بقلم د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
المملكة المتحدة
قبل سنوات كتبت هنا مقالا بعنوان “عندما كنت تلميذا صغيرا في الصف السادس”. كان يحمل في طياته نقداً عميقاً للنظام التعليمي التقليدي في السودان، ذلك النهج القهري وعقابي الذي استمر حتى تسعينيات القرن الماضي. مقال اليوم لابد أن يكون مغايرا لما سبق، واليوم يصحبني ابن ابنتي وقد أنهى الصف السادس الذي فيه صُرِف له ولجميع زملائه كمبيوترات نقالة.
من سوط العنج إلى اللوح الذكي: رحلة التعليم في نصف قرن
منذ أيام قليلة، وأنا أجلس متأملاً أراقب الصغار وهم يلعبون ببراءة حولي، لا يعرفون من الخوف شيئاً، تذكرت تلك اللحظة التي كنت فيها تلميذا صغيرا وزميلي الذي كان يجلس خلفي ويعاني من التأتأة. كنا نترقب دورنا في تسميع القرآن تحت وطأة سوط “العنج” الذي كان يهوي على أفخاذ ورؤوس التلاميذ بدون رحمة. كنا في انتظار دورنا نرتجف خوفاً. واليوم، وبعد أكثر من ثلاثين عاماً، أجلس أمام شاشة حاسوبي المحمول، أتابع حفيدي وهو يدرس الجغرافيا عبر تطبيق تفاعلي يأخذه في جولة افتراضية ثلاثية الأبعاد داخل غابات الأمازون. بل إن معلومات هذا الجيل اليافع العامة عن الجيلوجيا والكون ومجراته أذهلتني.
هذه القفزة الهائلة في وسائل التعليم، التي صنعتها العولمة والتكنولوجيا، تدفعني للتساؤل: كم طفلاً سودانياً لا يزال يرتجف خوفاً تحت سوط “عنج” قديم لا يزال أو آخر إلكتروني جديد؟
دروس من فنلندا: عندما يكون اللعب أساس التعليم
قبل أيام فقط، وتحديداً في ١٩ مارس ٢٠٢٦، نشرت بي بي سي على موقعها تقريرها السنوي عن “أسعد بلاد العالم”*. وللعام التاسع على التوالي، جاءت فنلندا في المركز الأول، تليها آيسلندا في المركز الثاني، ثم الدنمارك والسويد والنرويج في المراكز الخمسة المتقدمة. هذا التصنيف ليس صدفة عابرة، بل هو ثمرة فلسفة مجتمعية ودراسة علمية متكاملة، يقع التعليم الإلزامي المجاني افي صميمها.
كتبت سابقاً على هذا المنبر في خضم بحثنا عن نموذج تعليمي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، تبرز التجربة الفنلندية كمنارة تستحق التأمل. ففي فنلندا، التي تُصنف باستمرار بين أفضل أنظمة التعليم في العالم، لا يُنظر إلى اللعب على أنه مضيعة للوقت أو ترفيه لا طائل منه، بل هو حق أساسي من حقوق الطفل وأداة تعلم محورية.
الطفل الفنلندي لا يدخل المدرسة إلا في السابعة من عمره، وقبل ذلك يقضي سنواته في التعلم عبر اللعب والاكتشاف. وفي المرحلة الابتدائية، يدرس الأطفال ما معدله ٤-٥ ساعات يومياً فقط، مع استراحة إجبارية لمدة ١٥ دقيقة بعد كل حصة مدتها ٤٥ دقيقة. هذه الاستراحات ليست للعبث، بل للعب الحر في الهواء الطلق، حتى في الأجواء الباردة. والنتيجة؟ أطفال أكثر تركيزاً خلال الحصص، وأقل إجهاداً، وأكثر حباً للمدرسة.
