ مثل هذه الأعمال ضرورة معرفية لا غنى عنها لأي محاولة جادة لفهم السودان، أو التفكير في مستقبله
إنّه كتاب لا يُقرأ مرة واحدة، بل يُعاد إليه كلما اشتبكت الأحداث، أو تداخلت الأسئلة، أو احتجنا إلى من ينير لنا دروباً أضلّتها حروب الكلمات قبل حروب الرصاص.
zuhair.osman@aol.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم