السودان… الحرب مستمرّة

زوايا
حمّور زيادة
قُصف في 20 من مارس/ آذار الجاري مستشفى الضعين التعليمي في دارفور، ما أدّى إلى مقتل عشرات المدنيين وخروج المستشفى من الخدمة. وصفت الأمم المتحدة ومنظمة الصحّة العالمية الهجوم، في إدانتيهما، بأنّه انتهاك للقانون الدولي الإنساني، لكنّهما مجرّد بعض إدانات تكرّرت حتى كادت تفقد تأثيرها، وتحوّلت إلى توصيفات لا أكثر.

لم يكن مستشفى الضعين أول منشأة طبية تُستهدَف منذ اندلاع الحرب في إبريل/ نيسان 2023. وثّقت منظمات إنسانية، بينها أطباء بلا حدود، تعرّض مئات المستشفيات والعيادات وسيارات الإسعاف للقصف والنهب، أو التحويل إلى مواقع عسكرية. ينكر طرفا الحرب الاتهامات الموجّهة إليهما، ويوجهانها إلى الخصم. لذلك استنكرت الخارجية السودانية اتهام الجيش بقصف مستشفى الضعين، مثلما نفت قوات الدعم السريع اتهامها بقصف مستشفى الفاشر في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

في موازاة هذا، حاولت الأمم المتحدة إعادة تنشيط المسار السياسي بتعيين مبعوث جديد إلى السودان، البلد الذي عرف مبعوثين أمميين وأميركيين وأوروبيين مَلُّوه ومَلَّهم. تُظهر تجارب المبعوثين السابقين صعوبةَ مهمّة المبعوث الجديد. فالألماني فولكر بيرتس أعلنه الجيش شخصاً غير مرغوب فيه، بعد أن اتهمه قائد الجيش بالتنسيق مع قائد “الدعم السريع” للاستيلاء على السلطة، والجزائري رمضان لعمامرة استمع للجميع، ثم لم يحدث شيء. والمبعوث الجديد، الذي ليس غريباً عن السودان، بدأت الحركة الإسلامية في الهجوم الإعلامي عليه مثلما كانت تفعل مع فولكر. ومنذ 2023، فشلت عدّة مبادرات لوقف إطلاق النار، في جدّة وأديس أبابا والبحرين والقاهرة. تُوقَّع الاتفاقات ثم تنهار سريعاً على الأرض، ويتهم كلُّ طرف الآخر.

لم يتغيّر موقف الطرفَين كثيراً؛ ما زال الجيش يشترط انسحاب مليشيا الدعم السريع من المدن قبل أيّ وقف لإطلاق النار، بينما تعلن الأخيرة استعدادها لقبول الهُدن الإنسانية مع استمرارها في العمليات العسكرية، وقصف محطّات توليد الكهرباء، وما زال مساعد الرئيس الأميركي يكرّر أنّه لا بدّ من هدنة الآن بلا شروط مسبقة، لكنّ أحداً لا يسمعه وسط أصوات الطائرات المسيّرة. وخلال الأشهر الماضية، اتّسع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة، ما أدّى إلى زيادة سقوط ضحايا مدنيين، وهو تطوّر يجعل الحرب أكثر انتشاراً، وأقلَّ قابلية للسيطرة.

على المستوى الإنساني، يواجه السودان أكبر أزمة نزوح في العالم حالياً. لكن هذا لا يبدو مقلقاً لأحد، على الأقلّ لسلطات الجيش في الخرطوم التي تسعى جاهدةً إلى تطبيع واقع الحرب. ملايين من السودانيين، رغم حركة العودة الواسعة، ما زالوا نازحين داخلياً أو لاجئين خارجياً في ظروف صعبة. وأكثر من نصف السكّان في حاجة إلى مساعدات عاجلة. تحذّر تقارير الإغاثة من المجاعة في دارفور وجنوب كردفان. لا أحد يسمع، بل تنكر السلطة العسكرية التقارير عن هذا الأمر.

ناقش مجلس الأمن الحرب الأهلية السودانية مرّات، لكنّه لم يتمكّن من اتخاذ إجراءات حاسمة بسبب الخلافات بين الدول الكبرى وتزاحم الأزمات الدولية الأخرى. لذلك بقيت الضغوط الدولية محدودة، والعقوبات بلا مردود حقيقي. ظلّ السلاح يتدفّق بينما يغيب الطعام، وطرفا الحرب يواصلان القتال من دون كلفة سياسية كبيرة، إذ لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ولا أحد يحاسب أحداً على شيء. إنها الفوضى، حلم كلّ شمولي.

في هذا السياق، يمكن أن نلخّص الوضع السوداني الحالي بأنّه إقرار بالانفصال بين حكومتَين تدير كلٌّ منهما جزءاً من البلاد، مع استمرار حرب المسيّرات واستنزاف العدو، ومع فتح جبهة جديدة في إقليم النيل الأزرق واقتراب مليشيا الدعم السريع من مدينة الدمازين، بينما يحاول الجيش التقدّم في إقليم كردفان، وسط محاولات دولية غير مثمرة للضغط على أطراف الحرب ومموّليها، ما يعني أنّ الوضع قد يستمرّ فترة طويلة، مفتوحاً على أيّ مفاجآت.

بعد 2011، اشتُهر في العالم العربي تعبير “الثورة مستمرّة”، مستلهماً من أفكار تروتسكي والثورة المستمرّة والدائمة. وهذا ما يمكن أن يصف الحرب السودانية: “المستمرّة والدائمة”.

نقلا عن العربي الجديد

عن حمور زيادة

شاهد أيضاً

أرض البنادق

زواياحمّور زيادة“لا رأي لمَن لا يقاتل”… قالها محمّد حمدان دقلو (حميدتي) في عام 2014. كانت …