التجربة الفنلندية تؤكد أن “اللعب يعزز التعلم”، وأن “الطفل السعيد يتعلم بشكل أفضل”. هناك مقولة فنلندية شهيرة تلخص فلسفتهم: “تلك الأشياء التي تتعلمها بدون فرح، ستنساها بسهولة”. تخيلوا لو طبقنا هذا المفهوم في مدارسنا السودانية، فبدلاً من أن يدخل الطفل المدرسة خائفاً من “العنج”، يدخلها شغوفاً متحمساً ينتظر ما سيقدمه له معلمه من أنشطة ممتعة وتجارب ثرية.
لقد طبقت دول أخرى غير فنلندا هذا النموذج بنجاح. ففي إقليم البنجاب بالهند، على سبيل المثال، تم إرسال مجموعات من المعلمين للتدريب في فنلندا، وعادوا ليبدأوا تطبيق نموذج “السعادة أولاً” في فصولهم الدراسية. النتائج كانت مذهلة: أطفال يأخذون استراحات قصيرة بعد كل حصتين ليعودوا أكثر تركيزاً، ومعلمون يأخذون تلاميذهم إلى حقول الأرز ليتعلموا عملياً عن البيئة والزراعة بدلاً من الدروس النظرية المجردة. هذا هو جوهر التعليم: ربط المعرفة بالحياة، وإشراك الطفل بكل حواسه.
وربما لهذه الأسباب مجتمعة، تظل فنلندا في قمة تصنيف أسعد بلاد العالم عاماً بعد عام، بينما لا تزال أمتنا تبحث عن طريقها وسط تناقضات لم نُحسن حلها بعد.
- المصدر تقرير بي بي سي “أسعد بلاد العالم 2026” (نُشر في ١٩ مارس ٢٠٢٦ ولا يزال متاحاً):
https://www.bbc.co.uk/travel/article/20260317-the-worlds-happiest-countries-for-2026
ثنائية الخوف والتعلم: من جسد التلميذ إلى شاشته
في زمن دراستنا، كان الخوف جزءاً أصيلاً من العملية التعليمية. كنا نتعلم رغم الألم، أو ربما بسببه. لكن سرعان ما ننسى ما حفظناه . كان المعلم “مأذوناً له التصرف في اللحم، ولأهل التلميذ العظم”، كما تقول الحكاية السودانية. والنتيجة؟ تلاميذ يحفظون القرآن خوفاً من العقاب، وآخرون للأسف يتغوطون في ملابسهم من فرط الرعب. وفي حالات نادرة أكثر بشاعة، أطفال يموتون في الخلاوى والمدارس لأن الضرب كان يشمل حتى الرأس. كان يموت وخز الضمير وتموت الشفقة والرحمة في قلوب بعض المعلمين. بأي وجه يقابلون الله يوم الوعيد؟
اليوم، وبفضل التكنولوجيا، تغير شكل “الخوف” في التعليم. لم يعد الخوف من الضرب الجسدي، بل أصبح خوفاً من نوع آخر: الخوف من الفشل الرقمي، الخوف من عدم مواكبة السرعة الهائلة للمعلومات، الخوف من أن تلتهمك الخوارزميات، أو أن يحكم عليك الذكاء الاصطناعي بأنك “متأخر” قبل أن تتاح لك فرصة التعلم.
العولمة لم تأتِ فقط بألواح الرقائق الذكية والإنترنت، بل جاءت أيضاً بمعايير دولية صارمة، وبمناهج عالمية، وبتطبيقات تعليمية تفاعلية. لكن هل استطعنا نحن في السودان أن نستفيد من هذه الأدوات دون أن نفقد روح التعليم السوداني الأصيل؟ هل افتقدنا ترديد الأناشيد القديمة التي تسافر بنا بخيالها الرائع نجوب كل ربوع السودان كأننا جزء من سكانها؟… “في القولد التقيت بالصديق… أنعم به من فاضل صديق… ركبت معه في الساقية… فيالها من ذكريات باقية”. رحمة الله على الصديق مضيفنا في السفر المدرسي “صديق عبدالرحيم”. ورحم الله الاستاذ عبدالرحمن علي طه ومن معه من معلمين أجلِِّاء أصحاب فكرة هذا النشيد التعليمي والسياحة التاريخية داخل ربوع الوطن
عندما تلتقي “الخلوة” بـ “قوقل”!
كثيرون يتذكرون أيام الخلوة والمدرسة معاً. كان الانتقال يتم مرحلياً من شيخ يحمل “اللوح” وعصا الخيزران “البسطونة”، إلى معلم يحمل “العنج” المخيف. كلاهما كانا يربيان حيواناً لا إنساناً، قسراً وبالخوف. أما اليوم، فأبناء السودان يحملون في جيوبهم هواتف ذكية تفتح لهم أبواب المعرفة التي لم نكن نحلم بها يوماً ولا في النوم لأنها لم تكتشف بعد. يستطيع تلميذ اليوم في قرية نائية بدارفور أو جنوب كردفان أو جبال البحر الأحمر أن يحضر محاضرة من جامعة هارفارد، ويتعلم البرمجة عبر يوتيوب، ويتواصل مع أقرانه بالصورة والصوت من مختلف أنحاء العالم.
لكن التحدي الأكبر الذي يواجهنا اليوم ليس توفير الأجهزة أو الإنترنت، بل هو تحويل عقلياتنا نحن الكبار. فكم من مدرسة ما زالت تتعامل مع التكنولوجيا كـ “ترفيه” وليس كأداة تعلم أساسية؟ كم من معلم يرفض الاعتراف بأن التلميذ قد يعرف أكثر منه في بعض المجالات التقنية؟ وكم من أسرة لا تزال ترى أن الضرب هو أساس التربية؟ بل البعض يظن أن في ضرب من يد الشيخ بركة تساعد في تفهيم من لا يفهم!
بدلاً من “إترمِ، الله ينكدا عليك” إلى “كيف يمكننا مساعدتك؟”
في مقالي القديم، وصفت معلماً أبداً لن أنساه، كان جافاً، يصفع على الوجه ويزيد يقول للتلميذ الذي لا يجيد الحفظ: “إترمِ الله ينكدا عليك”. كانت تلك فلسفة تعليمية كاملة: أنت من تفشل وحدك، والعيب فيك أنت. أبواب النجاح والمستقبل مغلقة أمامك!
اليوم، وبفضل التطور التربوي الذي رافق التطور التكنولوجي، أصبح السؤال الصحيح هو: “كيف يمكننا مساعدتك لتتعلم بشكل أفضل؟”. التكنولوجيا الحديثة أتاحت لنا أدوات التشخيص الدقيق لصعوبات التعلم، ووفرت مسارات تعليمية فردية تناسب كل تلميذ حسب قدراته وسرعته في التعلم. ولا أنسى هنا التركيز والاهتمام بالصغار ذوي الاحتياجات الخاصة وأنهم يحتاجون إلى مهارات معلمين متخصصين في هذا الجانب المعرفي والمهني الحساس.
التطبيقات التعليمية الحديثة لا تعاقب على الخطأ، بل تكرر الشرح بطرق مختلفة حتى يفهم التلميذ. الذكاء الاصطناعي يستطيع اكتشاف الثغرات في فهم الطالب وتقديم تمارين مخصصة لمعالجتها. هذا هو الفرق الجوهري من التعليم القائم على “العقاب”، إلى التعليم القائم على “الفهم والتمكين”.
الجرح الذي لم يندمل: قتلى الأمس وشهداء الغد!
لا يمكنني أن أنهي هذا المقال دون العودة إلى تلك القصة الموجعة التي رويتها قبل سنوات: تلميذان في مرحلة الأساس ماتا نتيجة الضرب على الرأس، وانتهت القضية بالعفو “بسبب تدخل الأجاويد”. اليوم، ربما تكون منصات التواصل الاجتماعي هي “الأجاويد” الجدد، لكنها وحدها أيضاً لا تكفي. كم من تلك القصص تتكرر اليوم في صمت؟ صحيح أن وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي أصبحت تنشر هذه الحوادث، وصحيح أن هناك وعياً متزايداً بخطورة العنف ضد الأطفال، لكن القوانين وحدها لا تكفي.
العولمة قد يخشى البعض من تداعياتها التي تتيحها حرية التعبير والنشر. لكنها ليست فقط إنترنت وتطبيقات ذكية، بل هي أيضاً قيم عالمية وضوابط تأمين لحقوق الطفل وكرامة الإنسان. هذه القيم يجب أن تشبع بها مناهجنا التعليمية، وإلى طرق تدريسنا، وإلى ثقافتنا المجتمعية. لا يمكننا أن ننتمي للعالم ونحن نضرب أطفالنا حتى الموت ثم نتستر على الجناة.
رؤية لمستقبل التعليم في السودان: بين الأصالة والمعاصرة
أحلم بمدرسة سودانية تجمع بين دفء العلاقة الإنسانية التي كانت تجمعنا ونحن في مرحلة الثانوية بأساتذتنا في أندية الموظفين واحتفالات سينما بربر الوطنية، عندما كبرنا فصارت علاقة التلميذ بالمدرس أقرب إلى الصداقة، وبين دقة وكفاءة التكنولوجيا الحديثة، مدرسة يعرف فيها المعلم تلاميذه بالاسم وليس بالرقم في قاعدة بيانات، لكنه يستخدم أيضاً تطبيقات تحليل التعلم لمتابعة تقدم كل تلميذ.
أحلم بأن تتحول “الخلوة” في كل بقاع السودان كما فعل شيخ البدري عبدالله بالقدواب، بدلاً من مكان للحشو والتخويف للحفظ إلى مؤسسة تعليمية تستخدم التكنولوجيا لتعليم القرآن الكريم بفهم وتدبر، وللتعليم الحرفي المفيد مع الحفاظ على القيم والأخلاق التي تميز مجتمعنا.
أحلم بأن نصل إلى مرحلة لا يموت فيها طفل واحد بسبب عقاب بدني، وأن تصبح مدارسنا أماكن آمنة للإبداع والتفكير النقدي، وليس ثكنات عسكرية يخرج منها جيل يخاف من التفكير.
خاتمة: الدرس الذي لم نتعلمه بعد
في قصيدة علي الجارم “طائر يشدو على فنن” التي كنا ننشدها بطرب وتأمل يفاجئنا في آخرها وهو يقول:
“قد نعمنا بالهوى زمناً ** وشقينا آخر الزمن”
أقول: لقد نعمت أمم غيرنا بالتعليم القائم على الاحترام واللعب والاكتشاف زمناً، وشقيت أمتنا آخر الزمن بسبب تخلفنا عن ركب التطور. لكن الأمل في شبابنا لا يزال قائماً. فكما استطاعت دول كثيرة أن تقفز من التخلف إلى الريادة في جيل واحد، يمكننا نحن أيضاً أن نفعل ذلك، إذا توفرت لدينا الإرادة السياسية الحكيمة العادلة ، والرؤية التربوية السليمة، والاستثمار الحقيقي في الإنسان.
العولمة ليست خياراً، بل هي واقع نعيشه. التكنولوجيا ليست ترفاً، بل ضرورة. لكن الأهم من كل ذلك، أن ندرك أن التعليم الجيد ليس مجرد أجهزة لوحية وإنترنت سريع، بل هو قبل كل شيء احترام لعقل الطفل وكرامته وإنسانيته.
ختاماً، أعود لنداء وجهته في مقالي القديم: “عليكم يا أهلنا في السودان بالزراعة فهي المخرج الحقيقي”. واليوم أضيف: ازرعوا في أطفالكم حب المعرفة كما تزرعون الأرض، واسقوهم بالاحترام لا بالخوف، وراقبوهم ينمون في ظل تكنولوجيا إنسانية، تحررهم ولا تستعبدهم، وتمكنهم ولا تخيفهم. فالطفل الآمن المطمئن هو وحده القادر على بناء سودان جديد، يليق بحلمنا جميعاً.
وما زلت أحلم… لأجلهم.
هم بذور الاستثمار الحقيقي. هيئوا لهم التربة الصالحة والمناخ الصحي. اليوم، وليس غداً.
عبدالمنعم
Alarabi AA
March 2026 © Sudanile
aa76@me.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم